7
### الفصل السابع: وإن تكن قديسةً، فماذا في ذلك؟
ذُعرَ هيروند بشدةٍ حينَ رأى ريدنبرغ يدلفُ إلى قلعةِ ملكِ الشياطينِ ومعصمُه ملفوفٌ بالضمادات.
“سموَّكَ! ما الذي أصابَ معصمَك؟”
“لقد كسرتُه.”
“أيُّ وغدٍ تجرأَ على فعلِ ذلك؟!”
“أنا.”
“عفواً؟”
لم يجرؤ هيروند على الاستزادةِ في السؤال.
فملكُ الشياطينِ الحكيمُ والقويُّ ريدنبرغ، لا يمكنُ أن يقدمَ على فعلٍ جنونيٍّ ككسرِ معصمِه دونَ سببٍ وجيه.
‘لا بدَّ أنَّ لديهِ دافعاً قوياً لفعلِ ذلك.’
لم يكن هيروند يتخيلُ في أبعدِ أحلامِه أنَّ السببَ وراءَ كسرِ ريدنبرغ لمعصمِه هو سببٌ تافهٌ مثل: ‘التظاهرُ بالضعفِ لتجنبِ شكوكِ المرأةِ التي يحبُّها’.
فمَن ذا الذي قد يجرؤُ على تصورِ أنَّ أقوى ملكِ شياطينٍ في التاريخِ يتصنعُ الرقةَ والوهنَ أمامَ امرأةٍ بشرية؟
“هيروند.”
“نعم، يا سموَّك.”
قذفَ ريدنبرغ شيئاً ما في الهواء، فالتقطه هيروند بسرعةٍ ليتفحصَه.
كانت زجاجةً تحتوي على سائلٍ أسود.
“ما هذا؟”
“إنهُ مقوٍّ للحيويةِ صُنعَ من دمِ التنينِ الأسود.”
اتسعتْ عينا هيروند السوداوانِ دهشةً.
فدمُ التنينِ الأسودِ يُعدُّ بالنسبةِ لجميعِ الكائناتِ الحيةِ بمثابةِ الترياقِ الشافي من كلِّ علة.
مادةٌ ثمينةٌ تكفي رشفةٌ واحدةٌ منها لمحوِ آلامِ الرأسِ والبطنِ والعضلاتِ وكأنها لم تكن.
ومقوٍّ مصنوعٌ من مادةٍ كهذه، لا شكَّ أنَّ مفعولَه سيكونُ هائلاً.
“لـ، لماذا تمنحُني شيئاً كهذا……”
“تناولْه.”
بكلماتِه الموجزةِ تلك، غمرتِ السعادةُ قلبَ هيروند.
أن يحظى بهديةٍ ثمينةٍ كهذه من سيدِه!
شعر هيروند مجدداً بأهميتِه كذراعٍ يمنى لملكِ الشياطين.
‘رغم أنَّ سموَّه لا يعبرُ عن مشاعره، إلا أنه يقدرني حقاً.’
فتح هيروند الزجاجةَ وعيناهُ تفيضانِ بدموعِ التأثر، ثم تجرعَ السائلَ دفعةً واحدة.
وبالفعل، لم يتأخر ردُّ الفعلِ كونَه مصنوعاً من دمِ التنينِ الأسودِ النادر؛ فبمجردِ تناولِه، سرت حرارةٌ لافحةٌ في جسدِه، وشعرَ بأنَّ دماءَه بدأت تتدفقُ بسرعةٍ جنونية.
…… كلا، لم يكن مجردَ شعور.
بل كان دمُه يغلي ويتدفقُ بسرعةٍ فائقةٍ حقاً.
دوووم. دوووم. دوووم.
بدأ قلبُه يخفقُ بعنفٍ واضطراب.
‘لحظة. ثمةَ خطبٌ ما!’
أدركَ هيروند حينها فقط أنَّ جسدَه ليس على ما يرام.
رغم أنَّ ريدنبرغ قال إنهُ دمُ التنينِ الأسود، إلا أنَّ ما يشعرُ به الآن ليس تدفقاً للحيوية… بل كانَ يشبهُ تماماً شعورَه حينَ يتعرضُ لهجومٍ من كاهنٍ رفيعِ المستوى.
“كح! كح!”
اندفعَ سائلٌ ساخنٌ من أعماقِ صدرِه، فبصقَ هيروند دماً غزيراً ثم سقطَ جثةً هامدةً فوق الأرض.
“آه.. سـ، سموَّك.. كح! مـ، ما هذا……”
عندها فقط، أدركَ هيروند الحقيقة.
ما منحه إياه ريدنبرغ لم يكن مقوياً للحيوية، بل كان سُماً.
سُمٌ زعافٌ صنعتهُ يدٌ تفيضُ بقوةٍ مقدسةٍ هائلة.
“آه.. لـ، لماذا منحتَني السُمَّ……”
بدأ وعيُه يغيبُ تدريجياً.
وبينما كان يلفظُ أنفاسَه وهو ينزفُ دماً، تناهى إلى مسامعِه صوتٌ هادئٌ وبارد:
“لقد كانَ ظني في محلِه إذاً.”
ما هو الظنُّ الذي يتحدثُ عنه؟
لقد خدمَ ملكَ الشياطينِ بكلِّ إخلاصٍ وتفانٍ، فهل تكونُ المكافأةُ هي الموت؟
غاب هيروند عن الوعيِ قبل أن يتمكنَ حتى من إغلاقِ عينيه، والظلمُ يعتصرُ قلبَه.
—
“شهيق-!”
بمجردِ أن فتحَ عينيه، بدأ هيروند يتفحصُ ما حولَه.
لقد استيقظَ فوق سريرٍ مريح، بعد أن كانَ يصارعُ الموتَ فوق الأرضيةِ الباردة.
كان المكانُ الذي يتواجدُ فيه هو غرفةُ نومٍ فاخرةٍ داخلَ قلعةِ ملكِ الشياطين، لا يرتادُها سوى عليةِ القومِ من النبلاء.
‘لماذا أنا هنا؟’
مكانٌ كهذا يُعدُّ ترفاً كبيراً لشخصٍ ينتمي لعائلةٍ منهارةٍ مثلِ هيروند.
“ساعةٌ واحدة.”
استعاد هيروند وعيَه بالكاملِ حينَ سمعَ صوتَ ريدنبرغ الذي كان يجلسُ مسترخياً على كرسيٍّ بجانبِ السرير.
“سـ، سموَّكَ؟”
لم يستطع هيروند استيعابَ الموقفِ على الإطلاق.
أخذ يرمشُ بعينيه الأرجوانيتينِ بذهولٍ وهو يراقبُ ردودَ فعلِ ريدنبرغ بحذر.
“لقد استغرقَ الأمرُ وقتاً طويلاً لتطهيرِ جسدِكَ من السُمِّ، حتى باستخدامِ مانا الخاصةِ بي.”
“ماذا؟ هل يعني هذا…… أنَّ سموَّكَ هو مَن عالجني بنفسِه؟”
تأثر هيروند بشدةٍ حينَ علمَ أنَّ ريدنبرغ استخدمَ قوتَه السحريةَ ليعالجَه، بل ونقلَه إلى غرفةِ النومِ بيديه.
وفي لحظة، تبخرتْ من عقلِه حقيقةُ أنه كادَ يموتُ بسببِ السُمِّ الذي أعطاهُ إياه ملكُ الشياطين.
“آه.. شكراً لك يا سموَّك! لقد ظننتُ أنكَ قررتَ التخلصَ مني لأنني لم أعد ذا نفع.. أنا، هيروند، سأبقى مخلصاً لكَ مدى الحياة.”
ولسوءِ حظِّ هيروند، لم تصل كلماتُ ولائِه الصادقةِ إلى مسامعِ ريدنبرغ.
فقد كان عقلُ الأخيرِ مشغولاً بالتفكيرِ في إيهيلي فقط.
مقوي الحيوية الذي أعطاهُ لهيروند كان من صنعِ إيهيلي.
وقد راقبَ ريدنبرغ كلَّ خطوةٍ قامت بها أثناءَ صنعِه دون أن تفوتَه ذرةٌ واحدة.
‘رغم أنها لم تضعْ فيه أيَّ قوةٍ مقدسةٍ بشكلٍ متعمد.’
ومع ذلك، احتوى ذاك السائلُ على قوةٍ مقدسةٍ كافيةٍ لجعلِ هيروند يبصقُ دماً ويموتُ على الفور. قوةٌ لا يمكنُ مقارنتُها بذاك المسِّ البسيطِ الذي يشعرُ به عند ملامسةِ بشرتِها؛ بل كانت تضاهي ضررَ هجومٍ مباشرٍ من كاهنٍ عظيم.
‘يبدو أنَّ الماءَ المقدسَ الذي شربتُه سابقاً كان من صنعِها أيضاً.’
فالسوائلُ النقيةُ غالباً ما تحتفظُ بالقوةِ المقدسةِ بشكلٍ جيد.
لقد كانت إيهيلي تصنعُ ماءً مقدساً دون أن تُدرك ذلك.
‘هل تفيضُ القوةُ المقدسةُ من جسدِها لدرجةِ أنها تتسربُ دون وعيٍ منها؟’
شخصٌ يحملُ في أعماقِه قوةً مقدسةً بهذا الزخم، لا يمكنُ أن يكونَ بشراً عادياً بأيِّ حال.
ربما تكونُ إيهيلي……
‘قديسةً بالفعل.’
شعرٌ بلونِ الثلج، وعينانِ زرقاوانِ كصقيعِ الشتاء، وفوق ذلك كلِّه تلك القوةُ المقدسةُ العارمة.
تأكد ريدنبرغ من ظنِّه؛ إيهيلي هي القديسةُ التي سوف تصبح سببَ هلاكِ ملكِ الشياطين.
وإذا كانت قديسةً حقاً……
‘وإن تكن قديسةً، فماذا في ذلك؟’
لم يكن كونُها قديسةً أمراً ذا أهميةٍ بالنسبة لريدنبرغ.
الأمرُ الوحيدُ الذي كان يشغلُ بالَه هو: كيفَ يجعلُها تقعُ في حبِّه؟
—
وبينما كانت لقاءاتُها مع ريك مستمرةً لعدةِ أيام.
اتخذت إيهيلي قرارَها.
اليوم، يجبُ عليها أن تطلبَ من ريك التوقفَ عن زيارتِها.
لقد علمت أنه ليس شخصاً سيئاً، لكنَّ تكرارَ زياراتِه أصبحَ يشكلُ عبئاً عليها.
في الواقع، حاولتْ فتحَ الموضوعِ معه عدةَ مراتٍ سابقاً.
“ريك، هل تسكنُ في مكانٍ قريبٍ من هنا؟”
“ليس قريباً جداً.”
“وكم تستغرقُ المسافةُ بالعربة؟”
“لا أعلم، فلم يسبقْ لي ركوبُ العرباتِ قط.”
“ماذا؟ لم يسبقْ لكَ ركوبُ عربةٍ في حياتِك؟”
ذهلت إيهيلي؛ فكيفَ يعيشُ إنسانٌ دونَ أن يركبَ عربةً أبداً؟
“إذاً، كيف تتنقلُ بين الأماكن؟”
“عن طريقِ الانتقالِ الآني ……”
“…… الانتقالُ الآني؟!”
ارتبكَ ريك حينَ رأى دهشةَ إيهيلي العارمة.
تلك الكلمةُ التي ألقاها بعفوية، جعلت ملامحَ الاضطرابِ تغزو وجهَه للحظة، وكأنما أدركَ أنه أخطأ في القول.
فالانتقالُ الآني لا يُستخدمُ إلا في حالتين: إما أن يكونَ الشخصُ ساحراً من الطبقةِ العليا، أو أن يستخدمَ أحجارَ الانتقالِ التي يصنعُها أولئك السحرة.
وفي الحالتين، هو سحرٌ معقدٌ لا يتقنُه إلا القليل.
‘لا يوجد في الإمبراطوريةِ سوى عددٍ قليلٍ من السحرةِ الذين يملكونَ تلك المهارة.’
واحتمالُ أن يكونَ ريك ساحراً من تلك الطبقة……
محت إيهيلي هذه الفكرةَ من رأسِها فوراً.
‘مستحيل.’
فالوصولُ لمستوى ساحرٍ عالٍ يتطلبُ جسداً قوياً ليتحملَ ضغطَ المانا الهائل، وشخصٌ ضعيفٌ يتقيأُ دماً ويسقطُ مغشياً عليهِ بسببِ مرضِه لا يمكنُ أن يكونَ ساحراً عظيماً.
إذاً، لم يتبقَّ سوى احتمالٍ واحد.
“هل تستخدمُ أحجارَ الانتقالِ الآني؟”
أومأ ريك برأسِه بسرعةٍ بمجردِ أن ألقت بسؤالِها:
“أجل، هذا صحيح. أنا استخدمُ أحجارَ الانتقال.”
“في كلِّ مرة؟”
“أجل.”
بدا ريك وكأنهُ يرى الأمرَ طبيعياً جداً، لكنَّ إيهيلي شعرت بالصدمة.
فثمنُ حجرِ انتقالٍ واحدٍ يعادلُ نفقاتِ معيشةِ شخصٍ من عامةِ الشعبِ لشهرٍ كامل.
وأن يستخدمَه في كلِّ زيارةٍ بدلاً من العربة، فهذا يعني……
‘كم يبلغُ مقدارُ ثرائِه بحقِّ الخالق؟’
عادت شكوكُ إيهيلي لتستيقظَ من جديد.
رجلٌ وسيم، بجسدٍ متناسق، وشخصيةٍ فريدة، وماضٍ حزين، وفوق كلِّ ذلك ثراءٌ فاحش.. لا يمكنُ أن يكونَ مجردَ شخصيةٍ عابرةٍ في الرواية.
فوضعُ كلِّ هذه التفاصيلِ المبهرةِ لشخصيةٍ ثانويةٍ هو تبذيرٌ لا مبررَ له.
‘أنا متأكدة، ريك شخصيةٌ لها ثقلُها في الروايةِ الأصلية.’
لقد هربتْ لكي لا ترتبطَ بشخصياتِ الرواية، لذا لم ترغب في التورطِ معه أكثرَ من ذلك.
**طق طق-**
نهضت إيهيلي فورَ سماعِها لطرقةِ البابِ المألوفة.
“ريك، في المرةِ القادمة……”
بدأت إيهيلي حديثَها بنبرةٍ حازمةٍ بمجردِ فتحِ الباب، لكنَّ كلماتِها تعثرت في حنجرتِها حينَ رأتِ الرجلَ الواقفَ أمامَها.
لم يكن ريك هو الطارق.
“ريك؟ مَن يكونُ ريك هذا؟”
أمالَ رجلٌ ذو شعرٍ أشعثَ ومبعثرٍ رأسَه بتساؤل.
وبمجردِ رؤيةِ وجهِه، تصلبت ملامحُ إيهيلي وقالت بنبرةٍ باردةٍ وقاسية:
“ما الذي جاءَ بكَ إلى هنا؟”
“ماذا تقصدين؟ ألا يمكنُ للأخِ أن يزورَ أختَه ليطمئنَّ عليها؟”
أخ؟
أطلقت إيهيلي ضحكةً ساخرة.
“ومنذ متى وأنتَ تعتبرُني فرداً من عائلتِك؟”
“هيه؟ ما هذه الطريقةُ في الحديثِ مع أخيكِ الأكبر؟ إيهيلي، يبدو أنكِ فقدتِ صوابَكِ تماماً بعد هروبِكِ من المنزل، أليس كذلك؟”
ذاك الرجلُ الذي كان يحدقُ فيها بوقاحةٍ هو “كين”، أخ إيهيلي.
لقد كذبتْ على ريك حينَ أخبرتهُ أنَّ ليس لديها عائلةٌ أو إخوة.
ففي الحقيقة، كانت إيهيلي تملكُ عائلة.
عائلةٌ لا تختلفُ عن الغرباء، بل هي أسوأُ من حثالةِ الغرباء.
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 7"