دُهشت إيفون بشدة فور دخولها الجناح الداخلي للاحتماء من المطر.
فالجناح الذي بُني على مقربة من البحر، صُممت واجهته بالكامل من الزجاج جهة المياه، مما جعل المشهد ينعكس بوضوح في الداخل.
لكن كان هناك شيء آخر أثار دهشة إيفون أكثر من ذلك.
‘سفينة…؟’
أمام الجدار الزجاجي الذي يعكس مشهد البحر، كانت هناك سفينة ضخمة.
وبدا الأمر وكأن السفينة تطفو حقاً فوق سطح البحر.
كان هذا مشهداً تراه إيفون، التي عاشت طوال حياتها في مدن بعيدة عن السواحل، لأول مرة.
وبينما كانت تتأمل المنظر بذهول، لاحظت ميزة أخرى غريبة في هذا الجناح.
كان معظم الناس داخل الجناح يرتدون أقنعة متنوعة الأشكال والألوان، وخاصة الأطفال، حيث كان كل واحد منهم يرتدي قناعاً بالتأكيد.
أما الثريات الضخمة المعلقة في شتى أنحاء سقف الجناح، فكانت تتلألأ ببريق ساحر، مما جعل الأجواء في الداخل تبدو خيالية وحالمة.
كانت الأجواء تشبه حفلة تنكرية، لكنها كانت أكثر حيوية وبهجة بوجود الأطفال.
وربما بسبب هطول المطر، كان هناك عدد من الناس داخل المعرض أكثر مما توقعت. لذا فكرت في أنها لو اختلطت وسط هذا الحشد، فلن يتمكن ديريك من العثور عليها بسهولة.
‘يمكنني اغتنام هذه الفرصة لزيارة مكتب التحريات ثم العودة إلى المنزل.’
أما بالنسبة لديريك، فستتذرع بأنها تاهت عنه فجأة وسط زحام المعرض.
وفجأة، أدركت أمراً.
لقد أصبحت حرة أخيراً بعد وقت طويل جداً.
لا أحد هنا يعرفها، ولا أحد يراقبها. لذا، لم تكن مضطرة لبذل جهد لتكون “إيفون لوروا”.
إنه الوقت الذي يمكنها فيه أن تكون “أديل وود” بالكامل.
خفق قلبها بشدة عند إدراك تلك الحقيقة.
‘حسنًا إنها تمطر الأن على أي حال.’
لذا، ألن يكون من المقبول أن تستكشف المكان لفترة أطول قليلاً؟
فقط حتى يتوقف هذا المطر.
بررت “أديل” فضولها وخطت بحذر وسط الحشود الكبيرة. ورغم أن فستانها المبلل بالمطر كان يلتصق بها بثقل، إلا أن خطواتها كانت خفيفة.
وعندما توغلت أكثر وسط الحشد، ظهرت منطقة تتجمع فيها الأكشاك.
كانت هناك أكشاك تبيع وجبات خفيفة لم ترهَا من قبل، وأخرى تبيع تلك الأقنعة التي رأتها منذ دخولها الجناح لأول مرة.
توقفت أديل فجأة وهي تحاول المرور من أمام ذلك الكشك دون اكتراث.
كان الجميع من حولها يرتدون أقنعة متنوعة الأشكال والألوان.
وعندما رأتهم، شعرت وكأن عليها هي أيضاً أن ترتدي قناعاً لتتمكن من الاختلاط بينهم. أو ربما كان هذا مجرد عذر آخر لتبرير حماسها المفاجئ.
‘الجميع يرتدون أقنعة، إذا كنتُ الوحيدة التي لا ترتدي واحداً، فقد يعثر عليّ ديريك غلاستون بسرعة.’
أجل، لهذا سأرتدي واحدًا.. لأختبئ فحسب.
ومع ذلك، لم تستطع إخفاء تلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها وهي تختار القناع.
“ما رأيكِ بهذا القناع؟ إنه يحظى بشعبية كبيرة بين الآنسات.”
اقترب الموظف الذي كان يراقب أديل وهي تتفحص الأقنعة المعروضة بتعابير جادة للغاية، وقدم لها اقتراحاً.
كان قناعاً على شكل فراشة مزيناً بريش ناعم.
بدا جميلاً وفاخراً، كما أن تصميمه الذي يترك الجزء السفلي من الوجه مكشوفاً سيجعل من السهل تناول الطعام أثناء ارتدائه.
أمسكت أديل بالقناع ثم فتحت فمها.
“سآخذ هذا.”
لكن المشكلة حدثت في تلك اللحظة.
‘آه.. المال…’
لم يكن معها أي مال.
فالآنسات النبيلات لا يحملن المال عادة؛ إذ تتولى الخادمات المرافقات لهن مهمة دفع المال، وفي حال الخروج مع رجل، فيتكفل هو بالدفع.
لقد وجدت نفسها مقيدة بمكانتها كـ إيفون.
وفي اللحظة التي كانت فيها أديل تبتلع خيبة أملها وتهمّ بإعادة القناع إلى مكانه.
“احسب ثمن هذا من فضلك.”
هبط صوت رجل هادىء من فوق رأسها، وبرزت يد كبيرة فجأة من جانبها.
أدركت أديل مقصده فأغلقت فمها بسرعة. ولحسن الحظ، يبدو أن الموظف لم يسمع اسمه.
استلمت أديل الباقي من الموظف، ثم لحقت بـ سيدريك الذي استدار وانصرف أولاً.
“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
رداً على سؤالها، عقد سيدريك حاجبيه بمداعبة قبل أن يجيب.
“عندما تسأل آنسة تزور مقر عملي سؤالاً كهذا، لا أدري حقاً بماذا أجيب.”
عندها فقط أدركت أديل أن هذا المكان هو جناح شركة ويندفيلد، واتسعت عيناها بدهشة.
“إذاً، هل كنت أنت صاحب فكرة عرض السفينة أمام ذلك المشهد؟”
“إنها نتيجة منح راتب ضخم لموظف بارع.”
ثم جاء الدور على سيدريك ليطرح سؤاله.
“وماذا عنكِ يا آنستي، لِمَ أنتِ هنا؟”
“آه……..”
أطبقت أديل شفتيها بصمت. استعادت ذكرياتها مع ديريك التي كانت تحاول نسيانها، لكنها لم ترغب في فتح ذلك الموضوع أبداً، خاصة أمام هذا الرجل.
وبينما كانت تتردد في الإجابة، سُحب القناع من يدها فجأة.
رفعت أديل رأسها بذهول لتلتقي عيناها بعيني سيدريك، وفي تلك اللحظة، لامست أصابعه الطويلة خلف أذنها.
توقفت أنفاس أديل دون وعي منها جراء ذلك التلامس الخاطف. وما إن رمشت بعينيها حتى وجدت القناع قد وُضع على وجهها بالفعل.
“اتبعيني، سأرشدكِ في جولة.”
تقدم سيدريك بخطوات واسعة، وبعد أن عبثت أديل بالقناع قليلاً، لحقت به على الفور، وسرعان ما تلاشت المسافة بينهما في بضع خطوات.
كان المكان الذي اصطحب سيدريك أديل إليه هو أمام تلك السفينة العملاقة. كان هناك مدخل أسفل السفينة يسمح للزوار بالدخول والخروج منها.
وقف سيدريك أمام المدخل وبسط يده يطلب مرافقة أديل.
“المفهوم هنا هو حفلة تنكرية على متن سفينة.”
فهمت أديل الآن سبب بيع الأقنعة في كل مكان بالجناح، وسبب تعليق الثريات الفاخرة في السقف.
أومأت برأسها ووضعت يدها فوق يده. أطلق سيدريك ضحكة خفيفة وهو يرى كيف اندمجت أديل في الأجواء بسرعة فائقة.
وعند صعودهما الدرج أسفل السفينة، ظهر سطحها الواسع الممتد، ومن خلفه برز مشهد البحر الشاسع.
ورغم أن الطقس الملبد بالغيوم حجب منظر الغروب، إلا أن أديل، التي لم يسبق لها ركوب سفينة، سُحر بصرها على الفور بالأفق البعيد.
وبينما كانت تتأمل البحر اللامتناهي بذهول، وُضع كأس في يدها؛ كأس يحتوي على سائل برتقالي اللون.
“اشربي.”
“هل هذا خمر؟”
“آه، لا تقلقي، شربُ هذا لن يجعلكِ تقفزين من فوق سطح السفينة.”
احمرّ وجه أديل خجلاً بعد أن نبش فجأة في ذكرى كانت تتمنى نسيانها للأبد، فانفجر سيدريك ضاحكاً من رد فعلها.
تماماً كما حدث في تلك الليلة.
لم تجد أديل ما تردّ به، فأطبقت شفتيها وبدأت تشرب السائل الموجود في الكأس. كان عبارة عن عصير برتقال غني بالنكهة، وبسبب حلاوته، غلبتها ابتسامة لا إرادية.
في النهاية، لم تملك أديل إلا أن تضحك معه؛ فقد كان صوت ضحكته مريحاً للسمع.
سألها سيدريك وهو يراقبها وهي تضحك.
“هل سبق لكِ ركوب سفينة من قبل؟”
“لا، هذه هي المرة الأولى.”
“وهل تعتبرين هذه سفينة حقاً؟”
“بما أنها تبدو كسفينة، فستظل كذلك بالنسبة لي حتى يحين وقت ركوبي لسفينة حقيقية.”
كانت إجابة أديل واثقة، وبريئة في آن واحد. بدت في تلك اللحظة وكأنها فتاة ريفية لا تشوبها شائبة.
وبينما كانت ترتشف عصير البرتقال وعيناها لا تفارقان مشهد البحر، التفتت فجأة نحو سيدريك وكأنها تذكرت شيئاً.
“لا بد أن ركوب سفينة حقيقية سيكون أروع بكثير من هذا، أليس كذلك؟”
كانت عيناها تلمعان كما لو كانت تتأمل زهوراً جميلة. نظر سيدريك في عينيها وأجابها بكل ثقة.
“أؤكد لكِ ذلك.”
“عندما أجد أمي، أريد أن نركب السفينة معاً. وبما أن عليّ الرحيل بعيداً على أي حال، أعتقد أنه سيكون من الجيد ركوب سفينة والذهاب إلى بلد بعيد وراء البحار.”
بدت أديل وهي تتحدث عن العثور على والدتها كطفلة صغيرة تائهة.
هذا ما جعلها تبدو امرأة تثير القلق في النفس، وهشة كأنها قد تتلاشى في أي لحظة.
شدّ سيدريك قبضته على الكأس الذي بيده بقوة طفيفة.
“سير سيدريك، لماذا اخترت البحر؟”
نظر إليها سيدريك متسائلاً عما تقصده، فأكملت.
“لديك العديد من المشاريع التجارية الأخرى، أليس كذلك؟ لكنني فضولية لمعرفة لماذا اخترت الأعمال المتعلقة بالبحر من بين كل تلك المشاريع.”
“لأن عبور البحر يتيح لي اكتساح وجمع الأموال حتى من وراء البحار؟”
قطبت أديل حاجبيها الجميلين بسبب رده الجاف، لكنها سرعان ما انفجرت ضاحكة.
“هذا سبب يشبهك تماماً.”
“يبدو أن لديكِ موهبة في توجيه الإهانات بابتسامة، يا آنستي.”
“لم.. لم يكن هذا قصدي.”
أخذ سيدريك الكأس الفارغ من يد أديل وكأن الأمر لا يعنيه، ووضعه على صينية أحد الموظفين المارين.
ثم نزل الاثنان من سطح السفينة لتجنب الحشود المتدفقة.
“أمي، السفينة! لنركب السفينة!”
في تلك اللحظة، اصطدمت بها طفلة كانت تدخل السفينة مسرعة، مما تسبب في تلطخ فستان أديل بالمثلجات التي كانت بيد الطفلة.
أسرعت المرأة التي كانت تتبع الطفلة، والتي يبدو أنها والدتها، بالانحناء وهي في غاية الذعر.
“يا إلهي! أنا.. أنا في غاية الأسف. يا لِلمصيبة، لقد اتسخ فستانكِ، ماذا سنفعل…”
بدأت الأم تمسح فستان أديل بمنديلها وهي مرتبكة للغاية، بينما نظرت الطفلة إلى أديل بخوف، وكأنها أدركت للتو أنها ارتكبت خطأً كبيراً.
وعندما رأت أديل عيني الطفلة، التي كانت تلمع بالحماس قبل قليل، قد امتلأت بالرعب الآن، ابتسمت لها برقة.
“لا بأس، الأمر لا يظهر بوضوح.”
بينما كان سيدريك يراقب ذلك المشهد، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف.
“سيدي!”
عقد سيدريك حاجبيه حين رأى بلين يقترب منه؛ فمن تعابير وجهه المستعجلة، بدا أن هناك أمراً طارئاً للغاية.
ابتعد سيدريك عن أديل قليلاً ليتحدث معه.
اقترب بلين وهمس بصوت منخفض جداً بالخبر.
“بخصوص ميلينا وود التي كنت تبحث عنها.”
كانت نظرات سيدريك تتجه نحو أديل وهي تتبادل الحديث مع الطفلة.
وكأنه يدرك مَن كانت تتخيل أديل في تلك اللحظة؛ بينما كانت تضع العملات في يد الطفلة لتشتري مثلجات جديدة.
ثم أكمل بلين تقريره.
“لقد قيل إنها توفيت قبل بضعة أيام بسبب مرض مزمن.”
يتبع^^
ترجمة نينا @justninaae
***ملاحظة: السفينة معروضة داخل جناح ويندفيلد في المعرض. ووُضعت خلف واجهة زجاجية عملاقة تطل على البحر، مما يعطي خداع بصري للزوار وكأنها تطفو على الماء، لكنها في الحقيقة ثابتة على الأرض داخل المبنى لأغراض العرض.
التعليقات لهذا الفصل " 32"