لو كنتُ لا أزال في مرحلة الدراسة الثانوية العادية، لربما انكسرتُ أمام هؤلاء الطلاب المتنمرين.
لكنني الآن موظفة مخضرمة، صُقلتْ على مدى سنواتٍ طويلةٍ بمضايقات المديرين والرؤساء المحترفين.
هذا المستوى من التنمر… لا يُخيفني أبدًا.
“ملكٌ لكِ؟هل هو شيءٍ لكِ أو ولي؟ لا أظن أن هذا ما يقولهُ الأصدقاء المتفاهمون.”
لم يكن لديَّ شعرٌ ناعمٌ يتطاير بأناقة، فما كان مني إلا أن رفعتُ نظارتي ومددتُ صدري بثقة.
“لكن الأمر غريب، أليس كذلك؟ ألستِ قد تلقيتِ مساعدةً من إيان مراتٍ لا تُحصى؟
فلماذا إذن إن لم تحصلي على درجة B هذه المرة ستكون كارثة؟
أم أنكِ طوال الوقت كنتِ تتكئين على واجبات إيان فقط؟”
الجدال يعتمد على الزخم.
إن تراجعتُ هنا، فسأظلُّ فريسةً سهلةً طوال ما تبقى من حياتي الدراسية.
“من أين لكِ هذه الثقة يا قبيحة؟!”
تقدَّمتْ سامانثا خطوةً نحوي بتهديدٍ واضح.
‘حسنًا… إن أردتِ الضرب، فاضربي.’
دورتُ بعينيَّ سريعًا لأتأكد من موقع كاميرا المراقبة.
في هذا المكان بالذات، ستُسجَّل الصورة بوضوحٍ تام.
في الماضي، كانت ليا القديمة ستسكتُ تمامًا أمام هيبة “الملكات” اللاتي يسحقن الجميع.
لكن سامانثا التي تقدَّمتْ نحوهما، ضربهتْها سيينا على كتفها برفق لتوقفها.
‘يا للأسف… لمَ تمنعينها؟ دعيها تستمر.’
“سامانثا، لا تلمسي البيفر. ماذا لو انتقل إليكِ شعر المكنسة هذا؟”
“يا إلهي! إن أصبح شعري مثل شعرها فلن أستطيع الخروج إلى المدرسة أبدًا!”
ابتعدتْ سامانثا عني مذعورةً على إثر كلام سيينا.
آه… هل تظنُّ أن هذا سيجرحني؟
كان من الصعب جدًا كبح ضحكتي أمام هذا التهكم الطفولي السخيف.
“أصدقاء متفاهمون؟ يا فتيات، ربما نشهد هذا العام أول تتويج لـ’ملكة وملك النيرد’ من أصحاب النظارات! حقًا إنهما ثنائٌ متناغم جدًا.”
“……ماذا؟”
كتمتُ ضحكتي بصعوبةٍ وأنا أعضُّ على شفتيَّ.
‘هؤلاء… حتى في السخرية لهم مستوى! هذا أسوأ من مزاح تلاميذ المرحلة الابتدائية.’
“يقولون إن الأمثال ينجذبون لبعضهم…
يبدو أن النيرْد ينجذب للنيرد. إيان يتوسلني كي نعمل الواجب معًا…
لكن حسناً. خذيه! لن يعجب بكِ أبدًا على أي حال.”
لكن عندما سمعتُ كلام سيينا وكأنها تمنحني إيان
كهديةٍ منّةٍ منها، انقطع شيءٌ ما بداخلي فجأة.
كنتُ سأكتفي ببضع كلماتٍ وأمرُّ، لكن…
تقولين “خذيه”؟ لا أستطيع السكوت عندما يُعامل إنسانٌ كأنه سلعة.
خفضتُ رأسي وتقدَّمتُ نحو سيينا.
“تعالي هنا لحظة.”
“ماذا؟ تعالي هنا؟ يبدو أن بيفر خاصتنا قد فقد صوابه لعدم وجود أغصانٍ تبني بها عشها، يا فتيات. هل نجلب لها بعض الأغصان؟”
“لديَّ حديثٌ سرّي.”
اقتربتُ منها بمظهرٍ جادٍّ للغاية وهمستُ في أذنها:
“……؟”
ظنَّتْ أن لديَّ خطةً ما، فاقتربتْ سيينا بابتسامةٍ ساخرة وأمالتْ أذنها نحوي.
عندما اقتربتْ بما يكفي، همستُ لها بصوتٍ لا يسمعه غيرها:
“أنتِ… قيل إنكِ فعلتِ شيئًا مع صديق سامانثا في الصالة الرياضية، أليس كذلك؟”
“ماذا……؟ كيف عرفتِ أنتِ ذلك؟!”
نظرتْ إليَّ سيينا بذهولٍ واضح.
أنا التي أعدتُ مشاهدة هذا الدراما الثانوية عدة مرات…
أعرف كل فضائح حياة الملكات جيدًا.
“سامانثا لا تعلم بعد… هل تودين أن أخبرها؟ لكن اسمعي… ليس صديق سامانثا وحده، بل هناك أيضًا بستاني منزلكم…”
“انتظري!”
ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً ووضعتُ إصبعي السبابة على صدرها.
“بإمكاني نشر هذه الإشاعات في كل مكان… لكنني لستُ خبيثةً مثل البعض.
ومع ذلك… إن لمستِ شعرةً مني مرةً أخرى، لا أدري ما الذي قد يخرج من فمي.”
“أنتِ……!”
أصاب وجه سيينا احمرارٌ شديد وهي تحدق بي بشراسة.
“سيينا، ما بكِ؟ ماذا قالت لكِ البيفر؟”
سامانثا وميا، اللتان لم تسمعا الهمس، أمسكتا بذراع سيينا محاولتين مواساتها ببراءة.
في تلك الأثناء، بدأ الطلاب الذين كانوا يراقبوننا بهدوء في الرواق يتهامسون.
بدَوا مندهشين لأن سيينا التي كانت تهاجمني بشراسة أغلقتْ فمها فجأة بعد همسي.
بدأ الجميع يتساءلون فيما بينهم عما حدث.
فاستغللتُ اللحظة وهمستُ في أذنها مرةً أخرى لأضع الخاتمة:
“سيينا… إن نطقتِ بكلمةٍ قذرةٍ أخرى عني وعن إيان… فستعرفين ما سيحدث. هل فهمتِ كلامي؟”
شعرتُ بنظراتها الحارقة تحرق ظهري وأنا أغلقُ الخزانة وأبتعدُ عن المكان.
‘هل بالغتُ قليلاً؟’
لكن… على الأقل لن يجرؤ أحدٌ على استفزازي بعد الآن.
* * *
حتى بعد وقتٍ طويل من مغادرة ليا الرواق، ظلتْ سيينا واقفةً في مكانها، مشلولةً من الصدمة.
‘كيف عرفتْ هي بذلك؟!’
بدأتْ سيينا تعضُّ ظفر إبهامها المزيَّن بقطعٍ وردية اللون بعصبية.
كان لدى سيينا نزعةٌ غريبة:
تهتمُّ فقط بالرجال الذين لهم علاقاتٌ، ولا ترتاح حتى تغويهم وتأخذهم من شريكاتهم.
وكان جاك، صديق سامانثا، واحدًا من ضحاياها.
كانت سامانثا دائمًا سيئة الاختيار في الرجال، ومع ذلك أصرتْ على علاقتها بجاك رغم معارضة صديقاتها.
وبينما كانت سيينا تنتقد اختيارها في البداية، إلا أنها ما إن رأتْ جاك واقعًا في حب سامانثا حتى استيقظتْ غريزتها السيئة.
في النهاية، نجحتْ سيينا في جذب انتباه جاك، وبدأتْ تخرج معه سرًا خلف ظهر سامانثا.
إنْ انتشر خبر أنها خرجتْ مع صديق سامانثا… فستنتهي حياتها المدرسية تمامًا.
‘كيف أسكّتُ هذا الفم؟’
بدلاً من أن ترتعد خوفًا من تهديد ليا، بدأتْ سيينا تفكر في كيفية جعل ليا تركع أمامها.
“سيينا، ما بكِ منذ قليل؟ تكلمي! ماذا قالت لكِ البيفر؟”
“نعم، سيينا. نحن صديقات… لا أسرار بيننا. هل شتمتكِ؟ دعينا نتولى أمرها.”
وفجأة مرتْ فكرةٌ في ذهن سيينا.
“……قبل قليل قالت البيفر… إنها إن لم أتركها وشأنها فسوف أرسب في حصة الحاسوب أيضًا.
ولهذا السبب…”
لمعَ في عيني سيينا بريقٌ خبيث.
“خطرتَ لي فكرة ممتعة جدًا.”
* * *
بعد انتهاء الحصص الصباحية، توجهتُ إلى الكافتيريا وأنا أمسك بطني الجائع.
ربما بسبب ما حدث قبل قليل، كنتُ أشتهي الكربوهيدرات بشدة.
وبينما أسير بخطى سريعة، رأيتُ أمامي قميصًا مألوفًا بنقشة مربعات.
كان إيان.
“إيان!”
“ليا.”
ضربتُ ظهره برفق ثم التصقتُ به تمامًا.
“جائعة جدًا… سآكل كميةً هائلةً من البطاطس المقلية.”
“كُلي ما شئتِ.”
أخذ كلٌّ منا طعامه وجلسنا معًا.
ما إن جلستُ حتى انهالتْ عليه الأسئلة:
“إيان، هل سبق أن عملتَ مع سيينا في مشروع جماعي في مادة الكيمياء؟”
“دائمًا كنا معًا.”
ماذا؟ ليس مرة واحدة… بل دائمًا؟!
“هل كنتما تعملان معًا فعلاً؟ أم كنتَ تفعل كل شيء وحدكَ؟”
“……كان ذلك أسهل. أنا من أنجز كل شيء.”
“ومادة هندسة الحاسوب أيضًا؟”
“نعم، تلك أيضًا.”
لم أكن أتوقع هذا.
في الدراما كانت هناك مشاهد تُظهر سيينا وهي تلقي بواجباتها على الطلاب المتفوقين… لكن لم أكن أعلم أن إيان واحد منهم.
“من الآن فصاعدًا لا تساعدها، إيان. هذا ظلم كبير! ومشروع هندسة الحاسوب الجماعي… سنعمله معًا أنا وأنتَ.”
“حسنًا.”
ضحك إيان بهدوء وهو يرى حماسي.
“وأيضًا… سيينا كانت تعتقد أنك معجب بها. لكن يا إيان، أعلمَ أن هناكَ شخص آخر تحبهٌ.”
في الأصل، سيُعجب إيان لاحقًا بالبطلة الطيبة الجميلة.
وليس بهذه القمامة المزينة المسماة سيينا!
“من هي؟”
“من تكون؟ البط…”
كدتُ أقول “البطلة” ثم أدركتُ خطأي فجأة.
“آه! أقصد… فتاة أجمل منها! فتاة طيبة القلب وجميلة… هي التي تليق بكَ. ستظهر قريبًا، ستجدُ فتاة أحلامك.”
“……أحلامي؟ أتمنى أن تظهر سريعًا.”
تنهد إيان بابتسامة خفيفة.
هل يشعر غريزيًا برغبةٍ في لقاء البطلة؟
لم أرَ عينيه بسبب الغرّة التي تغطيهما، لكن مجرد رفعة زاوية فمه جعلتْ الجو حوله يتغير ويصبح أكثر استرخاءً.
‘منذ زمن وأنا ألاحظ… عندما يبتسم، يتغير المزاج حوله ويبدو ناعسًا بطريقة ما.’
“انتظر قليلاً فقط… ستظهر.”
أنا التي أعرف الأصل، ابتسمتُ له بثقة.
في القصة الأصلية، تنتهي البطلة مع البطل الرئيسي…
لكن من يدري؟ ربما مع وجودي كمساعدة، يستطيع إيان أن يأخذ مكانه.
دينغ.
“آه! وصلت رسالة.”
“من؟”
“والدتكَ. السيدة ليونارد تواصلت معي.”
طلبتْ مني أن أناديها جوليا، لكن لا يزال الأمر محرجًا بعض الشيء… فبقيتُ على السيدة ليونارد.
[مرحبًا يا ليا. هل يمكنكِ الاعتناء بالأطفال مرتين في الأسبوع من الآن فصاعدًا إن أمكن؟ يمكنكِ الحضور في الأوقات التي تناسبك. أرجو الرد.]
مرتين في الأسبوع؟ كنتُ أظن أنها ستكون مرة واحدة فقط.
إن عملتُ مرتين أسبوعيًا، فالأجر سيكون مغريًا جدًا.
“السيدة ليونارد تسأل إن كنتِ تستطيعين الاعتناء بالأطفال يومين في الأسبوع؟”
“كنتُ أفضّل لو تأتين كل يوم.”
“كل يوم؟”
“……الأطفال يشعرون بالملل. وهم يحبونكِ كثيرًا.”
“ههههه. أنا سعيدة بالطبع! لكن عليَّ الدراسة أيضًا… اليومي سيكون صعبًا.”
“يمكنكِ الدراسة في منزلنا.”
……صحيح.
الآن وأنا أفكر في الأمر… إن درستُ مع إيان، فربما ترتفع درجاتي كثيرًا.
“وهل ستساعدني في دراستي أنت أيضًا؟”
“سأتولى الأمر بمسؤولية.”
مسؤولية… كلمة تجعل القلب يطمئن حقًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"