بينما كانت تسير بتلك الحالة من التشتت، وجدت نفسها فجأة أمام باب غرفتها. وفي تلك اللحظة، كانت سيندي تخرج من الغرفة.
“آه، آنستي. أين كنتِ؟ لقد انتظرتكِ طويلاً.”
“…ذهبتُ إلى الحمام لبرهة.”
فكرت إيفون حينها كم كان من حسن حظها أن الشمس قد غربت تماماً؛ فلو كان الوقت نهاراً، لُكشف مظهرها المبعثر والفوضوي.
“لقد عاد الدوق. قال أن عليكِ النزول إلى غرفة الطعام بمجرد أن تجهزي.”
“هل يمكنكِ النزول أولاً؟ سألحق بكِ حالاً.”
بعد أن نزلت سيندي، دخلت إيفون الغرفة وأغلقت الباب. وفي تلك اللحظة، ارتخى توترها وانهارت مكانها. كانت دقات قلبها المتسارعة تدوي في أذنيها بضجيج صاخب.
أخذت إيفون أنفاساً متلاحقة وهي تمسح شفتيها بظهر يدها. وكأنها تحاول مسح تلك الذكريات والمشاعر التي تصر على اللحاق بها.
***
“أعتذر عن تأخري.”
لم تنزل إيفون إلى غرفة الطعام إلا بعد أن فات وقت بدء الوجبة. كان هذا لتقليل الوقت الذي تضطر فيه لمواجهة سيدريك، ولو قليلاً.
لكن هذا الجهد ذهب سدى.
“الاعتناء بالجمال فضيلة للمرأة، لكن جعل الضيف ينتظر طويلاً ليس من الأدب أيضاً، يا إيفون.”
“لا بأس. فانتظار الآنسة هو أيضاً متعة للرجل النبيل.”
فقد كان لوغان وسيدريك ينتظرانها دون أن يبدآ الأكل بعد.
ابتلعت إيفون تنهيدة وهي تنظر إلى مائدة الطعام التي لا تزال فارغة. التفكير في الوجبة الطويلة التي ستلي جعلها تشعر بالغثيان.
بمجرد أن جلست إيفون، تم تقديم الطعام بسرعة.
في هذه الأثناء، تناول لوغان رشفة من فاتح الشهية وبدأ الحديث.
“على أي حال، ما نوع العمل الذي ترغب في مناقشته؟”
عندئذ تحولت نظرة سيدريك إلى إيفون الجالسة قبالته.
“لقد أفرغت جدول أعمالي المسائي، لذا يمكننا التحدث ببطء. أفترض أن الآنسة قد تجد القصة مملة بعض الشيء للاستماع إليها.”
بدا الرجل الذي التقت عيناها بعينيه طبيعياً تماماً؛ وكأن ما حدث قبل قليل لم يكن له وجود.
جاشت مشاعرها ثم هدأت عند رؤية مظهره الهادئ تماماً الذي لا تشوبه شائبة.
لكن، ربما كان هذا أفضل. فإذا كان يتصرف وكأن شيئاً لم يكن، فستتمكن هي أيضاً من عدم الاكتراث بوجوده.
“أنا بخير، لذا تحدثا براحتكما.”
إيفون، التي ردت وهي تحاول جاهدة أن تبدو هادئة وتنظر إلى سيدريك، خفضت بصرها على الفور إلى المائدة. شعرت بنظرة سيدريك عليها، لكنها سُحبت بسرعة.
“أبدى رجال أعمال من دوقية بارما، الذين حضروا هذا المعرض، اهتماماً بقطران خشب البتولا الذي ينمو في أراضي الدوقية. كما تعلم، إنها مادة لا غنى عنها لصناعة بناء السفن.”
“هل تقترح بيع القطران لهم؟”
“إذا نظر سيادتكم للأمر بإيجابية، فأنا أعتزم بدء مناقشات جادة مع رجال أعمال بارما.”
كان لوغان لا يستسيغ سيدريك؛ بحجة أن عامياً يجرؤ على تهديد سلطة النبلاء.
لكن لوغان هذا كان يترنح أمام عرض سيدريك. لقد وجد سيدريك بدقة الطُعم الذي لا يمكن للدوق رفضه. لقد كانت رؤية ثاقبة تليق برجل أعمال محترف.
بدأت إيفون بتناول طعامها وهي تتجاهل حديثهما.
كانت تشعر أن غصّة في حلقها تمنعها من ابتلاع أي شيء كلما لامستها نظرات سيدريك بين الحين والآخر، لكنها، ولهذا السبب تحديداً، استمرت في دفع الطعام إلى فمها بدافع العادة.
باذلة قصارى جهدها لئلا تظهر تأثرها بنظراته.
“دوقية بارما، إذن… يبدو بالتأكيد أنه عمل تنافسي. سمعت أنهم يجدون صعوبة في الحصول على القطران لأن أشجار البتولا أو الصنوبر لا تنمو في بارما.”
في تلك اللحظة التي كان فيها لوغان غارقاً في التفكير، لمس شيء ما قدم إيفون بخفة. توقفت إيفون عن استخدام الشوكة عندما شعرت بذلك.
ثم اصطدم شيء ما بخفة مرة أخرى بظهر قدمها. وكأنما ليثبت أن ما شعرت به للتو لم يكن وهماً.
عندئذ فقط أدركت إيفون ما هو. الشيء الذي لمس قدمها كان حذاء سيدريك.
ولم يكن الأمر مجرد صدقة.
فبالنظر إلى عرض المائدة، كان من المستحيل أن يلمسها بالخطأ؛ ما لم يمد قدمه عمداً.
وخاصة هذا الرجل الذي يتصرف بنبل أكثر من النبلاء الذين يشددون على الآداب.
عندما رفعت إيفون، التي تجمدت للحظة، نظرها، التقت عيناها بسيدريك الذي كان ينظر إليها مباشرة.
كانت عيناه العميقتا السواد تضطربان بهدوء. تماماً كما كان حاله حين تلامست أجسادهما. وكما كان حين قبّلها.
كانت تلك العينان تخبرانها بشيء واحد.
أن ما حدث بيننا لا يمكن اعتباره كأنه لم يكن.
أشاحت إيفون بنظرها عنه وخفضت عينيها وهي تسحب ساقيها نحوها. لكي لا تلمسه.
…شعرت بغثيان في معدتها.
“يبدو أن لديكما الكثير لتتحدثا بشأنه، لذا سأستأذن أولاً. أتمنى أن تكون مأدبة اليوم قد نالت إعجابك، سير سيدريك.”
بمجرد أن أنهت إيفون طعامها، صعدت إلى غرفتها تزامناً مع الوقت الذي شارف فيه الرجلان على الانتهاء.
لكن ما إن وصلت إلى الغرفة، حتى اضطرت لإخراج كل ما أكلته. لدرجة أن الدموع تجمعت في عينيها من شدة الألم.
ومع ذلك، لم تشعر بالراحة حتى بعد أن أفرغت معدتها. وكأنها ابتلعت شيئاً ما كان عليها أن تبتلعه أبداً.
***
“هل ستتوقفين عن الأكل بالفعل؟”
سألت سيندي التي كانت تراقب وجبة إيفون من جانبها. كانت نبرتها توحي وكأن كارثة ستحل إذا تركت الطعام هكذا.
“آسفة. ربما بسبب حرارة الجو، لا أشعر برغبة في الأكل.”
رسمت إيفون ابتسامة اعتذار لسيندي التي كانت تنظر إليها بعينين مليئتين بالقلق.
في الظروف العادية، كانت ستتظاهر بالأكل أكثر لمجرد أنها تشعر بالأسف تجاه سيندي، لكنها لم تعد قادرة على فعل ذلك مؤخراً.
والسبب هو حالة عسر الهضم التي أصابتها منذ مأدبة العشاء تلك ولم تتحسن أبداً.
بل بدا الأمر وكأنه يزداد سوءاً، رغم أنها كانت تكتفي بوجبات بسيطة عمداً منذ ذلك اليوم.
“ليس عليكِ الاعتذار لي. أنا فقط قلقة عليكِ، آنستي.”
في النهاية، تراجعت سيندي اليوم أيضاً.
ومنذ أن استفرغت إيفون الدواء الذي أرسلته كاثرين قبل بضعة أيام، لم تعد سيندي تجبرها على تناول أي دواء؛ بحجة أن حتى الدواء قد يصبح سماً إذا أُخذ بالقوة.
كانت هذه هي الفائدة الوحيدة من عدم تحسن حالتها.
“إذن، هل أساعدكِ بالإستعداد يا آنستي؟”
“نعم، من فضلكِ.”
أجلست سيندي إيفون أمام طاولة الزينة وبدأت بتصفيف شعرها.
اليوم هو يوم سباق الخيل في المضمار القريب من موقع المعرض.
ورغم أن سباقات الخيل رياضة شائعة، إلا أن سباق اليوم كان مميزاً.
فقد كان حدثاً اجتماعياً يجمع الشخصيات البارزة من مختلف الدول المشاركة في المعرض العالمي، بما في ذلك الملك روبرت الخامس.
بمعنى آخر، كان مكاناً يجتمع فيه كل نبلاء هيرينغتون. وبالطبع، سيحضر سيدريك ذلك التجمع أيضاً.
‘لكن.. من المرجح أن يكون ذلك الرجل بجانب جلالة الملك….’
لذا، لن تصادفه على الأرجح. كانت هذه الحقيقة هي الأمل الوحيد الذي يجعلها تتحمل هذا الحدث الاجتماعي الممل والمكتظ.
عندها فقط، شعرت إيفون ببعض الراحة ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة.
وبعد أن انتهت سيندي من تصفيف الشعر، بدأت في شد الكورسيه. وبالرغم من أنها شدته كالمعتاد، إلا أن إيفون شعرت بضيق واختناق غير طبيعي اليوم.
***
عند وصولها إلى مضمار سباق الخيل، تجمدت تعابير وجه إيفون.
كان مقعد سيدريك خلف مقعد ديريك. وتم ترتيب مقعدها بجوار مقعد ديريك، كما حدث في حفل الافتتاح.
وهذا يعني أن توقعات إيفون قد كانت خاطئة. تماماً وبشكل كامل.
“نلتقي مجدداً، ليدي إيفون.”
كان سيدريك هو من بادر بالتحية أولاً.
أومأت إيفون برأسها رداً على تحيته، رغم أنها لم تستطع إجبار نفسها على التصنع والابتسام بهدوء.
بعد ذلك، تظاهر ديريك بالاهتمام وسألها.
“هذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها منذ المعرض يا إيفون. هل تحسنت صحتكِ؟”
“نعم بفضل قلقك.”
جلست إيفون في المقعد المجاور لديريك. ورغم أن عينيها كانت تنظران إليه، إلا أن كامل تركيزها كان منصباً على ما خلف ظهرها. ولأنها لم تكن تراه، كان توترها يزداد حدة.
“لماذا غادرتِ أولاً في ذلك اليوم؟ لقد قلقتُ عليكِ كثيراً.”
عندما ذكر ديريك “ذلك اليوم”، سقط قلب إيفون. كان ذلك لأن ذكرى ما حدث في ذلك اليوم عادت إلى ذهنها بشكل طبيعي.
الشيء الذي لا يجب أن يكتشفه أي شخص.
نظرت إيفون بطرف عينها إلى لوغان.
ولحسن الحظ، بدا أنه لم يسمع كلام ديريك لأنه كان مشغولاً بتبادل التحية مع النبيل الجالس بجانبه.
“…ذهبتُ للبحث عن عربة. شعرتُ بالذنب لترك الأمر كله عليك والانتظار فحسب. لو كنت أعلم أننا سنتفارق هكذا، لانتظرتك.”
اختلقت إيفون كذبة معقولة. وبالطبع، كانت كذبة لا تنطلي عليها هي ولا على الشخص الذي يسمعها.
لكن ديريك اكتفى بالنظر إليها مطولاً لبرهة، ولم يتخذ من كذبتها ذريعة للجدال.
“بالفعل. كان ذلك ليكون أفضل. لو فعلتِ، لما عانيتِ من نزلة البرد تلك لفترة طويلة.”
لم ترتح إيفون لطريقة ديريك في الحديث وكأن كل شيء قد حُلّ، متجاهلاً المشكلة التي لم تُسوَ في ذلك اليوم، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر سوى مسايرته؛ فلا يمكنها ذكر ما حدث أمام الجميع.
ومن المؤكد أن هذا هو السبب نفسه الذي جعل ديريك لا يعلق على كذبتها.
ولكن في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة ساخرة خافتة من خلف ظهرها. اتجهت أنظار إيفون وديريك في آن واحد نحو سيدريك.
التعليقات لهذا الفصل " 37"
يع السيدريك ذا مقرف