حين فتحتُ عينيّ، كان كلُّ شيءٍ أبيضَ خالصًا.
محيطٌ أملسُ متين، لا بابَ فيه ولا حتى شقٌّ رفيع، فضاءٌ مترامٍ لا حدّ له، وكنتُ أنا وحدي ملقاةً فيه.
جلستُ ورفعتُ جسدي، أحدّق بذهولٍ فيما حولي، ثم انتبهتُ فجأةً وفحصتُ نفسي أولًا. قميصٌ أبيض، سروالٌ أبيض، حافيةُ القدمين. شعري منسدلٌ منفوش.
على الأرض رباطُ شعرٍ واحد. التقطتُه وربطتُ شعري بإحكام، وكانت يدي ترتجف ارتجافًا خفيفًا. لم أدرِ أهو توتّر الموقف الغريب، أم أثر ابتلاع تلك الجِلّة الذهبية.
‘هل أكلتُها فعلًا كما ينبغي؟’
تفحّصتُ جسدي من جديد. ظاهريًّا، كنتُ بخير. ذاك الألم البطنيّ الحادّ الذي طعنني بعنفٍ لحظة ابتلاع الجِلّة اختفى كأن لم يكن.
‘لا تكون قد أُخرجت منّي مجددًا، أليس كذلك؟’
هبط قلبي فجأةً. ربما حين فقدتُ الوعي انتزعوا السلاح منّي ثم سجنوني هنا.
إن كان الأمر كذلك، فذلك أسوأ الاحتمالات. سيكون للجيش سببٌ إضافي لقتلي. ما إن أعجز عن إثبات أنّني أرى نافذة الحالة، حتى يكون مصيري الإبادة مع الآخرين لا محالة.
‘هل ما زال الناس أحياء؟’
لم أعرف كم من الوقت مضى منذ فقدتُ وعيي في غرفة الأمن، ولا كنتُ أعلم مصير الآخرين.
تبلّل كفّي بالعرق وأنا أضغط به على الأرض. كانوا غرباء عنّي حتى وقتٍ قريب، لم ألتقِهم من قبل، لكن مجرّد التفكير في أنّ أكثر من ثلاثين شخصًا ينتظرون خبري وحدي جعل المسؤولية تثقل صدري.
نهضتُ من مكاني. خارت قوّة ساقيّ قليلًا فتعثّرتُ، لكنني لم أسقط.
كان عليّ أن أبحث أوّلًا عن منفذٍ للخروج. وحين خطوتُ لأدفع الجدار أو أجرّبه، دوّى فوق رأسي صوتٌ مكتوم.
من السقف العالي برز شيءٌ أسود داكن. كان طرفه الأملس يلمع تحت الضوء، وحين بدا أنّه يتحرّك نحوي، رميتُ نفسي جانبًا بلا تفكير.
كواغوانغ!
انفجر هديرٌ هائل في الموضع الذي كنتُ أقف فيه. وحين انقشع الدخان، انكشف قاعٌ غائرٌ في الأرض. وفي اللحظة نفسها، علا صريرٌ حادّ من فوق رأسي.
رفعتُ رأسي فتقشعرّ جلدي. مدافع سوداء كانت تبرز من السقف هنا وهناك. على أقلّ تقدير، كان عددها يزيد على العشرة.
تعالى صوت التلقيم المعدنيّ. هذه المرّة لم يكن واحدًا. وابلٌ كاملٌ سيُطلق.
شدَدتُ قدميّ على الأرض، وانفلتت منّي شتيمةٌ دون قصد.
“يا لهذا اللعـ…!”
—
إنها تتفادى ذلك.
غرفة التحكّم المركزي. جدارٌ هائل من الشاشات يلتقط هدفًا واحدًا بإصرار، من زوايا متعدّدة.
كيم دوون، وذراعاه معقودتان، تابع بعينيه المرأة التي تتدحرج وتقفز، بالكاد نجت من القصف المتتالي.
لم يكن يصدّق ما يراه، رغم أنّه يراه. همس بعضهم بخفوت:
“كيف تفادت هذا؟”
“لا بدّ أنّها كانت تتدرّب. وإلا فسرعة ردّ الفعل هذه غير معقولة.”
كانت تحسن استخدام جسدها. شعر بذلك منذ اللحظة الأولى. كان ينبعث منها سلوك من يعرف كيف يستنزف جسده حتى أقصى حدوده.
حين كان الجميع منبطحين على الأرض، وحدها لم تستسلم، تزحف بتثاقل وتبتعد. وحين كانوا يقمعونها بلا رحمة، لم تنكمش، بل كانت تدير عينيها كلّما سنحت فرصة، تمسح المكان بحثًا عن مخرج.
وحين دفعوها أرضًا بأقدامهم، ثم نهضت فجأةً بعد دفعةٍ خفيفة، اعترف في نفسه أنّه تفاجأ. بل إنّها لم تكن قد استخدمت كامل قوّتها بعد، ولا شكّ أنّها بارعة في القتال.
والآن، كانت تتفادى قصفًا عشوائيًّا منذ خمس دقائق. بلا ساترٍ واحد. مجرّد اختبار لتهديد الهدف.
“يبدو أنّه لن ينتهي. لا أثر للإرهاق.”
“هل لأنّها أكلت رتبة S؟”
“لم يظهر بعد، فلا علاقة له. هي لياقتها الأصلية على الأرجح.”
“إذا حُوصرت، ستظهر نافذة الحالة، صحيح؟”
“نظريًّا، نعم.”
المشكلة أنّ المرأة لا تُحاصَر.
نقر كيم دو-وون لسانه في سرّه. لم تكن بحاجة إلى نافذة الحالة أصلًا. كانت تتفادى وحدها ببراعة، بل إنّ مسارات حركتها صارت أكثر اختصارًا، ما يعني أنّها قرأت نمط الإطلاق.
” لم نوجّه التصويب دفعةً واحدة؟”
“وماذا لو ماتت؟ أتريدون تحطيم رتبة S؟”
“يا لها من امرأة مزعجة. في النهاية هي مجرّد محتالـ…”
تمتم أحد الباحثين ساخطًا، لكن جنديًّا إلى جانبه وخزه في خاصرته، فخفض صوته.
بعدها، لم يجرؤ أحد على فتح فمه. لم يكن يُسمع سوى ما تلتقطه ميكروفونات غرفة المحاكاة: شتائم المرأة المكتومة وأنفاسها الخشنة وهي تتفادى الهجمات.
نظر بعضهم إلى كيم دوون، يستطلعون رأيه، إذ لم يجرؤوا على توجيه أنظارهم إلى بايك إيهيون.
أشار كيم دوون بذقنه نحو الشاشة. أي: التزموا الصمت وركّزوا على العمل. حتى لو بدا الاختبار بلا معنى، فطالما هو بأمر بايك إيهيون، فلا بدّ من تنفيذه.
منذ دخولهم غرفة التحكّم، لم ينطق بايك إيهيون بكلمة. كان يحدّق فقط في المرأة داخل الشاشة. كعادته، بلا تعبير، بلا شرح.
وذلك ما جعل كيم دوون عاجزًا عن الفهم أكثر، لأنّ بايك إيهيون كان يقدّم الجدوى دائمًا على الإجراءات.
أحيانًا كان يبالغ في المرونة، حتى يخالف القانون العسكريّ صراحةً. لذلك لم يكن منطقيًّا أن يهدر وقته الثمين على اختبارٍ كهذا.
هذا رسميٌّ أكثر من اللازم. كانت هناك طرق غير رسميّة وأكثر كفاءة. كالتعذيب مثلًا…
“هل الغرباء الذين أنقذتهم سيو آيون ما زالوا في سفينة النقل؟”
لم يفهم كيم دو-وون السؤال للوهلة الأولى. من الغريب أصلًا أن يُنادى الغريب باسمه الكامل.
لكن فمه سبق عقله وأجاب. فالجسد المعتاد على طاعة الأوامر في ساحة المعركة لا يتردّد.
“نعم. جميعهم قيد الاحتجاز.”
“أحضر أصغرهم سنًّا.”
هذه المرّة لم يجب فورًا. التصقت أنظار الجميع بهما. قال بايك إيهيون، ببرودٍ تامّ:
“الأصغر، والأضعف.”
موروها. الحقير!
—
إنه اختبار.
تيقّنتُ من ذلك. لن يخصّصوا هذا الفضاء الهائل لمجرّد قتلي. كان يكفيهم أن يفرغوا رصاصةً في رأسي.
إذًا، لن أُقتل الآن. وما إن وصلتُ إلى هذا الاستنتاج، حتى صارت حركة المدافع أوضح في عينيّ.
وبعد أن تفاديتُ الهجمات عشرات المرّات وكدتُ أستوعب نمط القصف، حدث فجأةً أن جزءًا من الأرض على مسافةٍ ما اهتزّ، ثم انخفض إلى الأسفل بقوة. وبعد أن قذف بظلٍّ بشريّ صغير إلى الأعلى، انغلق بسلاسة.
التقت عيوننا. وجهٌ مرتعب. وجهٌ أعرفه. ذاك الطفل الذي كان يلازمني طوال الوقت في سفينة النقل.
يا للعار.
اندفع الدم إلى رأسي. مهما كان، كيف لهم أن…!
“يا أولاد الكلـ…!”
صرختُ كأنّي أتقيّأ الكلمات.
“أبهذا تفعلون وتدّعون أنّكم بشر؟ أأنتم مجانين؟!”
تحرّكت المدافع في السقف، التي كانت تتبعني وحدي، بانسيابٍ لتصوّب نحو الطفل، ثم توقّفت بصريرٍ حادّ.
دفعتُ الأرض وقفزتُ نحوه. لم يكن هناك خيارٌ آخر.
كان عليّ إنقاذه، مهما كلّف الأمر.
كان الغرباء متعاونين معي، وأنا أيضًا كنتُ بحاجة إليهم. لمعلوماتهم، ولأيّ عونٍ آخر يمكن أن يقدّموه.
كنا أشبه بجماعةٍ تشترك في المصير. لذلك، كانت تلك الأسباب المنطقية لعدم التفريط بالطفل لا تخطر ببالي إلا لاحقًا، كتبريرٍ متأخّر.
لم أرَ سوى وجهه المرتعب، وأنا أركض بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
أردتُ أن أقول له إنّ كلّ شيء سيكون بخير. ألا يخاف. أنّني سأُنقذه، مهما حدث.
هل كان بايك إيهيون هكذا؟ حين احتواني وسط تلك النيران، هل كان يشعر بما أشعر به الآن؟ لو كنتُ أقوى اليوم ولو قليلًا، فذلك كلّه بفضله.
وحين اندفعتُ وضممتُ الطفل بقوّة، حدث أمرٌ غريب. لم أشعر بحرارة جسده. مرّت يدي، وذراعي، ونصف جسدي العلويّ من خلاله فجأة، وسقطتُ أرضًا بشكلٍ مثير للشفقة.
كتمتُ أنيني ورفعتُ رأسي، فاختفى الطفل. لم يكن سوى صورةٍ مجسّمة. كان ذلك خداعًا. وقبل أن أشعر بالفراغ، سبقني شعورُ الارتياح. لم يستخدموا طفلًا حقيقيًّا طُعمًا.
نهضتُ فورًا. لكن الأوان كان قد فات للتفادي. الهجوم كان وشيكًا. غطّيتُ رأسي بذراعيّ وانكمشتُ.
عندها، ومع صوتٍ حادّ كتمزيق الهواء، اندفعت من حولي برودةٌ مفاجئة، وفي الوقت نفسه ارتطم شيءٌ بعنفٍ من كلّ الجهات، كأنّ وابلًا من المطر يهطل على سقفٍ من صفيح.
بقيتُ منكمشةً بلا حراكٍ لثوانٍ.
حين خيّم الصمت، وبعد مرور بضع ثوانٍ، بدأتُ أرخّي جسدي ورفعتُ بصري قليلًا. لم أفهم المشهد في البداية. أنزلتُ يدي عن رأسي ورفعتُ رأسي أكثر.
أوّل ما رأيتُ كان نافذةً شفّافة شبه متبلورة. عشرات من نوافذ الحالة كانت تحيط بي بإحكام، تدور ببطء، تطلق إنذاراتٍ متواصلة.
وخلفها، كانت الأرض محطّمة تمامًا، في فوضى عارمة. نوافذ الحالة هي التي صدّت الهجوم.
مددتُ يدي نحو إحدى النوافذ. تلك التي كانت تمرّ من جسدي في البوّابة، أصبحت الآن تُلمَس. كانت ناعمةً باردة، كالزجاج. لقد تجسّدت نافذة الحالة.
ثم قرأتُ المحتوى. كان واحدًا في جميع النوافذ.
[إذا لم يتم تأمين السلامة خلال دقيقة واحدة، سيتم تحويل كلّ ما ضمن نصف قطره 100 كيلومتر إلى العدم.]
꧁ترجمة موروها꧂
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"