3 - ✔️
الفصل الثالث
كانت السيارة السوداء تشق طريقها عبر ضباب لندن الكثيف، كأنها وحش معدني يبتلع المسافات. جلست ليزا في المقعد الخلفي، يداها ترتجفان فوق فخذيها، وعيناها لا تفارقان وجه أدريان الذي يظهر في المرآة الأمامية. كان هادئاً بشكل مرعب، يده اليسرى تداعب مقود السيارة بخفة، بينما يده اليمنى تمسك سيجارة فاخرة، ودخانها يملأ المكان برائحة التبغ الممزوجة برائحة الكرز الحلو المر.
«أدريان.. أرجوك، أعدني إلى منزلي»، همست ليزا، وصوتها يتقطع كخيط حرير بالٍ.
لم يرد. لم يرمش حتى. كان ينظر إلى الطريق أمامه بعينين رماديتين باردتين، كأنه يقودها نحو نهاية لا عودة منها. بعد ساعة من الصمت المطبق، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة، تعلوها تماثيل غربان سوداء بأجنحة مفرودة. انفتحت البوابة بصرير معدني حاد، ودخلت السيارة إلى ممر طويل تحيط به أشجار السرو العالية التي بدت في الظلام كأصابع عملاقة تشير إلى السماء.
توقفت السيارة أمام قصر مهيب مبني من الحجر الرمادي القديم، ونوافذه الطويلة تعكس ضوء القمر الشاحب. نزل أدريان، وفتح باب ليزا. مد يده إليها، لكنها انكمشت على نفسها.
«ليزا، لا تجعليني أفقد صبري في ليلتنا الأولى»، قال بصوت منخفض فيه نبرة تحذير ممزوجة بالعشق المريض. «انزلي بهدوء، أو سأضطر لحملكِ، وأنتِ تعرفين أنني أفضل الطريقة الثانية».
نزلت ليزا بخطى متعثرة. الهواء هنا كان بارداً جداً، ورائحة الصنوبر الممزوجة برائحة البحر القريب تملأ رئتيها. سحبها من يدها نحو الداخل. ما إن دخلت حتى شعرت بالرهبة تغمرها. القاعة الكبرى كانت مليئة باللوحات الزيتية الضخمة، والثريات الكريستالية التي تتدلى من السقف كدموع متجمدة.
«هذا هو منزلكِ الجديد»، قال أدريان وهو يخلع معطفه ويرميه لجاكس الذي ظهر فجأة من الظلام. «جاكس، تأكد من أن كل شيء جاهز في الجناح الشرقي، ولا أريد أي إزعاج».
صعد أدريان بليزا إلى الطابق العلوي. توقف أمام باب خشبي ضخم مزخرف بنقوش مقصات متقاطعة. فتح الباب ودفعها إلى الداخل بلطف لا يخلو من القوة.
كانت الغرفة واسعة جداً، جدرانها مغطاة بحرير أحمر غامق، وسرير ضخم يتوسطها مغطى بملاءات سوداء ناعمة. لكن ما لفت نظرها كان الجدار المقابل؛ كان مغطى بالكامل بصورها. صور لها وهي تضحك مع صوفيا، وهي تدرس، وهي نائمة في غرفتها القديمة.
«أنت.. أنت مريض!» صرخت ليزا وهي تتراجع نحو الباب. «كيف تجرؤ على مراقبتي هكذا؟»
اقترب أدريان منها ببطء حتى حاصرها بين جسده والباب. وضع يديه على جانبي رأسها، وانحنى حتى لامست أنفه أنفها. «أنا لست مريضاً يا ليزا، أنا عاشق. والعاشق لا يترك معشوقته تغيب عن عينيه لحظة واحدة. كل صورة هنا هي صلاة رفعتها لتعودي إليّ».
«أنا لا أحبك! أنا أكرهك!» صرخت في وجهه، وبدأت تضربه بقبضتيها الصغيرتين على صدره.
لم يتحرك أدريان. تركها تفرغ غضبها، وكان ينظر إليها بابتسامة هادئة كأنه يستمتع بلمساتها حتى لو كانت ضربات. عندما تعبت وسقطت يداها، أمسك بذقنها ورفعه لتقابل عينيه.
«الكره هو الوجه الآخر للحب يا فتاتي. كلاهما شغف، وكلاهما يربطنا ببعضنا. سأجعلكِ تكرهينني حتى تملي، ثم سأعلمكِ كيف تحبين هذا الكره».
انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة وباردة. «الآن، اذهبي واغتسلي. وضعت لكِ ملابس جديدة في الخزانة. سأنتظركِ في الأسفل لتناول العشاء. وإياكِ أن تفكري في الهرب؛ النوافذ مضادة للكسر، والكلاب في الخارج لم تأكل منذ يومين».
خرج وأغلق الباب خلفه. سمعت ليزا صوت القفل يدور. ارتمت على الأرض وبدأت تبكي بحرقة. كانت تشعر أن جدران الغرفة تضيق عليها، وأن صورها المعلقة تراقبها بعيون ميتة.
دخلت الحمام الفخم، ورائحة البخور والياسمين تملأ المكان. نظرت إلى المرآة، رأت وجهاً لم تعد تعرفه. عيناها الخضراوان محاطتان بهالات سوداء، وشفتاها ترتجفان. خلعت ملابسها الممزقة، ودخلت تحت الماء الساخن. شعرت بالماء يغسل آثار لمسات أدريان عن جلدها، لكنه لم يستطع غسل الخوف الذي استقر في عظامها.
بعد ساعة خرجت وارتدت فستاناً حريرياً أسود وجدته في الخزانة. كان مقاسه دقيقاً، كأنه صُمم خصيصاً لها. كان عاري الكتفين، ويبرز نحافة خصرها. وضعت القلادة الفضية حول عنقها، فشعرت ببرودتها على صدرها كأنها وسم ملكية.
نزلت إلى الأسفل، فوجدت أدريان جالساً على رأس طاولة طعام طويلة، يرتدي قميصاً أبيض مفتوح الصدر، وفي يده كأس نبيذ أحمر. كان ضوء الشموع الخافت يضفي على وجهه مسحة من الغموض والجمال المرعب.
«تبدين مذهلة»، قال وهو ينهض ويسحب لها الكرسي. «الأسود يليق بكِ، يبرز بياض جلدكِ كالمرمر».
جلست ليزا بصمت. كانت الطاولة مليئة بالطعام الفاخر، لكنها لم تشعر برغبة في الأكل. كان حلقها مشدوداً بغصة.
«لماذا أنا هنا يا أدريان؟ ماذا تريد مني حقاً؟» سألته وهي تنظر إلى كأس النبيذ.
أخذ رشفة من كأسه، ثم نظر إليها بعمق. «أريد كل شيء يا ليزا. أريد عقلكِ، جسدكِ، روحكِ، وحتى أحلامكِ. أريد أن أكون الوحيد الذي ترينه عندما تغمضين عينيكِ، والوحيد الذي تطلبينه عندما تستيقظين».
«هذا ليس حباً، هذا استحواذ».
«سميه ما شئتِ. في عالمي، الاستحواذ هو أصدق أنواع الحب. أنا لا أقبل بالأنصاف. إما أن تكوني لي بالكامل، أو لا تكوني على الإطلاق».
فجأة سمعت ليزا نباح الكلاب في الخارج، ثم صرخة مكتومة. وقفت بذعر. «ما هذا؟»
«يبدو أن ضيفاً غير مدعو حاول الدخول. جاكس سيتعامل مع الأمر».
«هل هو رايان؟ هل جاء لإنقاذي؟» صرخت ليزا وهي تحاول الركض نحو النافذة.
نهض أدريان بسرعة، وأمسك بخصرها وجذبها إليه بقوة. «رايان؟ ذلك المحقق الغبي؟ لا تنطقي اسمه أمامي مرة أخرى إذا أردتِ له أن يعيش. رايان الآن يبحث عنكِ في المكان الخطأ، وإذا اقترب، سأقدم لكِ رأسه هدية في طبق فضة».
بدأت ليزا تبكي وتتوسل. «أرجوك، لا تؤذه. سأفعل أي شيء، فقط اتركه وشأنه».
شد أدريان قبضته على خصرها، وشعرت بأصابعه تنغرس في لحمها. «أي شيء؟ هل أنتِ متأكدة؟»
أومأت برأسها وهي تشهق.
انحنى أدريان وهمس في أذنها، وأنفاسه الحارة جعلت جسدها يقشعر. «إذاً الليلة.. ستبدئين بتعلم كيف تكونين مطيعة. ستبدئين بنسيان العالم الخارجي وكل رجل عرفتيه. الليلة سأرسم حدود مملكتي على جسدكِ».
حملها بين ذراعيه وصعد بها إلى الغرفة. كانت تقاوم بضعف، لكنها تعرف أن كل مقاومة تزيد من هيجانه. وضعها على السرير الأسود، وجلس بجانبها. أخرج من جيبه مقصاً صغيراً، ومرره ببطء على طول ذراعها.
«هل تعرفين لماذا أحب المقصات يا ليزا؟» سألها وهو ينظر إلى النصل اللامع تحت ضوء المصباح. «لأنها تقص الروابط. تقص الماضي عن الحاضر. واليوم سأقص كل ما يربطكِ بحياتكِ القديمة».
بدأ يقص حواف فستانها الحريري ببطء، وصوت القص يملأ الغرفة بصمت مرعب. كانت ليزا تغمض عينيها، والدموع تسيل على الوسادة. شعرت ببرودة المعدن على جلدها، وبحرارة نظراته التي تلتهمها.
«لا تبكي»، همس وهو يلعق دمعة سقطت على خدها. «الدموع تملح طعم القبلات، وأنا أريد أن أتذوق حلاوتكِ الخالصة».
في تلك الليلة بدأت ليزا تدرك أن أدريان ليس مجرد خاطف، بل فنان يرسم لوحته بالألم والدموع. كان يلمسها كقطعة أثرية نادرة، وفي الوقت نفسه يعاملها كعدو يجب تحطيمه. كان يهمس كلمات الحب وهو يضغط على جروحها، ويبكي معها وهو يسبب لها الألم.
«أنا أحبكِ يا ليزا»، قال وهو يدفن رأسه في عنقها. «أحبكِ لدرجة أنني أتمنى أن أتمزق صدري وأضعكِ بداخله، حتى لا يراكِ أحد غيري، وحتى لا تسمعي نبضاً غير نبضي».
لم ترد ليزا. كانت تشعر أن روحها تنسحب من جسدها، وأنها تغرق في محيط أسود لا قرار له. بدأت متلازمة ستوكهولم تتسلل إلى أعماقها؛ ذلك الانجذاب المظلم نحو معذبها، ذلك الشعور بأن لا خيار لها سوى الاستسلام لهذا الإعصار الذي اسمه أدريان فالكون.
خارج القصر، بدأ المطر يهطل بغزارة، يغسل دماء الشخص الذي حاول الاقتراب من البوابة. وفي الداخل، كان أدريان يكتب في مذكراته بيده الملطخة بعبير ليزا:
«الليلة وضعت حجر الأساس لمعبدي. ليزا بدأت تدرك أن لا مهرب من قدري. سأكسرها قطعة قطعة، ثم سأعيد بناءها على صورتي. ستكون حواء، وسأكون أنا إلهها وشيطانها في آن واحد».
كانت رائحة العرق والخوف والياسمين تملأ الغرفة، رائحة البداية لنهاية طويلة مؤلمة. نامت ليزا من التعب، بينما ظل أدريان مستيقظاً يراقب أنفاسها ويتحسس نبضها، كأنه يتأكد أنها لا تزال ملكه حتى في أحلامها.
وفي مكان ما في لندن، كانت صوفيا تجلس أمام شاشات حاسوبها، وعيناها محمرتان من السهر. كانت قد بدأت فك شفرة معقدة قد تقودها إلى مكان ليزا. «اصمدي يا ليزا»، همست وهي تضغط على لوحة المفاتيح بعنف. «لن أترككِ تضيعين في ظلامه».
لكن صوفيا لم تكن تعرف أن الظلام قد بدأ بالفعل في التغلغل في قلب ليزا، وأن النور الذي كانت تبحث عنه قد بدأ يخبو أمام بريق المقص الفضي.
التعليقات لهذا الفصل " 3"