4 - بروتوكول الصمت
حلّ صباح اليوم التالي مثقلاً بضجيج الأمل والوداع.
فكانت القرية الجبلية تودع عائلة أديليد التي عاشت بين صخورها لسنوات.
استأجرت أديليد عربة خشبية بسيطة بمساعدة بعض الجيران.
ونقلوا والدها برفق شديد ، كأنه قطعة من الزجاج يخشون عليها من الكسر.
حين استقرت العائلة في الشقة الجديدة بالقرية المجاورة.
بدت الدهشة على وجوه الصغار وهم يلمسون الجدران الملساء.
ويركضون في الممرات التي لا يصفر فيها ريح الشمال.
أما الأم ، فقد جلست على طرف الفراش الجديد بجانب زوجها.
ويدها ترتجف وهي تمسح دمعة فرح لم تجرؤ على ذرفها منذ زمن طويل.
وقفت أديليد في وسط الغرفة المعيشية الصغيرة، تتأمل عائلتها بنظرة أخيرة.
تود لو تحفر تفاصيلها في ذاكرتها للأبد.
كان عليها أن ترحل الآن ، فالعربة التي ستقلّها نحو العاصمة “إليريا” تنتظر عند مدخل القرية.
اقتربت من والدتها ، التي كانت تحاول جاهدة أن تبدو قوية.
وقبلت يديها قائلة:
“أمي، الدواء في الخزانة العلوية، والمال المتبقي يكفيكم لشهرين حتى أرسل لكم راتبي الأول.. لا تقلقي عليّ ، سأكون بخير في كنف دوقية كرانستون”.
لم تستطع الأم الكلام ، فاكتفت بضم ابنتها إلى صدرها بقوة.
كأنها تريد أن تمنحها كل دفء العالم لمواجهة برودة القصور البعيدة.
ثم اتجهت أديليد نحو والدها ، انحنت فوقه وهمست في أذنه:
“سأعود يا أبي ، وأعدك أنك حينها ستمشي لتستقبلني عند الباب”.
أفلتت أديليد من أحضان إخوتها الصغار الذين تشبثوا بثوبها.
وحملت حقيبتها الجلدية البالية التي لا تحتوي إلا على القليل من الثياب والكثير من العزيمة.
خرجت من الشقة دون أن تلتفت خلفها.
فلو فعلت ، لربما خانتها شجاعتها وعادت لترتمي في حضن الفقر الدافئ.
عند مدخل القرية ، كانت العربة السوداء الكبيرة تنتظر.
تحمل شعار دوقية كرانستون.
ركبت أديليد ، وبينما بدأت العجلات تدور مبتعدة عن الجبال.
شعرت بأن الخيوط التي تربطها بطفولتها وبساطتها تنقطع واحداً تلو الآخر.
طوال الطريق الذي استغرق ساعات ، كانت أديليد تراقب تبدل المشاهد من نافذة العربة.
الجبال الوعرة تراجعت لتحل محلها سهول خضراء شاسعة ، ثم بدأت تظهر الضواحي المزدحمة.
حتى بدأت أسوار العاصمة “إليريا” تلوح في الأفق كـعملاق حجري مهيب.
ومع دخول العربة إلى شوارع العاصمة المرصوفة بالدهشة.
حيث الخيول المطهمة والناس الذين يرتدون الحرير الذي كانت تخيطه يوماً.
شعرت أديليد بضآلة حجمها.
وأخيراً ، توقفت العربة أمام بوابة حديدية عملاقة.
تفتح على حديقة غناء لا نهاية لها ، وفي نهايتها يرتفع قصر دوقية كرانستون.
ذلك الحصن الجليدي الذي يسكنه الدوق لوسيان.
نزلت أديليد من العربة ، ورفعت بصرها نحو الشرفات العالية.
كانت الريح هنا تحمل رائحة العطور الفاخرة لا رائحة الصنوبر.
وكان الصمت الذي يلف القصر يهمس لها بأن حياتها القديمة قد انتهت.
وأن رحلة “الخادمة أديليد” في محراب كرانستون قد بدأت للتو.
تقدمت أديليد خلف حارسٍ ضخم ، بخطواتٍ حاولت أن تجعلها ثابتة فوق الرخام الصقيل.
الذي كان يعكس صورتها الباهتة وكأنه يسخر من ثوبها القديم.
لم تكن تنظر للأعلى ، بل كانت تتبع حذاء الحارس الأسود اللامع حتى توقف أمام باب خشبي ثقيل.
نُقشت عليه زخارف دقيقة.
طرق الحارس الباب مرتين ، ثم فتحه وأشار لها بالدخول.
كان المكتب واسعاً ، تملؤه رائحة الورق القديم والشمع.
خلف طاولة مكتبية ضخمة ، جلست امرأة في الخمسينيات من عمرها.
ترتدي ثوباً أسود مغلقاً حتى الرقبة
وشعرها الرمادي مشدود إلى الخلف بدقة متناهية لا تسمح بخصلة واحدة بالهروب.
كانت نظراتها حادة كأنها تغرس إبراً في وجه أديليد لتفحص أعماقها.
قالت السيدة بنبرة جافة دون أن ترفع عينيها عن السجل الذي أمامها:
” أنتِ أديليد.. التي أوصت بها مديرة المعمل؟”
أومأت أديليد برأسها بصمت.
فشعرت بـثقل نظرة السيدة التي ارتفعت أخيراً لتتفرس في وجهها الشاحب وشعرها المائل للاحمرار.
“أنا السيدة ‘أجاثا’، رئيسة الخدم هنا. في دوقية كرانستون.”
“نعم ، يا سيدة أجاثا،”
أجابت أديليد بصوتٍ خفيض.
وضعت أجاثا ريشة الكتابة جانباً ، وشبكت أصابعها فوق الطاولة:
“اسمعي جيداً يا انسة أديليد . هذا القصر ليس كالمعامل التي اعتدتِ عليها. هنا بروتوكول كرانستون صارم لا حديث دون إذن ، لا رفع للبصر أمام الأسياد ، ولا وجود لكِ إلا حين تُطلبين. أنتِ هنا مجرد ظل يتحرك ليجعل المكان مثالياً.”
فتحت أجاثا جاروراً وأخرجت زياً موحداً مطوياً بدقة:
قميصاً أبيض بياقة منشّأة ، وثوباً أسود طويلاً ، ومئزراً ناصع البياض.
“هذا زيكِ. لا أريد رؤية وشاحكِ الصوفي من الان . شعركِ يجب أن يُرفع بالكامل ، النظافة والانضباط هما عملتكِ الوحيدة هنا.”
ثم تابعت بلهجة أكثر صرامة:
“دوركِ سيبدأ في الجناح الشرقي ، تنظيف الممرات والمكتبة. إياكِ والاقتراب من الجناح الشمالي ، حيث يقيم الدوق ، إلا إذا صدر أمر مباشر مني شخصياً. أي خطأ ، أي كسر لآنية ، سيتم طردكِ ، هل هذا واضح؟”
ابتلعت أديليد ريقها ، وشعرت بأن الهواء في المكتب أصبح أثقل.
لمست طرف الزي الجديد بـأطراف أصابعها.
وتذكرت وجه والدها الشاحب وصورة والدتها و إخوتها في الشقة الدافئة.
“واضح جداً ، سيدة أجاثا.”
“جيد،”
قالت أجاثا وهي تعود للكتابة.
“ستأخذكِ إحدى الخادمات لغرفتكِ المشتركة. أمامكِ عشر دقائق لتغيير ملابسكِ والبدء في مهامكِ. في كرانستون ، الوقت لا يُهدر.”
خرجت أديليد وهي تحمل زيها الجديد بين يديها ، تشعر بأنها تخلت عن آخر خيوط هويتها الجبلية.
دخلت عالماً محكوماً بـالمسطرة والميزان ، حيث لا مكان للزهور البرية.
بل فقط للخدمة الصامتة خلف الجدران الجليدية.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 4 - بروتوكول الصمت منذ 12 ساعة
- 3 - قيدٌ من ذهب منذ 12 ساعة
- 2 - ثمن النجاة منذ يوم واحد
- 1 - زهرة الجبل منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 4"