1 - زهرة الجبل
في عمق سلسلة جبال “ألفار” العاتية، حيث تغطي الثلوج القمم العالية.
تقبع قرية “بيلافيستا” كحجر منسي في قلب مرتفعاتٍ قاسية.
لم تكن هذه القرية سوى بيوتٍ متفرقة تعصف بها الرياح.
و تظهر عليها آثار السنين الطويلة..
بيوتها الحجرية الباهتة تتشبث بالمنحدرات الوعرة خوفاً من الانزلاق
بينما الطرقات ليست سوى مسارات ضيقة، تملؤها الأشواك وتغسلها أمطار الشتاء الغزيرة.
هنا ، ولدت “أديليد”، فتاة تحمل جمال الجبل الوعر في نظراتها، ورقة الزهور البرية في قلبها.
لم تكن حياتها سوى سلسلة لا تنتهي من الكفاح.
ففي كوخهم المتواضع الذي تئن جدرانه تحت وطأة البرد.
يرقد والدها ، الطود الذي انكسر، طريح الفراش لا يملك من الحياة سوى أنفاسه المتقطعة التي تمزق قلبها.
وبجانبه ، تقف والدتها ، المرأة التي أنهكها التعب، وغزا الشيب شعرها قبل الأوان.
تجاهد لتطعم أفواه صغارها الجائعة.
كانت أديليد هي العمود الذي يستند إليه هذا البنيان المتهاوي.
ففي كل صباح ، قبل أن تستيقظ الشمس من سباتها.
كانت تشد وشاحها الصوفي المهترئ وتتأبط حذاءها البالي، لتبدأ رحلتها اليومية الشاقة.
تسير على تلك المنحدرات الجبلية الصعبة ، حيث كل خطوة هي مجازفة.
وكل نفسٍ تسحبه يملأ رئتيها بلسعات البرد ، فقط لتصل إلى معمل الخياطة القريب من قريتها.
وفي يومٍ كباقي الأيام ، بينما كانت أديليد جالسة أمام آلة الخياطة الميكانيكية.
يديها تراقص الإبرة بمهارةٍ تعودت عليها، وعقلها سابح في هموم البيت
ارتفع صوت زميلاتها بثرثرة صاخبة.
كن يصفن العاصمة كمدينة أسطورية، شوارعها مرصوفة بالدهشة وقصورها تناطح السحاب.
ضحكت أديليد في سرها ، ضحكة هادئة تملؤها الحكمة الممزوجة بالحسرة.
فبينما كان زميلاتها يغرقن في وصف المظاهر البراقة للعاصمة .
كانت هي تلمس في حديثهن جهلاً بجوهر الرّقي الحقيقي .
بالنسبة لأديليد ، لم تكن النبالة قصراً تناطح السحاب أو شوارع مرصوفة بالدهشة.
بل كانت تراه في عزة النفس وصمت الكرامة أمام الشدائد.
مما جعلها تعمل دون توقف لتوفره مع لقمة عيشٍ متواضعة.
صرفت أديليد نظرها بعيداً ، وتأملت قطعة القماش التي تمسكها بين يديها الرقيقتين.
كانت هذه الملابس ، التي تحيكها بدموع عينيها.
ستذهب للمدن الكبيرة في العاصمة لتباع هناك بآلاف القطع النقدية.
حرير فاخر مرصع بـأحجار صغيرة لامعة لا تحلم بامتلاك واحدة منها حتى في أعمق أحلامها.
صفت أديليد ذهنها ، و أغمضت عينيها للحظة.
ثم عادت للعمل متذكرة واقعها المرير الذي لا يرحم.
عاد الهدوء الممزوج بالتعب ليخيم على أرجاء المكان مع غياب شمس ذلك اليوم.
وبدأت أديليد رحلة العودة الشاقة، تتسلق المنحدرات الجبلية التي تحفظ تضاريسها عن ظهر قلب.
حتى لاح لها ذلك الكوخ الخشبي المتواضع.
الذي كان رغم ضيقه ، يمثل العالم أجمع بالنسبة لها.
ما إن خطت قدماها العتبة ، حتى خلعت عنها عباءة المصنع الثقيلة لترتدي ثوب “الابنة البارة”.
و بدأت روتينها الذي بات جزءاً من أنفاسها:
بين لهيب الموقد ودموع الصبر ، دخلت أديليد المطبخ الصغير.
حيث كان بخار القدر المتصاعد يملأ الفضاء برائحة الحساء البسيط.
اتجهت نحو والدتها ، التي كانت تحرك الملعقة الخشبية بيدين ترتجفان من فرط الإعياء.
فربتت على كتفها بحنان هامسة:
“ارتاحي قليلاً يا أمي ، أنا سأكمل الباقي”.
وبدأت بمهارة وخفة تساعد في إعداد العشاء ، تقطع الخبز الجاف وتوزع الحصص القليلة بعدالة.
بينما كانت عيناها ترقبان إخوتها الصغار وهم يتجمعون حول الموقد التماساً للدفء.
عيونهم البريئة تلمع بترقب لوجبة تسد رمقهم.
لم تكن “أديليد” لتذوق طعاماً قبل أن تطمئن على “جبلها المكسور”.
اتجهت نحو الغرفة الداخلية بخطوات وئيدة ، حيث يرقد والدها.
كان المشهد يمزق نياط قلبها في كل مرة.
ذاك الرجل الذي كان يوماً رمزاً للقوة.
أصبح الآن طريح الفراش ، شاحباً كأوراق الخريف.
جلست بجانبه ، رفعت رأسه برفق وناولته دواءه ، جرعة بجرعة ، وكأنها تسقيه الأمل لا العقار.
مسحت على جبينه بقطعة قماش مبللة.
وأخذت تقص عليه بـصوت خفيض بعض الحكايات لتشتت انتباهه عن ألمه.
متجنبة الحديث عن ثرثرة العاصمة أو تعب المنحدرات.
مكتفية ببث السكينة في روحه المتعبة.
بعد ذلك ، التفتت إلى إخوتها.
مسحت غبار اللعب عن وجوههم ، وساعدتهم في ترتيب فراشهم البسيط
تقبل جبين كل واحد منهم وتعدهم بغدٍ أجمل.
رغم أنها في قرارة نفسها لا تعرف كيف سيأتي ذلك الغد.
وعندما سكن الكوخ أخيراً ، وجلست “أديليد” في الزاوية المظلمة تتأمل ضوء الشمعة الضعيف.
لم يغب عن مخيلتها ملمس الحرير الذي كانت تخيطه في المصنع.
كانت تعلم أن واقعها مرير ، لكنها كانت تؤمن بأن الصخر الأصم الذي تعيش عليه.
لا بد أن ينبت يوماً زهرة تتحدى هذا الشقاء.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 4 - بروتوكول الصمت منذ 13 ساعة
- 3 - قيدٌ من ذهب منذ 13 ساعة
- 2 - ثمن النجاة منذ يومين
- 1 - زهرة الجبل منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 1"