3 - قيدٌ من ذهب
خيم المساء على القرية الجبلية ، لكنه لم يكن كأي مساء مضى في حياة أديليد.
كانت الخطوات التي تقودها نحو الكوخ مشحونة بـثقل الحقيقة ونور الأمل في آن واحد.
وحين دخلت ، وجدت المشهد المعتاد:
والدتها تنحني فوق الموقد ، وإخوتها يتقاسمون كسرات الخبز اليابس
ووالدها يئن بصمت في غرفته المجاورة.
انتظرت حتى اجتمعت العائلة حول طاولة العشاء المتواضعة.
تحت ضوء شمعة يتراقص بـوهن
ثم وضعت يدها في جيب ثوبها الخشن وأخرجت “العربون” الذي تسلمته من المديرة.
ساد صمت مفاجئ حين لمعت القطع النقدية تحت ضوء الشمعة الباهت.
توقفت يد الأم عن سكب الحساء ، واتسعت عيون الصغار دهشة.
نظرت الأم إلى أديليد بنظرة تملؤها الحيرة والخوف.
وكأنها حدست بـأن ثمن هذا المال لن يكون رخيصاً.
قالت أديليد بصوت هادئ ، محاولةً تغليف نبرتها بالقوة:
“أمي.. لقد ابتسم لنا الحظ أخيراً. لقد حصلتُ على عمل في العاصمة ، في دوقية ‘كرانستون’ العريقة. هذا المال ليس سوى البداية ، إنه عربون الشهر الأول فقط”.
ارتجفت يد الأم وهي تلمس النقود ، وهتفت بصوت مخنوق:
“العاصمة ؟ لكنها بعيدة جداً يا ابنتي..و من سيعينني على والدكِ وإخوتكِ؟”.
ابتسمت أديليد بـمرارة ، وأمسكت يد والدتها الخشنة:
“هذا المال سيوفر لوالدي الدواء الذي يحتاجه دون انقطاع ، وسأرسل لكم كل شهر ما يكفي ، ستنتقلوا إلى شقة دافئة في القرية المجاورة.. شقة فيها موقد حقيقي ونوافذ لا يدخل منها المطر. سأذهب لأبني لنا مستقبلاً ، لا لأتخلى عنكم”.
التفتت نحو إخوتها الصغار.
الذين كانت عيونهم تتأرجح بين الفرح بـالمال والخوف من غياب أختهم الكبرى.
وتابعت :
“ستذهبون للمدرسة ، وسترتدون ملابس صوفية جديدة.. أعدكم بذلك”.
لم تذكر أديليد أن موعد رحيلها بعد يومين.
أرادت أن تمنحهم السعادة ، حتى يناموا وهم يحلمون بـالشقة الدافئة والدواء الوافر.
دون أن ينغص عليهم مرارة الوداع الوشيك.
بعد العشاء ، اتجهت إلى غرفة والدها.
جلست بجانبه وتأملت وجهه الشاحب.
ومسحت على يده الهزيلة وهي تهمس في سرها:
“سامحني يا أبي لأنني سأغادر، لكنني أفعل هذا لأجلك ، لتعود وتقف على قدميك وتنظر إلى الجبال بـعين القوي لا بـعين العاجز”.
عادت إلى سريرها ، لكن النوم لم يزر جفونها.
بقيت تراقب النجوم من شق النافذة ، تتخيل قصر دوقية كرانستون وشوارع العاصمة المزدحمة.
كانت تعلم أن خلف هذا المال يكمن “قيد” من نوع آخر.
قيد الخدمة والطاعة.
لكنها كانت مستعدة لـارتدائه مقابل صرخة فرح من أحد إخوتها.
وكان عليها أن تزرع الطمأنينة في قلب عائلتها قبل أن تتركهم لمهب الريح.
لم يكن “العربون” الذي قدمته دوقية كرانستون مجرد حفنة من النقود في نظرها.
بل كان مفتاحاً لباب حياة جديدة.
وقررت ألا تشرق شمس الغد إلا وقد أمنت لهم سقفاً لا يئن تحت وطأة الثلوج.
في صباح اليوم التالي ، وقبل أن تتوجه للمعمل لتسليم عهدتها الأخيرة
انطلقت أديليد نحو القرية المجاورة، تلك التي تقع في أسفل المنحدر الجبلي.
وتتمتع بـخدمات أفضل وشوارع مرصوفة جزئياً.
كانت أنفاسها تتسارع مع كل خطوة.
وعيناها تبحثان بين البيوت الحجرية عن لافتة صغيرة أو خبرٍ عن “شقة للإيجار”.
لم يكن بحثها عن الفخامة ، بل عن “الكرامة”.
كانت تبحث عن مكانٍ فيه نافذة تدخلها الشمس لتنير وجه والدها الشاحب.
ومطبخٍ صغير لا يتسرب إليه المطر ، وغرفة دافئة تجمع إخوتها.
وبعد ساعات من الطواف والسؤال ، وقفت أمام بناية قديمة لكنها متماسكة.
تطل على ساحة القرية الهادئة.
كانت الشقة في الطابق الأرضي ، وهو أمر مثالي لوالدها الذي فقد القدرة على تسلق الدرج.
دخلت أديليد وتأملت الجدران ؛ كانت بسيطة ، متواضعة ، لكنها كانت تعني لها “الجنة”.
مقارنة بكوخهم المتهالك.
دفع ثمن الإيجار لعدة أشهر مقدماً من ذلك العربون.
وشعرت بـثقل الجبل ينزاح عن صدرها وهي تمسك بـالمفتاح الحديدي الصدئ.
عادت إلى الكوخ والبهجة تسبق خطواتها.
لم تنتظر العشاء هذه المرة ، بل جمعت والدتها وإخوتها وقالت بـصوت يملؤه الفخر:
“أمي، لن نبيت ليلة أخرى تحت هذا السقف المائل. لقد استأجرتُ لنا شقة في الأسفل ، قريبة من الطبيب ومن السوق. غداً سننقل أغراضنا البسيطة، وسأطمئن عليكم هناك قبل أن أمتطي العربة نحو العاصمة”.
كانت ملامح الدهشة على وجه والدتها لا توصف.
وكأنها لا تصدق أن “حلم الجدران الدافئة” صار حقيقة بـفضل ابنتها.
أما إخوتها ، فقد قفزوا فرحاً وهم يتخيلون حياتهم الجديدة بعيداً عن عزلة الجبل الوعر.
قضت أديليد ليلتها وهي تساعد والدتها في حزم الأمتعة القليلة.
تمسح الغبار عن ذكرياتهم الأليمة وتستعد لـطوي هذه الصفحة بـمرارتها.
كانت تعلم أن يوم غد سيكون شاقاً بـنقل والدها.
لكن فكرة أنه سيسكن مكاناً آدمياً جعلت كل تعب يهون.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 4 - بروتوكول الصمت منذ 12 ساعة
- 3 - قيدٌ من ذهب منذ 12 ساعة
- 2 - ثمن النجاة منذ يوم واحد
- 1 - زهرة الجبل منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 3"