ظلّ يحرسني بهدوء و أنا أبكي بانهيار. ثم ما إن توقّف المطر حتّى غادر كما لو لم يحدث شيء، تاركًا المظلة و المعطف خلفه.
قفزت الذكرى المنسيّة إلى السطح كقطرات ماء.
“هاا…”
يا للإحراج.
تنهدتُ دونَ وعي ثم حبستُ أنفاسي و ألقيتُ نظرةً خاطفة على بالدوين.
لماذا يكون حاضرًا دائمًا في أكثر لحظاتي إحراجًا؟
حتّى الشّخص الذي قام بإنقاذي مؤخرًا من عنف إيغبرت، كان هو.
في تلكَ اللّحظة، التقت أعيننا.
حرارةٌ صعدت إلى جسدي عندما انحنت عيناه نحوي قليلًا. لم أعرف السّبب.
شعرتُ بالفضول.
كيف يراني بالدوين؟
* * *
فرك إيغبرت عينيه الداكنتين. منذُ اليوم الذي طُرد فيه بإهانة، لم ينم ليلةً واحدة بسلام.
ذلكَ الوجه الماكر لبالدوين كان يطارده في أحلامه.
“ذلكَ الأبكم اللعين.”
و ما إن تمتم بذلك حتى تذكّر أنايس أيضًا و هي تختبئ خلف ذلكَ الرجل و هي تسخر منه.
يتصنّعان الرقيّ، لكن يبدو أنهما كانا على علاقة منذُ زمن. بدا أن الانسجام بينهما كبير.
صرّ إيغبرت على أسنانه.
كلما تذكّر ذلكَ اليوم، شعر و كأن أحشاءه تنقلب و معدته تتلوى.
“أليس من الممكن أنًها اقتربت منه عمدًا منذُ البداية؟”
صوت صوفيا الناعم مزّق قلبه المضطرب أكثر.
“اقتربت عمدًا؟”
“نعم يا سيدي. ربّما كانت تستهدف بنك غراهام منذُ البداية و اقتربت من الجدّ لهذا السّبب… هذا شكّ منطقي.”
قالت صوفيا بوجهٍ حزين.
“لذلك سرقت بنك غراهام فورًا كما لو كان تنتظر الفرصة، و الآن تريد أن ترتبط بدوق كونستانتين الأكبر، أليس كذلك؟”
مرّرت صوفيا يدها برفق على صدر إيغبرت. كانت عيناها الضيّقتان كعينيّ قطة ممتلئتان بالدلال.
“و فوق ذلك، إنه مجرّد دوق أصم! إنه يحاول استفزازكَ يا سيدي الماركيز. يريد لفت انتباهكَ. لا يجب أن تقع في تلكَ الحيلة القذرة.”
أخذ إيغبرت الكأس منها و شرب ببطء. ازداد عمق نظرته و هو يفكّر.
كان في كلامها شيءٌ من المنطق.
لكن لم يكن الاقتراب متعمّدًا. فجدّه هو مَنٔ اقترب من أنايس أولًا.
بعد أن اعتبر الماركيز السّابق لغراهام أنّ إيغبرت فاشل لا يُرجى منه، بدأ يستمتع بدعم الأطفال المحتاجين، و كان يقول له أحيانًا:
‘بدل أن أجعلكَ ترثـه، أفضّل أن أعطيه لغريبٍ لا تربطني به قطرة دم. على الأقل لن يدمّر بنك غراهام!’
الآن فقط أدرك أن ما كان يظنه مجرّد مزاح من عجوزٍ خرف كان كلامًا جديًا.
لقد وقع إيغبرت ضحيةً لمكر ذلكَ العجوز الثعبان.
صحيح أن أنايس أيضًا تتحمّل جزءًا من المسؤولية لمجاراته. و مع ذلك، برؤية تصرفاتها الآن و كأنها تستفزه بدت لطيفةً نوعًا ما. فهي تعلم أن بالدوين منافسه و مع ذلكَ اختارت الارتباط به.
‘ربّما تفعل ذلكَ لأجلي فعلًا. ربّما ما زالت متعلقة بي. ربّما هذه إشارة موجّهة إليّ.’
لعق إيغبرت الملح الذي سكبه على ظهر يده. كان مذاقه مناسبًا مع الخمر القوي الحلو قليلًا.
في الواقع، كان هو و أنايس منسجمين مثل هذا المزيج من الخمر الفاخر و الملح. و كان حبّها له قويًا و عطِرًا مثل هذا الشراب.
كيف يمكن لمثل هذا الحبّ أن يختفي بسهولة؟
الخمر القويّ يترك صداعًا عميقًا. ربّما ما زال أثره عالقًا في قلبها.
إذا كان الأمر كذلك، أليس عليه أن يفتح لها طريق العودة و هي”مضطرةً”؟
عندما كان يراها مجرّد شيءٍ من صنع جدّه كان يجدها مقززة، لكن بعد أن فقدها أصبحت تبدو جذابة.
و فوق ذلك، ألم تقم أنايس بإدارة البنك بهدوء و كفاءة طوال هذه الفترة؟
كانت شخصًا لا يُستهان بخسارته.
‘يكفي أن أعيدها.’
ابتسم إيغبرت ابتسامةً مرتخية.
“أنـتِ محقّة يا صوفيا.”
رمشت صوفيا.
“استجمع قواكَ بسرعة يا إيغبرت. لدينا الكثير لنفعله. يجب أن نبدأ التحضير للزفاف…”
“زفاف؟”
“يا إلهي يا إيغبرت. هل ستترك كريس ابنًا غير شرعيّ هكذا؟ إنه وريثكَ الوحيد.”
أضاءت عينا إيغبرت.
“هذا صحيح.”
ابتسمت صوفيا بسعادة و ارتمت في حضنه.
“أخيرًا سيدخل كريس في السجل العائلي! أنا سعيدة جدًا يا إيغبرت.”
ابتسمت صوفيا بإشراق.
ابتسم الاثنان و هما يحلمان بحلمين مختلفين.
* * *
كان المساعد الجديد يتمتّع بصورةٍ أنيقة و منعشة. و الأفضل أنه قرّر القدوم إلى العمل فور انتهاء حفل التخرج.
و أكثر ما أعجبني فيه هو——
“العضلات طبعًا.”
تمتمتُ دون وعي، فوافق جينوس.
“يبدو أنه قادر على حماية السيّدة تحت أي ظرف.”
“أنا أيضًا أظن ذلك.”
بالطبع لم يكن هذا السّبب الوحيد لتوظيفه.
كان هيريس يرتّب أغراضه في مكانه الجديد و ابتسم لنا ابتسامةً مشرقة.
وجه بريء لا يدري عمّا نتحدث عنه.
“حتّى اسمه يعجبني. هيريس لوريلين. عائلة لوريلين مشهورة بإنتاج العلماء البارعين، و اسم هيريس يبدو كفؤًا أيضًا.”
“يسعدني أنه أعجبكِ. آمل أن يكون مستقبلكِ مليئًا بالأمور الجيّدة.”
“شكرًا لجهودكَ حتّى الآن. ساعدنا قليلًا ريثما يتأقلم.”
أومأ جينوس.
“آه، و بالمناسبة، وصل اتصال من دوقية كونستانتين أثناء غيابكِ.”
بالدوين كونستانتين.
ذلكَ الاسم مجددًا.
تذكّرتُ الرجل الذي قابلته في حفل التخرج قبل يومين. لم نكن نلتقي سابقًا، لكنّني صرت أراه كثيرًا مؤخرًا… بطريقةٍ أو بأخرى.
“فهمت.”
“يبدو أنهم يرغبون في جذب استثمار.”
استثمار؟ دوقية كونستانتين أساسها المالي قوي أصلًا. و لو كان مشروعًا لهم، لاصطفّ المستثمرون طلبًا له.
“هل سبق أن تعاملوا مع بنك غراهام؟”
“عادةً يتعاملون مع بنك هيجيس.”
“هل حدثت مشكلة بينهما؟”
“لا يبدو ذلك.”
و مع ذلك، إن كانوا يريدون العمل معنا فلا بدّ من سبب. هل ينظرون إليّ و إلى بنك غراهام باستخفاف مثل الآخرين؟
ربّما يحاولون اختبار قوتي و الاستفادة فقط مما بداخلي.
بعد أن تعرّضتُ للأذى مرارًا، أصبحتُ أشكّ أولًا قبل كل شيء… و أخرج أشواكي قبل أن أتحقّق.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 11"