لم يكن هذا الخبر مفاجئاً تماماً، فآخر مكان شوهدت فيه ميلينا وود كان المستشفى الملكي. بل يمكن القول إنه كان خبراً متوقعاً.
ومع ذلك، لم يكن وقع الخبر عليه ساراً أبداً، وربما يرجع ذلك إلى رؤيته لتلك المرأة وهي تضحك بإشراق في هذه اللحظة بالذات.
“أحسنت صنعاً. يمكنك الانصراف.”
أرسل سيدريك بلين ثم اقترب من أديل، التي كانت تلوح بيدها للطفلة المغادرة.
لقد ماتت ميلينا وود.
بهذا، اختفى السبب الذي يدفع هذه المرأة للتظاهر بأنها إيفون لوروا. لم يعد هناك داعٍ لزواجها من ديريك، وبالطبع، لم يعد هناك سبب لبقائها في لوسيرن.
ماذا سيفعل الآن؟
بإمكانه مساعدتها على الهرب الآن، أو إخفاء خبر وفاة والدتها والانتظار حتى تتزوج من ديريك ثم يفجر الحقيقة في وجه الجميع.
هل كان تردده في اختيار إجابة واضحة كهذه نابعاً من شعور غريب بالذنب لا يليق به، أم أنه بسبب………..
توقف سيدريك عن السير.
بدا ظهر أديل، التي تُركت وحيدة وسط الزحام فجأة، باهتاً وضئيلاً، وكأنها ستختفي لو رمش بعينه للحظة.
وبينما كان واقفاً مكانه لا يقوى على إبعاد نظره عنها، التفتت هي نحوه لتلتقي أعينهما.
كانت عيناها تبكيان رغم خلوهما من الدموع.
تماماً كطفلة ضلت طريقها ولا تدري ماذا تفعل.
***
كان صوت المطر الذي يقرع نوافذ العربة هائجاً. المطر الذي ظنت أنه سيتوقف قريباً، استمر في الهطول لعدة ساعات.
حوّلت أديل بصرها عن النافذة لتنظر إلى سيدريك الجالس قبالتها.
“لنذهب إلى مكان آخر.”
هذا الرجل الذي ألقى سترته فوق كتفيها، اقترح فجأة مغادرة المكان. وبما أن أديل كانت ترتجف من برودة ثيابها المبللة، فقد انصاعت لاقتراحه وصعدت إلى العربة دون اعتراض.
منذ صعودهما، ظل سيدريك صامتاً يراقب ما خلف النافذة طوال الوقت.
التزمت أديل الصمت بدورها لأنها لم ترغب في إزعاج تفكيره، لكنها في النهاية فتحت فمها بحذر لتسأل.
“ولكن، إلى أين نحن ذاهبون الآن؟”
حينها فقط، استدارت نظرات سيدريك نحوها.
“سؤالكِ جاء متأخراً. ماذا لو كنتُ أنوي لكِ شراً؟”
بدا انطباعه أكثر حدة من المعتاد، وربما كان ذلك بسبب شعره الذي تبعثر قليلاً وهو يخلع القناع.
مما لا شك فيه أنه كان رجلاً خطيراً. كان هذا رأيها عنه منذ لقائهما الأول في محطة القطار، ولم يتغير هذا الرأي حتى في هذه اللحظة.
ومع ذلك، لم يكن يخيفها حقًا. على الأقل ليس الآن.
“أنت لست شخصاً من هذا النوع يا سير سيدريك.”
“حتى أولئك الأشخاص الذي من ذاك النوع يتظاهرون بأنهم طيبون في البداية، بينما ينتظرون اللحظة الحاسمة.”
“لكن أمثال هؤلاء لن يخبروني بهذا الأمر، أليس كذلك؟”
باغته ردها غير المتوقع مما جعله يتردد للحظة، قبل أن يطلق ضحكة خفيفة كمن يعلن استسلامه.
كانت تلك المرأة تنظر مباشرة في عينيه دون أدنى ارتعاش وتقول بجرأة إنها تثق به. رغم أنها صغيرة جداً لدرجة أنها كادت تغرق داخل سترته.
بدا وكأنها ساذجة تماماً، ومع ذلك كان فيها جانب جريء للغاية.
لكن، وبصرف النظر عن كون تصرفها هذا لطيفاً، إلا أن سذاجتها تلك لم ترُق له.
“عليكِ أن تتعلمي الشك في الناس أكثر مستقبلاً. ومن الأفضل ألا تثقي بأحد منذ البداية.”
ورغم نصيحته تلك، ظلت عيناها صافيتين كعادتهما. حدق سيدريك في عينيها لبرهة قبل أن يضيف متأخراً.
“سنتوجه إلى الفندق. لتدفئي جسدكِ أولاً، ولأن هناك أمراً عليّ مناقشته معكِ.”
اخترقت العربة المطر الذي ازداد غزارة حتى توقفت أخيراً.
همّت أديل بالنزول خلف سيدريك الذي ترجل أولاً، لكنها ما إن رأت مبنى الفندق حتى أعادت ارتداء قناعها على عجلة.
راقبها سيدريك بصمت، وانتظرها حتى تنتهي دون أن ينبس ببنت شفة.
بعد لحظات، ترجلت أديل وهي ترتدي قناعها، مستندة إلى يده التي قدمها لمرافقتها.
كانت تخشى أن يكون المكان مزدحماً نظراً لقرب الفندق من موقع المعرض وبسبب سوء الجو، لكن لحسن الحظ، توقفت العربة عند الباب الخلفي للفندق.
“أهلاً بك يا سيدي.”
فور دخولهما، اقترب منهما المدير الذي ميز سيدريك على الفور.
تحدث المدير مع سيدريك دون أن يلقي ولو نظرة واحدة على أديل، رغم أنه من المستحيل ألا يكون قد لاحظ وجودها خلفه. لم يكن تصرفه هذا قلة ذوق، بل كان نوعاً من “التجاهل المهذب” المعتاد في مثل هذه الأماكن.
هل سبق لهذا الرجل المتغطرس أن أتى إلى هنا مع امرأة أخرى؟
خطرت لأديل هذه الفكرة فجأة، لكنها سرعان ما طردتها من رأسها.
لقد كان فضولاً بلا معنى، وعلاوة على ذلك، لم يكن الأمر يعنيها على الإطلاق.
بعد أن أنهى المدير حديثه مع سيدريك، ذهب لبرهة ثم عاد حاملاً مفتاحاً سلمه له. استلم سيدريك المفتاح وأومأ برأسه لـ أديل لتتبعه.
تبعت أديل سيدريك داخل المصعد، وما إن بدأ يتحرك حتى اتسعت عيناها بذهول.
“آه!”
تسبب الاهتزاز تحت قدميها في جعلها تمسك بكمّ قميص سيدريك دون وعي؛ فقد كان خوفاً غريزياً من تقنية لم تشهدها في حياتها من قبل.
شعر سيدريك بحركتها فالتفت نحوها، لتلتقي أعينهما في تلك اللحظة.
“آه….أنا آسفة.”
وعندما حاولت أديل سحب يدها بأسف وخجل، هبط صوت سيدريك فوق رأسها.
“هل هذه مرتكِ الأولى؟”
ربما كان ضيق المصعد هو السبب في جعل صوته يبدو أكثر انخفاضاً وعمقاً من المعتاد.
“يمكنكِ الإمساك بي إن كنتِ خائفة.”
أعاد سيدريك نظره إلى الأمام وكأن الأمر لا يهمه، لكن أديل لم تمسك بكمّه مجدداً؛ فقد شعرت بأن خوفها من أمر كهذا مثير للسخرية.
إلا أنها ظلت تسترق النظر له من جانب عينيها. وفجأة، تبادرت إلى ذهنها الكلمات التي قالها في العربة.
‘الأمر الذي يريد مناقشته.. هل يتعلق بأمي يا ترى؟’
لم يكن هناك أي موضوع ملحّ يستدعي النقاش بينهما سوى هذا. وبمجرد تفكيرها في ذلك، بدأ قلبها يخفق بمزيج من القلق والتطلع.
سرعان ما توقف المصعد.
تبعت أديل سيدريك إلى داخل الجناح. كانت غرفة فاخرة وفسيحة تضاهي غرفة إيفون التي تقيم فيها حالياً، لدرجة أنها شعرت بأنها فخمة أكثر من اللازم لمجرد إقامة قصيرة لن تدوم حتى يوماً واحداً.
جلست أديل على أريكة غرفة الاستقبال وخلعت قناعها.
وبينما كانت تراقب سيدريك وهو يشعل النار في المدفأة، فتحت فمها بحذر لتسأل.
“هل الأمر الذي قلت إنك تود مناقشته معي.. يتعلق بأمي؟”
تأكد سيدريك من اشتعال النار في المدفأة بنجاح، ثم التفت نحو أديل. كان بريق الترقب والقلق يتلألأ بوضوح في عينيها.
“أجل، يتعلق الأمر بوالدتكِ.”
“هل.. هل وجدتها……..؟”
كان صوتها يرتجف، وكذلك عيناها الخضراوان اللتان كانتا ترقبانه.
الآن، حان وقت القرار.
إما أن يساعد هذه المرأة البريئة والمسكينة على الهرب، أو يستخدمها كأداة للإطاحة بـ ديريك.
أياً كان الخيار، لم يكن هناك ما يجعله يندم على أي منهما.
…هكذا كان يظن، بالتأكيد.
حتى رأى عينيها اللتين احمرّتا وكأنهما على وشك الانفجار بالبكاء.
وحتى خطرت بباله طريقة أخرى لاستغلالها.
“…لا، ليس بعد.”
خرجت الكلمات التالية من بين شفتيه بسلاسة تامة.
“قيل إن آخر مرة شوهدت فيها كانت في محطة سورينتو. يبدو أننا سنحتاج إلى المزيد من الوقت.”
“آه…”
“أخبرتكِ لأنني ظننت أنكِ تنتظرين أي خبر.”
قالها وكأنها الحقيقة تماماً، بلا أدنى أثر للكذب.
انطفأت المشاعر التي كانت تملأ عيني المرأة في لحظة واحدة. خفضت أديل بصرها وظلت صامتة لبرهة قبل أن تفتح فمها.
“أشكرك على اهتمامك رغم انشغالك بأعمال المعرض.”
قالت ذلك وهي لا تزال عاجزة عن إخفاء عينيها اللتين لا تزالان مبللتين.
نظر سيدريك إلى أديل بصمت لبرهة، ثم نطق بكلمة واحدة.
“اخلعيه.”
وعندما تجمدت أديل في مكانها بسبب كلماته المفاجئة إلى أن أضاف.
“سترتي. ألا تعتقدين أن ثيابك ستجف أسرع هكذا؟”
آه.
أدركت أديل حينها فقط أنها لا تزال ترتدي سترته. وبينما كانت تخلعها، مدّ سيدريك يده بمنشفة كان قد أحضرها.
“شكراً لـ—”
في اللحظة التي أخذت فيها أديل المنشفة، جلس سيدريك على الطاولة المقابلة لها مباشرة.
كانت المسافة بينهما قريبة جداً لدرجة أن ركبتيهما تلامستا.
نظرت إليه أديل بعينين متسعتين من المفاجأة، والتقت نظراتهما. كان هناك ظلال من العتمة تخيّم على عينيه الزرقاوين اللتين ترقبانها.
تماماً كأعماق البحار.
“هل تثقين بي؟”
رمشت أديل بعينيها بذهول.
لم تستطع فهم قصده من وراء هذا السؤال المفاجئ. شعرت بالارتباك وفي الوقت نفسه كانت واعية تماماً لكل تفصيلة؛ بساقه التي تلامس ساقها، وبجسده الصلب الذي تشعر به حتى من وراء القماش.
لكنها لم تستطع إبعاد ساقها، شعرت وكأنه لا ينبغي لها فعل ذلك.
نظرت في عينيه الزرقاوين الهادئتين اللتين تنتظران الإجابة، ثم أومأت برأسها ببطء.
لقد وثقت به. بل كان عليها أن تثق به.
فهو الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقتها وأنها أديل، كما أنه هو الذي مدّ لها يد العون ووعدها بالعثور على والدتها.
عندها، انطلقت ضحكة خافتة من بين شفتيه.
“…كان من الأفضل ألا تثقي بي.”
بحلول الوقت الذي أدركت فيه أن عينيه لا تضحكان، كانت المسافة بينهما قد تلاشت تماماً. لدرجة أن أنفاسهما اختلطت.
التعليقات لهذا الفصل " 33"