الفصل 30 :
“سيلفيا؟ ما الذي جاء بكِ فجأةً إلى هنا…….”
نهض أَستان وقد ارتسم الارتباك في عينيه لرؤية ظهور سيلفيا فون بيرنشتاين، صديقة طفولته، والتي كانت في وقتٍ ما خطيبته السابقة، لكنه سرعان ما عضّ لسانه.
تذكّر فجأة: صحيح، لقد استدعيتُها أنا.
كان قد أرسل لها رسالةً طالبًا أن تأتي إلى القلعة على وجه السرعة، لكونه غير قادرٍ على مجاراة غلوريا وحده.
لكنه نسي ذلك تمامًا بسبب كثرة ما حدث خلال الفترة القصيرة الماضية.
كان يثق بأن سيلفيا ستأتي دون تردد، لكن المشكلة أنّ ذلك حصل تحديدًا اليوم.
ألقى أَستان نظرة جانبية إلى غلوريا، التي كانت تقف إلى جواره بخجل.
كانت غلوريا تطرف بعينيها الدائريتين كأنها فُوجئت بالوضع المفاجئ.
كيف يجب أن أعرّفهما ببعض؟
ورغم أنّه كان هو من سبّب الموقف، إلا أنّه لم يفكّر مسبقًا بكيفية التعامل مع تبعاته. وبينما كان يتردّد، بادرت سيلفيا بالتحيّة.
“كيف حالك يا أَستان؟ وهذه الآنسة؟ من تكون؟”
“آه، هذه…….”
“أنا غلوريا ماكين، من أسرة الكونت ماكين.”
أجابت غلوريا بصوتٍ واضحٍ فيه إصرارٌ على ألّا تُقهر.
لكن سيلفيا لم تكن خصمًا يسهل مجابهته.
“أسرة الكونت ماكّين؟”
أمالت سيلفيا رأسها قليلًا، وكأن الاسم غير مألوفٍ لها.
أحمرّ وجه غلوريا على الفور.
كانت أسرة ماكّين عريقة، نعم، لكنها لم تكن ذات نفوذٍ يُذكر، ولا تملك قصرًا في العاصمة، ولم تُقِم ظهورًا رسميًا في المجتمع الأرستقراطي، بل إنها لم تتلقَّ حتى بطاقةٍ تهنئة واحدة من الإمبراطور في حياتها، لذا كان ردّ سيلفيا طبيعيًّا.
وبينما تكافح غلوريا لإخفاء إحراجها، مدّت سيلفيا يدها.
“تشرفتُ بلقائكِ، أنا سيلفيا فون بيرنشتاين.”
رفعت غلوريا رأسها لتنظر إليها. كانت سيلفيا أطول منها بشبرٍ كامل.
سيلفيا فون بيرنشتاين، الابنة الكبرى لدوق بيرنشتاين.
حتى غلوريا، التي لا تعرف الكثير عن مجتمع النبلاء، كانت قد سمعت بسمعة الدوقية التي تُضاهي ثروة العائلة الإمبراطورية نفسها.
وكانت يدا سيلفيا ناعمتين رقيقتين، كيدَي من لم يعمل في حياته سوى حمل فنجان الشاي.
أفلتت سيلفيا يد غلوريا بابتسامةٍ هادئة، وكأنها تقول إن التحية انتهت، ولا حاجة للمزيد.
ثم التفتت إلى أَستان وسألته:
“إلى أين كنتَ ذاهبًا؟”
“آه. حدث أمرٌ مزعجٌ قليلًا.”
“جيد أنني وصلتُ في الوقت المناسب. كدتُ أن أنتظركَ في منزلٍ فارغ.”
“كان يمكنني استقبالُكِ لو أنكِ أخبرتِني مسبقًا.”
“ماذا؟”
ظهر الاستياء في صوتها، فعضّ أَستان لسانه مجددًا.
أستمرّ في نسيان أنّني أنا من استدعاها.
ابتسمت سيلفيا وقد فهمت الموقف من كثرة ارتباكه غير المعتادة.
“لكن، ألن تُدخل ضيفتَكِ من البرد؟”
“آه، صحيح. تفضّلي.”
واصطحب أَستان سيلفيا مسرعًا.
نظرت غلوريا بصمتٍ إلى ظهرهما وهما يبتعدان.
ما هذا الجو الغريب؟
كانت تُحاول إقناع نفسها أنّ من الطبيعي إكرام الضيوف، لكن شعورًا باردًا ثقيلًا أحاط بها.
لمست دَبُّوس الشعر الذي أهداها إياه أَستان، وتبعتهما بهدوء.
ارتفع صدى حديثٍ دافئٍ بينهما في الردهة.
“القلعة لم تتغيّر أبدًا. ما زالت باردةً وقديمة.”
“هكذا تظنين؟”
“‘هكذا أظن؟’ ألا تلاحظ حقًا؟ حتى الستائر واللوحات كما هي.”
“اللوحات؟”
“لقد كُسِر إطار إحداها حين نقل الخدم خزانة الكتب. توقعتُ أن تكون قد غيّرته.”
“ممم، كنتُ مشغولًا كثيرًا.”
“لستَ مشغولًا، بل مُهمِلًا. أنت طيّبٌ أكثر من اللازم مع الخدم.”
وبّخته سيلفيا بنبرةٍ مألوفةٍ بينهما.
“حين يكون السيد نفسه مهمِلًا، فمن الطبيعي أن يصبح خدمه مثله.”
“لم نلتقِ منذ لحظةٍ واحدة، وبدأتِ بالانتقاد.”
“كيف لا، وهذه الفوضى كلّها أمامي.”
كانت تضرب بلاط الأرض المتشقّق بطرف حذائها، وكأنها تذكّره بمدى معرفتها القديمة بكل زاوية في القلعة.
وما إن وصلوا إلى غرفة الجلوس حتى بدأت وجوه الخدم تظهر واحدًا تلو الآخر، وقد بدا عليهم الارتباك لمجيء زائرةٍ غير متوقعة دون سابق إخطار.
وتقدّم الخادم الأكبر كولين إلى الأمام بعدما دُفع دفعًا ليتولى الأمر.
“أهلًا بعودتكِ، سيدتي.”
“مرحبًا يا كولين.”
“هل كنتِ بخير خلال هذه الفترة؟”
“من تعتقد أنني كنت؟”
تجمّد وجه كولين.
لكن سيلفيا اكتفت بتذكيره:
“أوقفت العربة أمام بوابة القلعة. رتّب أن يُنقَل حقائبي.”
“حاضر.”
مسح العرَق عن جبينه وتراجع.
أخذت سيلفيا تنظر إلى الخدم بنظرةٍ متعالية، وتطايرت نظرات الخدم بعيدًا، كأنهم يتجنبون وحشًا مفترسًا.
ثم تقدّمت كبيرة الخادمات.
“مرحبًا بعودتكِ يا آنسة. عفوًا… يا سيدتي.”
“ريز؟ ما زلتِ هنا؟”
عبست ملامح ميريويذر كبيرة الخادمات.
“هذا المكان هو منزلي ومسقط رأسي. إن لم أكن هنا، فأين أكون؟”
“صدقتِ. لا مكان آخر يليقُ بكِ.”
ارتفع شائب غضبٍ على وجه ميريويذر.
لكن سيلفيا لم تكترث، بل أمعنت النظر فيها بوضوحٍ مستفز.
“لقد مرّ وقتٌ طويل. تغيّرتِ كثيرًا عمّا كنتِ عليه سابقًا.”
“…….”
“لكن الغريب أنني ما زلتُ أتذكّر ذلك اليوم وكأنه حدث أمس. أليس هذا غريبًا؟”
قبضت ميريويذر على أسنانها حتى سُمِع صوت احتكاكها.
وقبل أن تتحدث، تدخّل أَستان.
“سيلفيا، لنتحدّث وحدنا. ريز، أحضري كوبين من الشاي إلى المكتب.”
“……حاضر.”
“هيا، لندخل.”
***
كان المكتب باردًا بعد أن ظلّ خاليًا لفترةٍ طويلة.
أشعل أَستان الحطب في المدفأة، ثم عاد إلى مقعده.
نظرت سيلفيا حولها قليلًا، ثم بدأت الكلام.
“سمعتُ أنّ مشكلةً كبيرة حدثت في الإقليم.”
“نعم.”
“ظننتُ أن الأمور هدأت، بعد أن خفّت الأخبار.”
“كنتُ أظن ذلك أيضًا.”
أجاب أَستان بحزن.
“سمعتُ أنّ الأضرار كانت كبيرة. هل أنتَ بخير؟”
“ما زلنا نُصلح ما خُرّب، لكن معظم الأمور انتهت.”
“رأيتُ الدمار في طريقي إلى هنا. كانت هناك أماكنٌ كثيرة متهدّمة.”
هزّ أَستان رأسه دون كلام.
“أحضرتُ بعض موادّ الإغاثة. إن احتجتَ المزيد، فقط أخبرني.”
“أشعر بالحرج. لم نلتقِ منذ زمن طويل.”
“عيبٌ علينا أن نحسب هذه الأمور.”
ابتسمت سيلفيا، ثم قالت:
“هل مرّ سبع سنوات؟ كيف كنتَ خلال هذه المدة؟”
“كما أنا. الحياة تمضي فقط.”
“هذا يعني أنك كنت بخير… أما أنا، فلم أكن كذلك.”
قالت ذلك بنبرةٍ خالية من المشاعر.
ظلّ أَستان يتفرّس في ملامح خطيبته السابقة، وقد تغيّرت كثيرًا.
كان عمره سبعة عشر، وكانت هي في التاسعة عشرة حين خُطِبا.
وكانت علاقتهما ممتازة… إلى أن استيقظ ذات يوم على خبر انفصالها عنه من طرفٍ واحد.
بعد أقل من عامٍ على ذلك، جرى زواج سيلفيا الأسطوري، بحضور كبار النبلاء والإمبراطورة والأمراء.
لكن الزواج لم يكن سعيدًا كما ظنّ الجميع.
فالخيانة الدائمة لزوجها، الدوق فريدريك، أتت على كل شيء.
لم يكتفِ بالخادمات، بل تجرّأ على خادمتها الخاصة، ثم… أختها.
عندها فقط، انهارت كل احتمالات الصبر.
طلبت منه الطلاق.
رفض.
غادرت القصر.
وبعد أيام، التهم حريقٌ مجهول السبب القصر الدوقي. وُجِد جثمان فريدريك محترقًا مع امرأةٍ لم تُعرف هويتها.
“سمعتُ بالأمر.”
قال أَستان بهدوء.
فمهما كان الماضي، يبقى ما أصاب صديقة طفولته أمرًا مؤلمًا.
ابتسمت سيلفيا بخفة.
“لا تُحدّق بي بهذه الطريقة. أنا راضيةٌ الآن عن حياتي.”
“ماذا عن دوق بيرنشتاين…….”
“عفوًا، سموّ الدوق.”
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
التعليقات لهذا الفصل " 30"