انخفضت أصوات النبلاء بسرعة، لكن نظرات الاستياء والتذمر تجاه سيدريك لم يمكن إخفاؤها.
لكن مظهر سيدريك وهو يؤدي واجبه بجانب الملك لم يكن غريباً على الإطلاق مقارنة بأي نبيل آخر.
فكل نظرة وكل حركة كانت تنم عن رقي شخص تعلم أداب اللباقة، لدرجة أن من لا يعرفه لن يجرؤ على الشك في أنه عامي.
وسط الأجواء الصاخبة والهتافات، صعد الملك روبرت الخامس إلى المنصة.
وبدأ خطاب الافتتاح.
بدأت الكلمة الافتتاحية بالحديث عن نهاية عصر الحرب والمنافسة وبداية عصر السلام والتعاون، واختتمت بتشجيع التبادل الناجح بين الدول، والإشادة بجهود سيدريك في التحضير للمعرض.
توالت التصفيقات والهتافات على الملك وسيدريك.
الجميع، حتى النبلاء الذين كانوا يستهينون به، لم يسعهم إلا أن يدركوا غريزياً في تلك اللحظة.
أن بطل العصر الجديد القادم هو ذلك الرجل، سيدريك غلاستون.
إيفون أيضاً شعرت بذلك.
لم يكن بوسعها أن تقول إنها تعرفه جيداً، لكن سيدريك بجانب الملك بدا وكأنه شخص مختلف تماماً عن الرجل الذي تحدثت إليه.
وفجأة، خطرت لها فكرة.
أنه إذا لم تعد إيفون لوروا، فإن عالمها والعالم الذي يعيش فيه ذلك الرجل لن يلتقيا مجدداً أبداً.
تلك الحقيقة بدت بعيدة المنال فجأة.
شخص لن تتمكن من رؤيته مرة أخرى.
تأملت إيفون تلك الحقيقة وهي تحدق في سيدريك بهدوء.
دون أن تدرك المشاعر التي مرت في عيني خطيبها عندما لمح سيدريك في نهاية نظرتها.
***
نزلت إيفون إلى غرفة الطعام لتناول الفطور المتأخر، وفتحت الصحيفة التي أحضرتها معها بينما كانت تنتظر تحضير الطعام.
[شركة ويندفيلد التي سيطرت على البحار، تهيمن أيضاً على المعرض العالمي]
منذ انطلاق المعرض العالمي، امتلأت الصحف بالأخبار المتعلقة به.
وعلى وجه الخصوص، كانت المقالات حول سيدريك، الذي تولى تمثيل قطاع الصناعة في هيرينغتون، وشركته ويندفيلد، تُنشر يومياً دون انقطاع.
تحققت إيفون اليوم أيضاً من قسم الحوادث والجرائم أولاً، ثم كتمت تنهيدة وهي ترى المقال المنشور في الصفحة الأولى عن سيدريك وشركة ويندفيلد.
كان عليّ أن أسأله عن أحوال البحث عن مكان والدتي ولكنه مشغولاً للغاية للقيام بذلك.
‘في الحقيقة، هو يقدم لي معروفاً فحسب، وليس عليه أي التزام بالضرورة بالعثور على والدتي.’
خطر ببالها متأخراً أنها ربما اعتمدت عليه أكثر من اللازم وتراجعت عن البحث بنفسها.
‘يجب أن أزور مكتب التحريات في أقرب وقت.’
بعد أن رتبت أفكارها ووضعت الصحيفة جانباً، فجأة ساد ضجيج أمام غرفة الطعام.
نظرت إيفون نحو الباب بتساؤل، فذهبت سيندي التي كانت تنتظر في مكان قريب لتلقي نظرة، ثم عادت بوجه يبدو عليه الارتباك.
“في الواقع، لقد قالت السيدة إنها ستتناول طعامها هنا في غرفة الطعام.”
اتسعت عينا إيفون من هذا الموقف غير المتوقع.
لقد سمعت سابقاً من الخادمة أن أصيص الزهور الذي أرسلته ينمو بشكل جيد في غرفة إيزابيلا.
ورغم أن إيزابيلا لم تقل شيئاً حيال ذلك، إلا أن مجرد تركها للأصيص وشأنه -وهي التي لا تتردد في التصرفات العنيفة- كان دليلاً كافياً على قبولها للهدية.
وكونها قررت الآن تناول الطعام في غرفة الطعام رغم علمها بوجود إيفون فيه، كان دليلاً آخر على أنها لم تعد تكرهها كما كانت في السابق.
أسرعت إيفون بإبلاغ سيندي بقرارها.
“أخبريها أن تتفضل.”
“نعم؟”
“مهما قال أي شخص، فإن سيدة هذا القصر هي والدتي. إن كانت ترغب في تناول الطعام في المكان الذي تريده، فمن ذا الذي يمكنه الاعتراض؟”
“لكن…”
“سيكون الأمر بخير. اذهبي واستقبليها.”
ترددت سيندي للحظة، ثم غادرت غرفة الطعام بعد أن رأت نظرة إيفون الواثقة.
بعد قليل، دخلت إيزابيلا غرفة الطعام.
ألقت إيفون عليها تحية الصباح بحذر.
“هل نمتِ جيداً؟”
بالطبع، ألقت التحية دون ذكر أي لقب.
رمقتها إيزابيلا بنظرة خاطفة ثم جلست في المقابل دون أي رد فعل خاص.
عندها فقط، تنفس الخدم الذين كانوا يراقبون الموقف بتوتر يفوق توتر صاحبتي الشأن الصعداء، وبدأوا في تقديم الطعام.
لم يكن يُسمع بينهما سوى صوت أدوات المائدة وهي تتحرك.
كانت إيفون هي من كسرت الصمت أولاً.
“ألا تشعرين بالضيق من البقاء في المنزل طوال الوقت؟ هناك الكثير لرؤيته هذه الأيام بفضل المعرض العالمي. إذا كنتِ لا تمانعين، هل نذهب للمشاهدة معاً اذا كان ذلك مناسبًا؟”
كان اقتراحاً نابعاً من شعور بالذنب تجاه إيزابيلا. وبالطبع، لا يمكن القول إنها لم تفكر في زيارة مكتب التحريات إذا سنحت الفرصة.
لكن إجابة إيزابيلا كانت حاسمة.
“من الأفضل ألا تساوركِ أفكار فارغة.”
ثم أضافت بنبرة تقترب من اليأس.
“لأن ذلك الشخص لن يسمح لي بمغادرة القصر.”
لم تكن بحاجة للسؤال لتعرف أن بذلك الشخص كانت تشير إلى لوغان.
صمتت إيفون التي كانت تأمل في جعلها تستنشق بعض الهواء النقي.
فلم يكن بوسعها أن تقدر حجم الاستياء والكراهية المتجذرين في نبرة اليأس التي نطقت بها إيزابيلا.
“شكراً لكِ على نيتك الطيبة، يا طفلة.”
كانت كلمات باردة تخلو من أي عاطفة، لكنها كانت بالنسبة لإيفون أكثر مما تستحق.
أنهت إيزابيلا طعامها أولاً ونهضت وغادرت غرفة الطعام. أنهت إيفون طعامها متأخرة وغادرت غرفة الطعام.
وفي تلك اللحظة بالضبط، واجهت ضيفاً غير مرغوب فيه.
“أوه، إيفون. لقد كنتِ هنا إذًا؟”
“…سير ديريك؟”
“لم نلتقِ بشكل صحيح منذ الأوبرا.”
اقترب ديريك بخطوات واسعة نحو إيفون بابتسامة ناعمة، بينما كانت الخادمات يتهامسن بأنه رومانسي.
كانت هناك عيون كثيرة تراقب، وبما أنها واجهته بالفعل،
فلن تنفع حتى حجة المرض.
أي أنه لم يكن هناك أي عذر للهرب.
***
أقيم المعرض منقسمًا بين أجنحة عرض خارجية وأخرى داخلية.
ضمت الأجنحة الخارجية تنسيقات الحدائق من مختلف الدول، بينما عُرضت بقية المجالات في أجنحة داخلية موزعة على عدة مباني.
كان الهدف من ذلك هو تمكين الزوار من الاستمتاع بالمعرض دون التأثر بتقلبات الطقس.
المكان الذي اصطحب فيه ديريك إيفون كان جناح خارجية، حيث تُعرض فيه فنون تنسيق الحدائق.
رفعت إيفون بصرها بهدوء إلى السماء الملبدة بالغيوم.
تمنت لو أنها تمطر على الأقل، لكن السماء بدت وكأنها لا تملك أي نية للاستجابة لرغبتها.
“هذا التنسيق يشبه ما رأيته في هيلزبيري في هيلبورن. ألم تزوري هيلبورن من قبل؟ مدن هيلبورن تبدو وكأن المدينة بأكملها حديقة واحدة. إنه مكان يشعركِ بالراحة بمجرد السير فيه.”
شرح ديريك تنسيق الحدائق بنبرة بدت ودودة للوهلة الأولى.
وكأنه قد مسح ما حدث في دار الأوبرا تمامًا من ذاكرته.
لم ترد إيفون على حديثه بأي كلمة، لكن ديريك استمر في التحدث وكأن الأمر لا يعنيه.
لا يمكنها تجنب الأمر إلى الأبد.
بعد أن اتخذت قرارها، شبكت إيفون يديها المرتجفتين وفتحت فمها أخيرًا.
“تصرفك وكأن شيئاً لم يكن، دون أدنى ذكر لقلة الاحترام التي بدرت منك في دار الأوبرا، أمر يثير استيائي بشدة.”
كان صوتها يرتجف قليلاً، لكن نظراتها كانت ثابتة وتنظر لديريك باستقامة. رغم أن قلبها كان يخفق بشدة من الخوف، إلا أنها لم تكن تنوي التراجع هذه المرة.
وكأن ديريك لم يتوقع أن تواجهه إيفون بشكل مباشر، فتقلصت ملامح وجهه بحدة.
لكن ذلك لم يدم إلا للحظة.
سرعان ما استعاد ديريك هدوءه وأومأ برأسه بطاعة.
“نعم، معكِ حق. لقد أخطأتُ في ذلك اليوم. لأنكِ امرأة جذابة للغاية، لم أستطع كبح مشاعري في تلك اللحظة.”
“……”
“هذا يعني فقط أنني أحبكِ إلى ذلك الحد.”
لم تكن تتوقع منه اعتذاراً لائقاً. ولم يكن يهمها إن لم يعتذر.
فهو ليس خطيبها الحقيقي، وهي سترحل على أي حال.
لكنها تمنت فقط أن تكون هذه فرصة له ليراجع سلوكه المخجل. إلا أن محاولتها ذهبت سدى.
“أتسمي هذا عذراً؟”
“عذر؟ بل هذا هو شعوري الحقيقي. أعتذر عن خطئي، لكنني أتمنى ألا تسيئي فهم مشاعري الحقيقية يا إيفون.”
شعرت بالغثيان من مظهره وهو يتذّرع بصدق مشاعره. وفي اللحظة التي فتحت فيها فمها، عاجزة عن كبح مشاعرها المتدفقة، بدأت قطرات المطر تتساقط فجأة من السماء.
لجأت إيفون مع ديريك إلى تحت شجرة قريبة للاحتماء من المطر. لكن ملابسهما كانت قد ابتلت تماماً بفعل قطرات المطر التي اشتدت فجأة.
وعند رؤيتها هكذا، اقترح ديريك.
“ملابسكِ مبللة وتبدين تشعرين بالبرد. ما رأيكِ أن نذهب إلى فندق قريب لنجفف ملابسنا ثم نعود؟”
كان موقع المعرض يقع في مدينة مجاورة لـ لوسيرن، لذا فإن العودة إلى المنزل في لوسيرن كان سيستغرق وقتاً طويلاً.
إلا أن إيفون هزت رأسها بعناد.
“…لا. أريد العودة إلى المنزل مباشرة لأرتاح.”
نظر ديريك إلى إيفون بنظرة غريبة للحظة، ثم خرج من ظل الشجرة.
“سأذهب لإحضار العربة. انتظري قليلاً.”
ابتعد ظهر ديريك بسرعة.
راقبت إيفون رحيله للحظة، ثم خرجت هي الأخرى من تحت الشجرة.
‘لو بقيت هكذا، قد ينتهي بي الأمر في الفندق.’
بالتفكير في موقف ديريك الذي ضغط عليها بتهور في دار الأوبرا، كان هذا الاحتمال وارداً جداً.
أسرعت إيفون نحو مبنى جناح داخلي قريب قبل أن يعود ديريك.
وعلى لوحة خشبية تشير إلى الاتجاه الذي كانت تسلكه، كُتب اسم مألوف.
التعليقات لهذا الفصل " 31"