الحلقة 26
‘لا يوجد أي اهتزاز على الإطلاق؟’
لا أعرف كم من الوقت مر. نظرت حولي، كانت المباني تمر بجانبي بسرعة خاطفة.
‘يبدو أسرع من السيارة.’
لا، لم يكن الأمر مجرد سرعة. ابتلعت ريقي بصعوبة.
السرعة كانت جنونية لدرجة أنني لم أستطع تمييز ألوان المباني أو عدد الأشخاص الواقفين على الرصيف، ومع ذلك، كان الركوب مستقرًا تمامًا بلا اهتزاز واحد.
بل والأغرب من ذلك، لم يبدُ أن أحدًا من المارة قد ذعر أو التفت، وهذا لا يعقل بهذه السرعة.
‘إذًا، لا يمكن للآخرين رؤيتنا.’
أمسكت بطرف سترة السائق بقوة، مذكرة نفسي بأن هذا الكيان ليس شيئًا يستهان به.
في تلك اللحظة، كسر سائق الدراجة صمته الطويل وقال:
[يمكنكِ الاطمئنان.]
“نعم؟”
[نحن نقوم بتوصيل الغرض المطلوب بأمان ودون خدش واحد.]
الغرض المطلوب.
في هذا الموقف، لا بد أنه يقصدني أنا…؟
‘هل يحاول طمأنتي؟’
شبح؟ يحاول طمأنتي لأنه لاحظ خوفي؟
هذا مستحيل. لم أعرف بماذا أجيب، ففتحت فمي ثم أطبقته مجددًا بصمت.
لم يكن هناك صوت للرياح، لذا كان صوت السائق مسموعًا بوضوح، وكأننا نتحدث داخل غرفة هادئة.
نظرت إلى المناظر الخارجية التي تمر بسرعة فبدأت أشعر بدوار، لذا حولت نظري للداخل.
‘هـه؟’
وقعت عيناي على ميدالية “البرسيم رباعي الأوراق” المعلقة على المقود.
‘هل يحب الأشياء اللطيفة؟’
نعم، الميداليات يجب أن تكون لطيفة هكذا.
هززت رأسي لأطرد صورة الميدالية الملعونة التي كانت سبب الرعب الذي عشناه قبل فترة قصيرة.
تفحصت الدراجة ببطء.
على المرآة الجانبية، كان هناك ملصق صغير لوجه مبتسم “سمايل”. والآن لاحظت أن الخوذة عليها رسوم يدوية لأزهار، بدت وكأنها رُسمت بقلم تحديد بشكل غير متقن.
“…… هل لديك طفل؟”
سألتُ بتردد.
تلك الرسوم على الخوذة لم تبدُ كذوق شخص يحب الأشياء اللطيفة، بل بدت كبصمة طفل.
ربما للأشباح عائلات أيضًا، أو قد تكون هذه بقايا من حياته السابقة.
ندمت فورًا؛ هل كان عليّ فتح هذا الموضوع؟ ربما كان من الأفضل التحدث عن الرياضة أو شيء عابر.
[لماذا تظنين ذلك؟]
“آه.. الملصق على المرآة، وتلك الرسوم على الخوذة.”
بالإضافة إلى ذلك، لم يبدُ أن اللون الوردي للخوذة هو اختياره الشخصي.
“هل هي أميرة صغيرة؟”
تشجعت وسألت مرة أخرى لأن صوته لم يكن يبعث على الرعب.
صمت سائق الدراجة قليلًا، ثم أجاب ببطء:
[نعم.]
[إنها أميرة رائعة.]
آه، هذه المرة كان الشعور مختلفًا.
خلف نبرته الهادئة، كان هناك شوق لم يستطع إخفاءه.
“إذا لم يكن لديك مانع، هل يمكنك إخباري عنها؟ أنا أيضًا.. أفتقد أخي كثيرًا. إذا كان سؤالي يزعجك فلا داعي للإجابة.”
ساد صمت قصير، لكنه لم يكن محرجًا. سرعان ما تابع السائق.
[بينما كنت أعمل، كانت ابنتي تنتظرني دائمًا في المنزل وحدها.]
[تغني جيدًا، وتحب الغناء كثيرًا.]
عادت نبرته لتصبح جافة وخالية من المشاعر، لكنه هذه المرة لم يكتفِ بإجابات قصيرة، بل سرد جملاً منسابة برقة.
[تحب اللون الوردي، وطلبت مني شراء ميكروفون كهدية لعيد ميلادها.]
“متى عيد ميلادها؟”
[في الربيع.]
[يجب أن أعمل بجد وأجمع المال حتى ذلك الحين.]
كان الفصل يقترب من الشتاء.
هل سيتمكن سائق الدراجة من رؤية ابنته في الربيع القادم؟
‘هل ماتت ابنته معه؟ أم أنه مات وحده وأصبحت ابنته الآن بالغة؟’
قيل إن سائق خدمة التوصيل لا يطلب ثمنًا سوى الشكر. إذًا، هل حديثه عن هدية عيد الميلاد مجرد ذكرى يتغنى بها من حياته السابقة؟
تذكرت وجه والديّ وهما يبتسمان لي ولـ “تشو-هاي” في طفولتنا.
“ربما كانت ابنتك تحب الغناء..”
قلتُ وأنا أتخيل وجوههم الباسمة دائمًا.
“لكنها ربما كانت تحب رؤية وجهك المبتسم وأنت تسمعها أكثر من الغناء نفسه.”
[…….]
“بالطبع، هذا مجرد رأيي. أخي كان يتدرب على التايكوندو، وكان يقول دائمًا إنه سيصبح بطلاً لأنه يحب رؤية أمي تبتسم عندما يبذل جهده.”
[حقًّا؟]
[أخوكِ يبدو لطيفًا.]
“نعم. إنه توأمي، وهو فتى طيب يسمع كلامي دائمًا ولا نتشاجر أبدًا.”
كنت في طريقي للقاء هذا الأخ.
عندما جاء ذكر “ما تشو-هاي”، شعرت بالحزن يتسلل إليّ مجددًا. سعلت بخفة لأداري صوتي المنخفض، ولاحظت أن سرعة الدراجة بدأت تتناقص.
وأخيرًا، المكان الذي توقفت فيه الدراجة كان..
[لقد وصلنا.]
على سطح مبنى شاهق.
“وصلنا؟”
هنا؟
[نعم.]
كان سائق الدراجة حازمًا. لم يتحرك وبقي يحدق بي وكأنه يضغط عليّ للنزول.
ترددت للحظة، ثم نزلت بحذر.
‘أين يمكن أن يكون تشو-هاي؟’
عصفت رياح الفجر الباردة مبعثرة شعري. نظرت حولي، لكنني لم أرَ سوى سطح المبنى الخالي والمهجور.
بما أن السائق لم يرحل بعد، سألتُه بحذر:
“أين أخي؟”
[تم التوصيل بنجاح.]
[حالة الشحنة ممتازة.]
“لا، انتظر! لقد طلبت منك أن تأخذني إلى أخي!”
لا يوجد شيء هنا يوحي بوجود “ما تشو-هاي” على الإطلاق!
هل يقصد أنه داخل المبنى؟ لو كان كذلك لأشار إلى الأسفل على الأقل.
بينما كنت أقطب حاجبي بعدم فهم، اقترب السائق ببطء، ومد يده التي يغطيها قفاز جلدي أسود.
[…… احذري.]
“نعم؟”
دفعة.
في لمح البصر، اندفع الجزء العلوي من جسدي فوق حاجز السطح. لقد دفعني سائق الدراجة!
قبل أن أتمكن من الصراخ، بدأ جسدي بالسقوط نحو الهاوية.
‘احذري؟’
التفت السائق واختفى وهو يشاهدني أسقط.
تحذير من شبح؟
هل سأموت؟
لا، لو كان ينوي قتلي فحسب لما كان بحاجة لإحضاري إلى هنا.
كما أن تحذيره بالـ “حذر” يعني أن هناك شيئًا ما بانتظاري في الأسفل.
‘هل يعني هذا أن السقوط هو الطريقة الوحيدة للقاء تشو-هاي؟’
تذكرت ما قاله “جانغ هيون-وو” ذات مرة؛ عندما سقط من سطح المدرسة رغماً عنه، رأى كل شيء يمر ببطء شديد.
وقال حينها إنه رأى تعابير وجهي ووجه “يو تشاي سونغ”.
كان الأمر تمامًا كما وصفه.
‘داخل المبنى غريب.’
بينما كنت أسقط بسرعة، بدت النوافذ الزجاجية وما خلفها واضحة بشكل غريب أمام عيني.
كان المبنى من الداخل مظلمًا. لا توجد مصابيح مضاءة، لكن كانت هناك ظلال كثيفة تتحرك بنشاط، وكأنهم منهمكون في عمل ما.
أحد الظلال نظر نحو النافذة.
ثم رأيت الطابق الذي يليه.
الظل الذي رآني أولاً اقترب من النافذة، والظلال التي كانت خلفه التفتت جميعها نحو النافذة في آن واحد.
ثم رأيت الطابق التالي.
الظلال في الخلف بدأت تنهض. اقتربت من النافذة والتصقت بها، أشكال سوداء لا ملامح لها تحاول تقليد الظل الأول.
مع كل طابق أمرّ به أثناء سقوطي، كانت الأجزاء الداخلية تتغير.
وازداد عدد الظلال الملتصقة بالزجاج لدرجة أنه لم يعد من الممكن تمييز من كان الظل الأول بينهم.
“انتظر لحظة……!”
وقبل أن يرتطم رأسي بالأرض، فقدت الوعي.
عندما فتحت عيني، كنت في مكان غريب.
‘أين أنا؟’
أمسكت برأسي الذي يكاد ينفجر من الألم ورفعت جسدي ببطء.
غرفة مظلمة. بداخلها سرير ومكتب، وعلى أحد الجوانب تعلقت مرآة دائرية كبيرة.
“ما هذا……؟”
في تلك اللحظة.
شعرت بحركة خارج الغرفة، شيء يتحرك بسرعة فائقة.
لم تكن هناك نوافذ في الغرفة لأتأكد، لكن بدا أن ذلك الشيء قد مر بالفعل.
ماذا يكون؟
شعرت بقشعريرة مخيفة.
[أهلاً بكِ أيها الزائر العزيز!]
فجأة، دوي صوت غريب في الغرفة.
نظرت حولي بذعر، فرأيت راديو موضوعًا بجانب المرآة. كان جهازًا قديمًا من النوع الذي نادراً ما نراه هذه الأيام.
منه انبعث صوت امرأة مبهج للغاية.
‘تبدو تمامًا كالموظفين في مدن الملاهي الذين يستقبلون الزبائن بحماس مبالغ فيه.’
ذلك النوع من الحماس الذي يمتص طاقتك بمجرد التواجد قربه.
[مرحبًا بكِ في مبنى “تيمات الذكريات”!]
تيمات الذكريات، والراديو.
[هل تبحثين عن شيء ما؟]
[في قبو مبنانا يوجد مزاد يبيع كل شيء! المزاد يتعامل مع كافة الأشياء النادرة والثمينة، وربما تجد الزائرة ما تبحث عنه هناك!]
[آه، هل ما تبحثين عنه هو “شخص” يا ترى؟]
كنت أعرف هذا المبنى.
لأنها كانت إحدى الحلقات التي عانى فيها “دان سوهيوك” بشدة في بداية القصة.
[لا تقلقي، نحن نتعامل مع البشر أيضًا! بالطبع لا نضمن إن كانوا أحياء، أو ما هي حالتهم إن كانوا كذلك! هه هه.]
[من الآن فصاعدًا، يرجى إنهاء “ألعاب الذكريات” التي يقدمها هذا الطابق.]
[في كل مرة تنهين فيها لعبة، ستقتربين أكثر من المزاد!]
[أنتِ الآن في طابق “أوجد الاختلافات”.]
كانت هذه الحلقة مفيدة لأنها كشفت لـ “دان سوهيوك” الحقيقة حول حياة أو موت والديه، لكنها أيضًا الحلقة التي تسببت في موته مرتين.
ألعاب الطفولة، ألعاب الهروب من الغرفة.
[يرجى ذكر الاختلافات بين الغرفة المنعكسة في المرآة والغرفة الحقيقية أمامكِ!].
[إذا كانت الإجابة صحيحة، سيفتح الباب تلقائيًّا وسيتم توجيهكِ للطابق السفلي.]
[حظًا موفقًا، ونتمنى لكِ وقتًا ممتعًا!]
للوهلة الأولى، قد يتبادر للذهن مقاهي “ألعاب الهروب”.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة أو المتعة بالتأكيد.
بدأ وجهي المنعكس في المرآة يشحب بمرور الثواني.
لأن تحت السرير المنعكس في المرآة، كان هناك شخص غريب يحمل سكين مطبخ.
لم تكن هذه مجرد لعبة، بل كانت صراعًا من أجل البقاء.
التعليقات لهذا الفصل " 26"