## الفصلُ الثاني عشرَ: ارعيني بحبٍّ
“آه، لقدْ سقطَ فجأةً من المدخنةِ ليلةَ أمسِ. كانَ في البدايةِ شرساً جداً، ولكنْ بعدَ أنْ أطعمتُهُ القليلَ من لحمِ التنينِ، بدا وكأنَّهُ فتحَ لي قلبَهُ؛ إنهُ طائرٌ هادئٌ ووديعٌ حقاً.”
ولكيْ تُثبتَ لـ ريك مَدَى هدوءِ الغرابِ، احتضنتْهُ إيهيلي برفقٍ وبدأتْ تمسحُ على ريشِهِ بحنانٍ.
ومعَ كلِّ لمسةٍ، كانتْ ملامحُ ريك تزدادُ انقباضاً؛ وارتسمَ على وجهِهِ تعبيرٌ يمزجُ بينَ استياءٍ عظيمٍ وذرةٍ من الحسدِ الواضحِ.
‘لماذا يبدو مستاءً هكذا؟’
لمْ يطلْ تفكيرُ إيهيلي حتى أدركتِ السببَ.
‘صحيحٌ! لا يزالُ هناكَ الكثيرون في هذا العالمِ يكرهونَ الغربانَ!’
فكما في حياتِها السابقةِ، يُعتبرُ الغرابُ في إمبراطوريةِ رودميكيان كائناً مشؤوماً؛ والسببُ يعودُ لكونِ موطنِ الغربانِ الرئيسيِّ هو عالمُ الشياطينِ.
لكنَّ إيهيلي لمْ تكنْ ممن تنجرفُ وراءَ هذهِ الأحكامِ المسبقةِ.
“ريك، هلْ تكرهُ الغربانَ؟”
“كلا. لا أكرهُها؛ بلْ إنْ أردتِ الدقةَ، فأنا أحبُّها.”
تنفستْ إيهيلي الصعداءَ، ولكنْ سرعانَ ما ألحقَ قولَهُ بما أربكَ حساباتِها.
“أحبُّها لدرجةِ أنني أرغبُ في قليِها وأكلِها فوراً.”
“نعمْ……؟ تـ.. تـقليهِ؟”
“قاق؟!”
“ما هذا الكلامُ المروعُ الذي تقولُهُ!”
جفلتْ إيهيلي وشددتْ من عناقِها للغرابِ كأنها تحميهِ.
“لقدْ كانتْ مزحةً.”
“هلْ هي حقاً مزحةٌ؟ لقدْ بدا وجهكَ جاداً جداً قبلَ قليلٍ.”
“أنا لستُ بارعاً في المزاحِ.”
أومأتْ إيهيلي برأسِها موافقةً؛ فإنسانٌ رقيقٌ مثلُ ريك لا يمكنُ أنْ ينطقَ بمثلِ هذا الكلامِ الفظيعِ بجديةٍ.
“على أيةِ حالٍ، هذا مطمئنٌ؛ فقدْ كنتُ أفكرُ في تربيتِهِ.”
“تربيتِهِ…… أتقصدينَ إبقاءَهُ في منزلكِ دائماً؟”
“نعمْ. لا أدري إنْ كانَ هذا الصغيرُ سيرغبُ في البقاءِ بجانبي، ولكنْ…… سأرعاهُ بحبٍّ حتى يشفى جناحُهُ تماماً.”
“…… بحبٍّ؟”
“نعمْ. سأمسحُ عليهِ كُلَّ يومٍ وأغدِقُ عليهِ عطفاً ودلالاً.”
“…….”
“انظرْ إليهِ. ألا تراهُ لطيفاً جداً وهو هادئٌ هكذا؟”
رفعتْ إيهيلي الغرابَ بحذرٍ لتريهِ لـ ريك؛ فاشتدَّ التوترُ في حاجبي ريك المنعقدينِ، وظلَّ يحدقُ في الغرابِ وكأنَّ بينهما معركةَ تحدٍّ بالأنظارِ.
وفي الوقتِ ذاتِهِ، انكمشَ الغرابُ بجناحيهِ وكأنهُ واجهَ عدوَّهُ الطبيعيَّ، وبدأَ ينظرُ للأرضِ وينعقُ بصوتٍ مرتجفٍ.
“قا، قاق. قااااق……”
‘ما بهِ فجأةً؟’
تفقدتْ إيهيلي حالةَ الغرابِ بقلقٍ، بينما جاءَ صوتُ ريك متقطعاً وبنبرةٍ حملتْ ثقلاً غريباً:
“كما.. قلتِ. إنهُ.. لـ.. طيفٌ.. حقاً.”
هلْ كانَ يراهُ لطيفاً حقاً؟
وبينما كانتْ إيهيلي تشكُّ في ذلكَ، بدأَ الغرابُ يخفقُ بجناحيهِ بعنفٍ.
“قاق! قاق-!”
“أوه، ما الذي دهاهُ فجأةً؟”
قفزَ الغرابُ من يدِها واستقرَّ فوقَ كتفِ ريك، وبدأَ يمسحُ وجهَهُ بعنقِ ريك كأنهُ قطةٌ تتوددُ لصاحبِها.
“يا إلهي! يبدو أنهُ قدْ أُعجبَ بكَ يا ريك.”
لوتْ إيهيلي شفتيها بضيقٍ.
‘لقدْ ظلَّ حذراً مني طوالَ الوقتِ، وها هو الآنَ يتوددُ لـ ريك هكذا رغمَ أنَّ ريك لمْ يطعمْهُ حتى قطعةَ لحمٍ واحدةٍ.’
يبدو أنَّ الحيواناتِ أيضاً تنجذبُ للجمالِ؛ وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فلنْ تستسلمَ إيهيلي.
أخرجتْ سلاحَها السريَّ بدافعِ الغيرةِ: قطعةً من لحمِ التنينِ.
وحينَ لوحتْ باللحمِ، لمعتْ عينا الغرابِ وطارَ نحوها مرةً أخرى بخفةٍ؛ فراقبَ ريك الموقفَ وهو يرفعُ طرفَ شفتِهِ بابتسامةٍ ساخرةٍ، وأطلقَ تنهيدةً منخفضةً.
“آها- إذنْ هذا هو الأمرُ.”
ارتجفَ جناحا الغرابِ وهو يلتقطُ اللحمَ بمنقارِهِ الطويلِ بلهفةٍ.
“كنتُ أتساءلُ لِمَ يتوددُ لبشريةٍ ليستْ صاحبتَهُ، فإذا بهِ قدْ سقطَ تماماً من أجلِ بعضِ الوجباتِ الخفيفةِ……؟”
كانتِ النبرةُ رتيبةً، لكنَّها حملتْ بينَ طياتِها هيبةً وضغطاً غريباً.
انتابتِ الحيرةُ إيهيلي وهي تستمعُ إليهِ؛ صاحبتُهُ؟ هلْ يعني هذا أنَّ للغرابِ صاحباً؟
“ريك، هلْ هذا الغرابُ مملوكٌ لأحدٍ؟”
“نعمْ.”
“آه……”
لا عجبَ إذنْ؛ فقدْ كانتْ تستغربُ سهولةَ تعاملِهِ مع البشرِ، واتضحَ أنهُ ليسَ طائراً برياً.
شعرتْ إيهيلي بالأسفِ لأنها لنْ تستطيعَ تربيتَهُ، ولكنْ كما لو كانَ ريك يقرأُ أفكارَها، همسَ لها برقةٍ:
“لا تقلقي يا إيهيلي؛ فأنا هو صاحبُهُ.”
وضعَ ريك يدَهُ فوقَ عنقِ الغرابِ المتجمدِ واللحمُ في فمِهِ وكأنهُ يمسكُ بهِ.
“إنْ كنتِ ترغبينَ فيهِ، فسأعطيكِ إياهُ.”
“…… نعمْ؟ كلا، لا يجوزُ ذلكَ!”
“ولماذا لا يجوزُ؟ ألمْ تكوني ترغبينَ في امتلاكِهِ؟”
“لقدْ قلتَ إنكَ صاحبُهُ؛ والحيواناتُ الأليفةُ كالعائلةِ. أنْ تتخلى عن فردٍ من عائلتكَ لشخصٍ آخرَ بهذهِ البساطةِ.. أليسَ هذا مفرطاً في القسوةِ……؟”
شعرتْ إيهيلي بخيبةِ أملٍ تجاهَ ريك؛ لمْ تكنْ تتخيلُ أنهُ شخصٌ عديمُ المشاعرِ إلى هذا الحدِّ.
وحينَ ظهرَ الضيقُ على وجهِها، سارعَ ريك بتصحيحِ معنى كلماتِهِ:
“يبدو أنَّ هناكَ سوءَ فَهْمٍ.”
“أيُّ سوءِ فَهْمٍ؟”
“إيهيلي، أنا الآنَ أحاولُ التوددَ إليكِ فحسبُ.”
“…… نعمْ؟”
“لأنني إنْ تركتُ هذا الطائرَ في منزلكِ، فسيكونُ لي عذرٌ لأزوركِ كُلَّ يومٍ.”
في تلكَ اللحظةِ، شعرتْ إيهيلي بوخزةٍ في قلبِها.
“…… ريك، أنا……”
ربما لأنها أدركتْ ثقلَ الوحدةِ لأولِ مرةٍ خلالَ الأيامِ التي غابَ فيها؛ أرادتْ أنْ ترفضَ بحزمٍ، لكنَّ الكلماتِ لمْ تطاوعْها.
وكأنَّ ريك قدْ شعرَ بما يدورُ في خلدِها، فتابعَ حديثَهُ بدفءٍ:
“أجلْ، أنا أعلمُ. أعلمُ أنهُ لا يوجدُ مكانٌ لي في قلبِ إيهيلي بعدُ.”
لامستْ كلماتُهُ العذبةُ أذنيها برقةٍ.
“ليسَ بعدُ.”
ليسَ بعدُ؛ فهو لمْ يستسلمْ، ولا يزالُ يتحينُ الفرصةَ.
“لذا، يا إيهيلي.”
وضعَ ريك يدَهُ فوقَ يدِ إيهيلي ثمَّ شبكَ أصابعَهُ بأصابعِها؛ ونقلَ يدَها لتستقرَّ فوقَ شعرِهِ الذي كانَ أشدَّ سواداً من ريشِ الغرابِ.
داعبَ شعرُهُ الناعمُ باطنَ كفِّ إيهيلي.
“امسحي عليَّ كُلَّ يومٍ.”
همسَ بصوتٍ خافتٍ وهو ينقلُ يدَها مرةً أخرى؛ وهذهِ المرةَ، لامستْ شفتاهُ الرقيقتانِ أصابعَ إيهيلي.
“وارعيني بحبٍّ.”
*قبلةٌ.*
دوى صوتُ القبلةِ الخفيفةِ في أذني إيهيلي كصوتِ الرعدِ الصاخبِ.
—
“سأذهبُ لأجعلَ هذا الصغيرَ يستنشقُ بعضَ الهواءِ النقيِّ وأعودُ.”
بمجردِ أنْ خرجَ ريك مع الغرابِ، خانتِ القوةُ ساقي إيهيلي فجلستْ على الأرضِ؛ وانهارَ ذلكَ الثباتُ الذي كانتْ تقاتلُ للحفاظِ عليهِ.
كانَ قلبُها يخفقُ بعنفٍ.
‘مجردُ لمسةٍ لشعرِهِ، وتلامسُ أصابعي مع شفتيهِ.. كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ الأمرُ مثيراً هكذا؟’
لمْ تفارقْ مخيلتَها تلكَ النظرةُ الآسرةُ في عينيهِ؛ في تلكَ اللحظةِ، بدا ريك كثعلبٍ بتسعةِ ذيولٍ، ثعلبٍ يفتنُ البشرَ ويسلبُهم ألبابَهم.
‘عليَّ أنْ أستعيدَ رشدي.’
حاولتْ إيهيلي لملمةَ مشاعرِها المبعثرةِ، لكنَّ شعوراً طاغياً بالارتياحِ كانَ يغمرُ قلبَها؛ حقيقةُ أنَّ ريك لمْ يتخلَّ عنها، وأنهُ لا يزالُ يحملُ لها مشاعرَ.. جعلتها تشعرُ بالسعادةِ.
—
تلكَ العينانِ الحمراوانِ اللتانِ كانتا تتلونانِ بالإغراءِ أمامَ إيهيلي، استعادتا جفافَهما المعتادَ بمجردِ أنِ ابتعدتا عن أنظارِها.
أمسكَ ريدنبرغ بالغرابِ، أو بالأحرى هيروند، من رقبتهِ ورفعهُ عالياً ليتدلى في الهواءِ؛ وبسببِ نظراتِهِ التي كانتْ أبردَ من الجليدِ، ارتعبَ هيروند وبدأَ يتوسلُ:
“مولاي، أنا مخطئٌ!”
“في ماذا؟”
“ذ.. ذلكَ……”
أخروجهُ دونَ إذنٍ؟ أمْ مجيئُهُ سراً لرؤيةِ المرأةِ البشريةِ؟
كانتِ الأخطاءُ كثيرةً ولا تُحصى.
“في كُلِّ شيءٍ!”
“أنا أسألُكَ، ما هو خطؤُكَ تحديداً؟”
بالنسبةِ لـ هيروند، المهووسِ بالرواياتِ الرومانسيةِ، كانَ هذا الموقفُ مألوفاً بشكلٍ مريبٍ؛ فقدْ مرتْ بخاطرِهِ مشهدٌ من إحدى الرواياتِ:
[ “أنا آسفٌ.”
“في ماذا أنتَ آسفٌ؟”
“أوه، في كُلِّ شيءٍ.”
“أنا أسألُكَ، في ماذا أنتَ آسفٌ تحديداً؟” ]
كانَ حواراً دائرياً لا ينتهي، يشبهُ شجارَ العشاقِ المعتادِ؛ لكنَّ المشكلةَ هي أنَّ الطرفَ الذي ينطقُ بجملِ الصديقاتِ الغاضباتِ كانَ سيداً مرعباً جداً.
تصببَ هيروند عرقاً بارداً؛ وقبلَ أنْ يلتقطَ أنفاسَهُ، استمرَّ الاستجوابُ القاسي:
“يبدو أنَّ إيهيلي تحبُّكَ كثيراً.”
اضطربتِ العينانِ الحمراوانِ بحدةٍ؛ وبدا بريقُ الغيرةِ الجليِّ واضحاً في تلكَ النظراتِ التي كانتْ تلمعُ كالنصالِ.
تحركَ منقارُ هيروند بدافعِ غريزةِ البقاءِ:
“إ.. إنهُ سوءُ فَهْمٍ.”
“سوءُ فَهْمٍ؟ أتقولُ إنَّ عينيَّ قدْ خانتاني؟”
“آه، كلا، لـ.. لـيسَ كذلكَ! بـ.. بـلْ أنتَ محقٌ! يبدو أنَّ تلكَ البشريةَ تحبك حقاً!”
“بشريةٌ؟”
“آه، أعـ.. أعني الآنسةَ إيهيلي!”
“إيهيلي؟ يبدو أنكما صرتما مقربينِ لدرجةِ أنكَ تناديها باسمِها؟”
“آه.. كلا! ليسَ الأمرُ كذلكَ……!”
صرخَ هيروند في داخلهِ؛ وفي تلكَ اللحظةِ، أدركَ لِمَ يلجأُ البشرُ للحاكم حينَ يقتربونَ من الموتِ؛ فقدْ كانَ يتمنى التوسلَ لأيِّ حاكم لينقذَهُ.
لكنَّ هيروند لمْ يستطعِ التوسلَ لأيِّ حاكم.
“مولاي، أنا مخطئٌ. أرجوكَ، امنحني فرصةً أخرى للحياةِ.”
“أمنحكَ الحياةَ؟”
أمالَ ريدنبرغ رأسَهُ بتساؤلٍ: “هلْ أبدو لكَ كطاغيةٍ يقتلُ أتباعَهُ لأسبابٍ تافهةٍ كهذهِ؟”
شعرَ هيروند بأنهُ يُحاصرُ أكثرَ فأكثرَ؛ فهلْ من طريقةٍ لتغييرِ هذا الموضوعِ المرعبِ؟
وفجأةً، لمعتْ فكرةٌ في عقلِ الطائرِ الصغيرِ الذي كانَ يعملُ بأقصى طاقتِهِ للنجاةِ:
“مـ.. مولاي! لقدْ سمعتُ شيئاً غايةً في الأهميةِ من تلكَ البشريةِ.. أعني من تلكَ الآنسةِ!”
“آه، إذنْ وصلتمْ لدرجةِ من القربِ تجعلُها تخبركَ بأشياءَ مهمةٍ لا تخبرني بها؟”
“آه، كلا! ليسَ كذلكَ! بلْ كانَ الكلامُ عنكَ يا مولاي!”
وفجأةً، هدأَ وجهُ ريدنبرغ الذي كانَ يهاجمُ هيروند قبلَ قليلٍ؛ وحينَ تغيرَ الجوُّ المحيطُ بهِ في لمحةِ بصرٍ، أدركَ هيروند الحقيقةَ، فمهما كانَ عقلُهُ صغيراً، لمْ يكنْ ليخفى عليهِ الأمرُ:
‘مولاي واقعٌ في حبِّ تلكَ البشريةِ بصدقٍ.’
—
المترجمة:«Яєяє✨»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"