## الفصلُ الرابعَ عشرَ: تودُّدُ الزوجينِ
“لا يجوزُ إلقاؤُهُ!”
“ولماذا لا يجوزُ؟”
“لأنَّ ذلكَ.. أقصدُ لأنَّ هذا الرجلَ ليسَ قمامةً.”
أمالَ ريك رأسَهُ جانباً بتعبيرٍ ينمُّ عن عدمِ الفهمِ التامِّ.
“إذنْ؟ هلْ هو ضيفُ الآنسةِ إيهيلي؟”
“كلا، ليسَ كذلكَ أيضاً.”
شرحتْ إيهيلي بإيجازٍ ما حدثَ حينَ واجهتْهُ في المخزنِ؛ وبعدَ أنْ استمعَ ريك لحديثِها بهدوءٍ، قالَ:
“إذنْ هو قمامةٌ بالفعلِ.”
“كلا، كيفَ توصلتَ لهذهِ النتيجةِ!”
“رجلٌ يقتحمُ منزلكِ دونَ إذنٍ ويهددكِ، إنْ لمْ يكنْ قمامةً فماذا يكونُ؟”
“قاق!”
نعقَ الغرابُ المستقرُّ على كتفِ ريك كأنهُ يؤيدُ كلامَهُ.
“أوه، هذا……”
“إنْ لمْ يكنْ قمامةً، فربما يجدرُ بنا تسميتُهُ حشرةً.”
“…….”
“أياً كانَ مسمَّاهُ، سأذهبُ لإلقائِهِ الآنَ.”
“انتظرْ لحظةً، يا ريك!”
نادتْهُ بذعرٍ، لكنَّ ريك لمْ يبدُ عليهِ أيُّ نيةٍ للتراجعِ؛ فنهضتْ إيهيلي بسرعةٍ وأمسكتْ بذراعِهِ.
“اهدأْ قليلاً، وضعهُ أرضاً.”
“حاضرٌ.”
رغمَ أنَّ ريك كانَ بإمكانِهِ دفعُ ذراعِ إيهيلي النحيلةِ بخفةٍ، إلا أنهُ انصاعَ لأمرِها بطاعةٍ تامةٍ.
طاخ!
سقطَ غابريل على وجهِهِ فوقَ الأرضِ.
‘بدأتُ أشعرُ بالشفقةِ عليهِ الآنَ.’
رغمَ حقيقةِ اقتحامِ غابريل للمخزنِ وتهديدِهِ لـ إيهيلي، إلا أنهُ كما زعمَ.. ربما لمْ يطاردْها بنوايا سيئةٍ. أليسَ هذا العقابُ قاسياً جداً مقارنةً بجرمِهِ؟
مدتْ إيهيلي يدَها بحذرٍ لتتفقدَ حالةَ غابريل، وفي تلكَ اللحظةِ..
“إيهيلي.”
دفعَ ريك وجهَهُ فجأةً أمامَها؛ وبملامحَ حسناءَ، خفضَ أهدابَهُ بانكسارٍ ومدَّ يدَهُ نحوهَا.
“لقدْ أُصبتُ.”
“ماذا؟ أرني أينَ.”
جفلتْ إيهيلي وأخذتْ تتفحصُ يدَ ريك؛ كانتْ هناكَ شظيةٌ خشبيةٌ صغيرةٌ غارزةٌ في أحدِ أصابعِهِ البيضاءِ الطويلةِ.
“يا إلهي، هلْ أنتَ بخيرٍ؟ سأذهبُ لإحضارِ حقيبةِ الإسعافاتِ! انتظرني هنا.”
“حاضرٌ.”
لمْ ترَ إيهيلي ريك وهو يرفعُ طرفَ شفتِهِ ببطءٍ، مرتسماً على وجهِهِ ابتسامةُ المنتصرِ.
وبعدَ أنْ أحضرتْ حقيبةَ الإسعافاتِ على عجَلٍ، تذكرتْ فجأةً: ‘كانَ ينبغي لي علاجُ غابريل قبلَ ريك……’
لكنَّ هذا المنطقَ لمْ يدمْ طويلاً؛ فمنظرُ ريك الواهنِ وهو يشدُّ على شفتيهِ الحمراوينِ وعيناهُ منكسرتانِ جعلَ قدرتها على الحكمِ تضطربُ.
بلْ لو فكرتُ في الأمرِ، أليسَ من الصوابِ علاجُ ريك أولاً؟ فغابريل بطلٌ قويٌّ يمتلكُ قدرةً هائلةً على الشفاءِ، بينما ريك رجلٌ عليلٌ.
‘من الطبيعيِّ في حالاتِ الطوارئِ الاعتناءُ بالأضعفِ أولاً.’
وكما يقالُ: “الأقربونُ أولى بالمعروفِ”؛ فمنَ الطبيعيِّ أنْ تهتمَّ بـ ريك الذي تألفتْ معهُ، أكثرَ من غابريل الذي رأتْهُ اليومَ لأولِ مرةٍ، ناهيكِ عن كونهِ “القمامةَ” في الروايةِ الأصليةِ.
وبعدَ أنْ أقنعتْ إيهيلي نفسَها بهذهِ الحجةِ، جعلتْ ريك يجلسُ على الأريكةِ وجلستْ بجانبِهِ.
“سأسحبُ الشظيةَ الآنَ، اصبرْ قليلاً حتى لو آلمكَ الأمرُ.”
حينَ قربتْ إيهيلي الملقطَ، ارتعشَ جسدُ ريك؛ ثمَّ أرخى أهدابَهُ وحركَ شفتيهِ بضعفٍ كأنهُ يعاني:
“إيهيلي، لديَّ طلبٌ.”
“نعمْ؟”
“هلْ يمكنني استعارةُ كتفِكِ قليلاً؟”
أومأتْ إيهيلي برأسِها وهي ترى وجهَهُ المتقلصَ بألمٍ؛ فمنَ المعروفِ أنَّ مشاهدةَ علاجِ الجرحِ تزيدُ من الشعورِ بالخوفِ.
“حسناً، استندْ إليَّ.”
بمجردِ صدورِ الإذنِ، مدَّ ريك ذراعَهُ ولفَّ خصرَ إيهيلي بجاذبيةٍ وسحبَها نحوهُ؛ وفي لمحِ البصرِ، وجدتْ إيهيلي نفسَها جالسةً في حجرِ ريك ومحتضنةً بينَ ذراعيهِ.
“ريك؟!”
انسدلَ شعرُهُ الناعمُ فوقَ عنقِ إيهيلي، وداعبتْ أنفاسُهُ الدافئةُ بشرتَها الرقيقةَ. دفنَ ريك رأسَهُ فوقَ كتفِها وهمسَ بصوتٍ رخيمٍ وواضحٍ في أذنِها:
“أشعرُ بالاطمئنانِ هكذا.”
“…….”
“في كُلِّ مرةٍ لا أُريكِ إلا ضعفي؛ أنا آسفٌ لأنني رجلٌ واهنٌ يرتجفُ لمجردِ شظيةِ في يدِهِ.”
تخللتْ نبرتَهُ المنخفضةُ رعشةٌ خفيفةٌ؛ هلْ كانَ يحاولُ كبحَ مشاعرِ الحزنِ في داخلِهِ؟
قدمتْ إيهيلي لهُ المواساةَ وهو يرتجفُ بضعفٍ:
“كلا يا ريك، أنتَ لستَ ضعيفاً؛ فقدْ كنتَ دائماً تهبُّ لمساعدتي في المواقفِ الخطرةِ.”
“ولكنْ…… ألا تكرهينَ رجلاً عليلاً يتطلبُ الكثيرَ من العنايةِ كهذا؟”
“كلا، لا أكرهُ ذلكَ.”
فريك لمْ يدخرْ جهداً لحمايتِها؛ وكيفَ للمرءِ أنْ يكرهَ شخصاً يظهرُ لهُ كلَّ هذا الحبِّ الصادقِ؟
“أحقاً ما تقولينَ؟”
“نعمْ يا ريك. يمكنكَ إظهارُ ضعفكَ أمامي قدرَ ما تشاءُ.”
“شكراً لكِ، إيهيلي.”
كانَ الفرحُ جلياً في صوتِ ريك وهو يهمسُ لها؛ وفكرتْ إيهيلي في سرِّها: ‘كمْ هو إنسانٌ نقيٌّ ليفرحَ هكذا بكلماتٍ بسيطةٍ.’
—
بينما كانَ هيروند يراقبُ تمثيلَ ريدنبرغ من مسافةٍ قريبةٍ، شعرَ مجدداً بمدى الخبثِ والتصنُّعِ الذي يمكنُ أنْ يصلَ إليهِ سيدُهُ في سبيلِ تحقيقِ غايتِهِ.
فالسيدُ الذي لمْ يطرفْ لهُ جفنٌ حينَ اخترقتْ مخالبُ التنينِ كتفَهُ ونزفَ بغزارةٍ، كانَ يتظاهرُ بالألمِ الآنَ لمجردِ شظيةِ خشبٍ تافهةٍ.
“انتهيتُ تقريباً، اصبرْ قليلاً.”
“حاضرٌ، إيهيلي.”
كانَ منظرُهُ وهو يتلصقُ بها متذرعاً بالألمِ يثيرُ الغثيانَ في نفسِ هيروند؛ ولمْ يصدقْ عينيهِ وهو يرى “التمثيليةَ” التاريخيةَ التي تُعرضُ أمامَهُ.
أنْ يرى ملكَ الشياطينِ الباردَ الذي لا يعرفُ الرحمةَ وهو يتوددُ لامرأةٍ بشريةٍ هكذا، كانَ أمراً فوقَ الاحتمالِ.
وبينما كانَ هيروند يرتجفُ بجناحيهِ جراءَ هذا المشهدِ العاطفيِّ المفرطِ..
“آه-“
تململَ غابريل الملقى على الأرضِ كالجثةِ وبدأَ ينهضُ ببطءٍ.
‘أينَ أنا؟’
حاولَ الرجلُ استرجاعَ ذاكرتِهِ، لكنَّ رأسَهُ كانَ يؤلمُهُ بشدةٍ.
لمْ يتذكرْ مَنْ يكونُ، ولا كيفَ انتهى بهِ المطافُ هنا؛ الشيءُ الوحيدُ الذي تذكرَهُ هو أنَّ اسمَهُ غابريل.
رمشَ غابريل بعينيهِ المشوشتينِ وتفحصَ المكانَ؛ رأى امرأةً تحتضنُ رجلاً وتلفُّ الضماداتِ حولَ يدِهِ، ورأى الرجلَ يلمعُ بعينينِ حمراوينِ جشعتينِ وكأنهُ على وشكِ افتراسِ عنقِ تلكَ المرأةِ.
وبعقلِهِ الذي لمْ يستعدْ كُلَّ قواهُ بعدُ، خمنَ غابريل طبيعةَ العلاقةِ بينهما:
‘أهما زوجانِ؟’
—
‘يا له من ارتياحٍ، انتهيتُ.’
رفعتْ إيهيلي رأسَها بعدَ أنْ ركزتْ كُلَّ انتباهِها على علاجِ يدِ ريك؛ وفي تلكَ اللحظةِ، التقتْ نظراتُها بعيني غابريل الزرقاوينِ.
“أنا……”
بمجردِ أنْ فتحَ غابريل فمَهُ، جفلتْ إيهيلي وتراجعتْ بجسدِها للخلفِ بقوةٍ؛ مِمَّا جعلها تلتصقُ بـ ريك أكثرَ. شدَّ ريك ذراعَهُ حولَ خصرِها وكأنهُ يطمئنُها، وربتَ على ظهرِ يدِها بحركاتٍ منتظمةٍ لتهدئتِها.
“أينَ أنا؟”
أجابتْ إيهيلي بهدوءٍ على سؤالِ غابريل:
“هذا منزلي.”
أومأَ برأسِهِ ثمَّ سألَ:
“هلْ تعرفينَ مَنْ أكونُ؟”
“نعمْ؟”
‘ما هذا الهراءُ المفاجئُ؟’
“ولماذا تسألني أنا عن ذلكَ؟”
أجابَ غابريل بصوتٍ منكسرٍ حينَ ردتْ عليهِ بحدةٍ:
“…… أنا آسفٌ. يبدو أنني لا أتذكرُ شيئاً……”
“ماذا؟ فقدتَ الذاكرةَ؟!”
“نعمْ. لا أتذكرُ مَنْ أكونُ، ولا لماذا أنا هنا.”
لقدْ سمعتُ أنَّ الضربةَ القويةَ على الرأسِ قدْ تسببُ فقدانَ الذاكرةِ، لكنني لمْ أتوقعْ أنْ أرى ذلكَ عياناً.
وبينما كانتْ إيهيلي مذهولةً وعاجزةً عن الكلامِ، همسَ ريك من خلفِها:
“إيهيلي، سأتولى أنا حلَّ هذا الأمرِ.”
“حلُّهُ؟ لا تقلْ إنكَ ستضربُهُ على رأسِهِ مرةً أخرى لتعيدَ لهُ الذاكرةَ؟”
“إيهيلي، هلْ ترينني رجلاً عدوانياً إلى هذا الحدِّ……؟”
انحنى حاجبا ريك بتعبيرٍ بائسٍ كأنهُ شخصٌ جُرِحَ في صميمِهِ؛ فسارعتْ إيهيلي بالتصحيحِ:
“أنا آسفةٌ يا ريك، لقدْ خانني التعبيرُ.”
“كلا، بلْ هو خطئي أنا. بما أنني أظهرتُ جانباً عنيفاً في مواقفَ كثيرةٍ دونَ قصدٍ، فمنَ الطبيعيِّ أنْ تظني بي ذلكَ.”
“لا، لقدْ كانَ ذلكَ دائماً لإنقاذي؛ لذا أنا لا أعتبركَ شخصاً عنيفاً.”
“…… إذنْ، هلْ ستظلينَ تحبينني حتى لو تخلصتُ من الحثالةِ الذينَ يزعجونكِ الآنَ؟”
نعمْ؟ كيفَ وصلَ الكلامُ إلى هنا؟
كانتِ النتيجةُ غريبةً، لكنَّ إيهيلي لمْ تجدْ بُدّاً من الإيماءِ برأسِها؛ فـ ريك الذي كانَ ينظرُ إليها بدا مطيعاً ككلبٍ لا يتبعُ إلا صاحبَهُ.
‘حسناً، ريك لنْ يقتلَ أحدًا على أيةِ حالٍ.’
وبعدَ أنْ نالَ ريك موافقتَها، ابتسمَ بإشراقٍ وقالَ:
“إذنْ، سأتعاملُ أنا مع هذا الرجلِ، فابقي أنتِ مكانكِ.”
أنزلَ ريك إيهيلي فوقَ الأريكةِ ونهضَ ليقفَ حائلاً بينها وبينَ غابريل، وكأنهُ يمنعُ غابريل من رؤيتِها.
ثمَّ خرجَ من حنجرتِهِ صوتٌ منخفضٌ ومهددٌ لدرجةٍ تقشعرُّ لها الأبدانُ، يختلفُ تماماً عن صوتِهِ الرقيقِ مع إيهيلي:
“بما أنكَ لا تتذكرُ، فسأخبركَ أنا. أنتَ لصٌّ؛ حثالةٌ اقتحمَ هذا المنزلَ وهددَ امرأةً ضعيفةً.”
انتابتِ الحيرةُ إيهيلي؛ فلو نظرنا للموقفِ السابقِ، فكلامُهُ ليسَ خاطئاً تماماً، ولكنْ……
بعدَ صمتٍ قصيرٍ، هتفَ غابريل بصوتٍ مرتجفٍ وكأنهُ صُعِقَ من الخبرِ:
“لـ.. لحظةً. يبدو أنَّ هناكَ سوءَ فَهْمٍ. أنا، رغمَ فقداني للذاكرةِ، مستحيلٌ أنْ أكونَ حثالةً كهذا.”
“سوءُ فَهْمٍ؟”
أمالَ ريك رأسَهُ ببرودٍ قاتلٍ وعقَّبَ:
“رجلٌ يحملُ سيفاً ويقتحمُ منازلَ الآخرينَ دونَ إذنٍ، إنْ لمْ يكنْ لصاً فماذا يكونُ؟”
“هذا……”
عجزَ غابريل عن الردِّ؛ وبسببِ فقدانِهِ للذاكرةِ، لمْ يدركْ حتى أنَّ السيفَ الذي يحملُهُ هو “السيفُ المقدسُ” الذي لا يحملُهُ إلا البطلُ المختارُ.
—
المترجمة:«Яєяє✨»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"
😂😂😂يجنن