لقد عاهدتُ نفسي منذ أن آويتُ ابن أختي الصغير أول مرة، أن أعتني به جيدًا حتى يعود إلى والديه.
وعندما تخلت عنه شارلوت، قررتُ أن أحبه أكثر مما قد تحبه أمه الحقيقية.
لكنني الآن، لن أتمكن من منحه ذلك الحب الكافي.
هل سينقذ ماتياس ثيودور؟
لا بأس حتى لو استخدم جثتي كطعم، أتمنى فقط أن يعودا هما الاثنين بسلام إلى الواقع.
وصلت أفكاري التي بدأت تتلاشى كالدخان إلى طفلي الذي لم ألتقِ به بعد.
‘شكرًا لكَ. أنا أحبكِ يا إلينور.’
كم كان ماتياس سعيدًا عندما علم بوجود الطفل.
في الحقيقة، كنتُ أنا أيضًا في غاية السعادة.
لقد كانت سعادةً من نوع مختلف عن سعادتي بوجود ثيودور.
يا ترى أي طفل سيأتي إليّ؟
كنتُ أتوق لمعرفة جنسه، وهل سيشبهني أم يشبه ماتياس أكثر.
لكن الآن، أصبحت معرفة ذلك غايةً بعيدة المنال.
‘أنا آسفة. لأنني كنتُ مقصرةً جدًا…’
انحدرت دموع ساخنة على وجنتيّ.
وبينما كان الندم يبتلع إلينور في غمرته.
دُق، دُق.
سُمع صوت نبضات قلب صغيرة من مكان ما.
أصغت إلينور إليها بهدوء، لتدرك أن تلك النبضات كانت تصدر منها هي.
وعندها، لاحظت أنها لا تشعر بأي ألم.
رغم أن سيف الإمبراطور كان مصوبًا نحوها مباشرة.
فكرت للحظة أن الإمبراطور ربما قتلها وطفلها وامتص قوتهما فورًا، لكن شيئًا ما كان غريبًا وغير مألوف.
فتحت إلينور عينيها ببطء وهي تشعر بالريبة.
“أوه…؟”
لم يمسس السيف إلينور، ولم تكن مصابة بأي جرح أصلاً.
بدلاً من ذلك، كان هناك شخص يقف أمامها بذراعين مفتوحتين.
شعر ذهبي كثيف يتدلى حتى الخصر.
أدركت إلينور فورًا أنها شارلوت.
“شارلوت؟!”
اقتربت إلينور المذعورة منها.
لم يسحب الإمبراطور سيفه؛ فالنصل الحاد الذي لوح به كان قد اخترق جسدًا بالفعل.
لكن الضحية لم تكن إلينور، بل شارلوت التي
وقفت حائلة بينهما.
“مـ، ما هذا الذي يحدث…”
عجزت عن التنفس وكأن شيئًا ما قد علق في حنجرتها.
شعرت وكأن عقلها يعمل ببطء شديد.
لم تستطع تصديق المشهد الماثل أمام عينيها.
لماذا؟
لماذا تقف شارلوت هنا الآن؟ هي التي كانت مشغولة بالهرب وحدها تاركةً إياها هي وثيودور في مأزق؟
مدت إلينور يدها المرتجفة نحو شارلوت.
لكن شارلوت، التي تحولت إلى ما يشبه الحجر، لم تتحرك.
كانت عيناها مفتوحتين، لكن أجفانها لم تطرف.
ولم تكن شارلوت وحدها هي المتوقفة عن الحركة.
فالسيف الذي يخترقها كان ثابتًا في مكانه
أيضًا.
والإمبراطور الذي كان يزمجر كالوحش المسعور بجشعه، كان ساكنًا.
وكذلك ماتياس الذي كان يصرخ وسط حصار الفرسان.
والفرسان الذين كانوا يتراجعون خوفًا.
وحتى الناس خلف أسوار القلعة والطيور المحلقة في السماء.
بدا العالم بأسره متوقفًا، وكأنه قد تعطل فجأة.
تراجعت إلينور بتردد وهي تشعر بالخوف من هذا المشهد الذي يتجاوز المنطق.
تساءلت إن كانت ترى مشهدها الأخير قبل
الموت مباشرة.
لكن صوت نبضات القلب النابض بالحياة هذا لا يبدو وكأنه وهم.
كانت إلينور في حالة من التخبط.
في تلك اللحظة، هبط الطائر الذهبي، الذي لم يغادر قمة البرج طوال الوقت، على كتف شارلوت.
فاش—!
انتشر ضوء صغير، وبدأ زمن شارلوت المتوقف بالتدفق مجددًا.
أطلقت شارلوت زفيرًا قوياً وهي تلهث.
وفي الوقت نفسه، انفجرت من فمها كتلة من الدماء الحمراء القانية.
“شارلوت!”
“هاه، هاه…”
تنفست شارلوت بصعوبة بعينين ذابلتين.
نظرت إلى إلينور المذعورة مرة، ثم إلى العالم المتوقف مرة، ثم إلى جسدها الذي اخترقه السيف مرة أخيرة.
وعلى وجهها الذي بدت عليه علامات المفاجأة، ارتسمت ابتسامة خافتة تحولت إلى ضحكة مريرة.
تمتمت بضعف.
“لقد كان هذا قدري في النهاية.”
“لا تتحدثي هكذا! بطنكِ قد اخترقت.”
صرخت إلينور بوجه تملؤه ملامح الألم.
كانت تبحث عن طريقة لإنقاذ شارلوت.
لكن إلينور نفسها لم تكن تملك حلاً واضحًا.
ففي هذه اللحظة، الجميع باستثناء إلينور وشارلوت كانوا متجمدين كالحجر.
بما في ذلك السيف الذي يخترق جسد شارلوت، فلم تكن تجرؤ على سحبه أو
محاولة علاجه.
تنفست شارلوت بصعوبة قائلة.
“لا بأس. لا يؤلم كثيرًا.”
“لا تكذبي!”
“حقًا. لقد كان الأمر صعبًا عندما تقيأت الدم، لكنني الآن لا أشعر بشيء.”
في الحقيقة، من المفترض أن تموت بسرعة بعد إصابة قاتلة كهذه.
الدماء كانت تتدفق بغزارة، وكان الطبيعي أن تفقد وعيها من الألم قبل أن تنطق بكلمة.
لكن شارلوت كانت صامدة.
ربما كان للأمر علاقة بتوقف الزمن.
لكن… رؤيتها تعاني هكذا…
“لماذا فعلتِ ذلك؟”
عضت إلينور شفتيها وسألتها بينما كانت شارلوت تنظر إليها بأهداب مرتجفة.
“لماذا تلقيتِ الطعنة بدلاً مني؟ لقد هربتِ لتنجي بنفسكِ. ألم يكن قلبكِ قد مال عندما عرض عليكِ الإمبراطور المسامحة؟”
“لقد فعلتُ.”
ضحكت شارلوت.
كانت ابتسامة ناعمة تليق بولية عهد، لكن وجود الدماء على فمها جعل المشهد غريبًا ومفزعًا.
“عندما قال إنه سيتغاضى عن خطئي، فكرتُ في العودة لمكاني وكأن شيئًا لم يكن. لكنه قال… قال إن هناك طفلاً في بطنكِ.”
خاطبت شارلوت إلينور بصيغة “أنتِ” بدلاً من
“أختي”.
انتبهت إلينور لهذا التغيير واتسعت عيناها.
هل يعقل أن ذاكرة شارلوت—
“بعد أن سلب مني أطفالي هكذا، يريد فعل الشيء نفسه مجددًا…”
كان حدس إلينور في محله.
شارلوت الماثلة أمامها الآن هي شارلوت التي تعرفها.
شارلوت التي تحمل جميع الذكريات، بما فيها ذكرى العودة بالزمن.
تمامًا مثل ماتياس، استيقظت ذاكرتها التي كانت غافية داخل القصة الأصلية.
“أنا لا أريد أبدًا أن يحصل على ما يريده.”
“فهل هذا يعني أنكِ أنقذتني لهذا السبب…؟”
“لا تسيئي الفهم. أنا لم أنقذكِ أنتِ.”
تمتمت شارلوت بصوت بدا وكأنه يغلي من الألم.
“لقد أنقذتُ طفلي. طفلي الذي غادرني أولاً. نعم… أنا لم أتخلَّ عن أطفالي…”
أصبحت نظرتها ضبابية.
وكأنها تبحث عن الماضي الذي ضاع في وسط الأوهام.
عن تلك اللحظات التي سلبها فيها الإمبراطور كل شيء دون أن تملك وسيلة للمقاومة.
كان واضحًا أن حالة الطرف الآخر ليست سليمة.
استعادت إلينور وعيها بسرعة وأمسكت بها.
“لنعد. إذا عدنا إلى الواقع، ستتمكنين من العيش حتمًا.”
نظرت شارلوت إلى إلينور بذهول.
“أنتِ حية الآن بمعجزة. حتى الزمن قد توقف. بالتأكيد قوتكِ المقدسة هي من تحميكِ.”
“ههه، قوة مقدسة.”
ضحكت شارلوت وكأنها على وشك البكاء.
غطى شعرها المبعثر ملامح وجهها.
“لقد انتهى أمري بالفعل.”
“شارلوت…!”
“أنا أدرى بجسدي. قوتي المقدسة قد نفدت منذ زمن طويل. أنا كنتُ أموت منذ وقت بعيد جدًا. منذ اللحظة التي عدتُ فيها بالزمن وسلبتُ حياة الآخرين تمامًا مثل الإمبراطور…”
تاهت نظراتها الباهتة في الفضاء.
وسرعان ما استقر نظرها على الطائر الصغير الذي يحلق بالقرب منهما.
“أنا لم أفعل شيئًا. هو من فعل كل شيء.”
“الطائر الذهبي؟”
“أجل. يبدو أن أختي الصغيرة كانت تحبكِ كثيرًا يا أختي.”
التعليقات لهذا الفصل " 167"