2
‘العودةُ المذهلةُ لِوليِّ العهدِ’
عودةُ صاحبِ السّموِّ الملكيِّ إيدن ستافيري فايسن ، الذي اعتلى منصبَ وليِّ العهدِ بفضلِ إنجازاتِهِ في الحربِ.
أوّلُ جدولِ أعمالِهِ هو حفلُ تنصيبِ وليِّ العهدِ الذي تمنّاهُ كلُّ شعبِ الإمبراطوريّةِ!
حاولتْ يوريليا فاييت تجاهلَ الكلماتِ التي زيّنتِ الصّفحةَ بِحجمٍ يصعبُ غضُّ البصرِ عنهُ ، و حرّكتْ يدَها التي تُمسكُ بِطرفِ الصّحيفةِ بِهدوءٍ.
لكنَّ الصّفحةَ التّاليةَ ، و التي تليها أيضًا ، كانتْ مليئةً بِتفاصيلِ حياةِ وليِّ العهدِ إيدن. بدا الأمرُ و كأنَّ الصّحيفةَ بأكملِها قد صُنعتْ لِتمجيدِهِ.
و لم يكن هذا حالَ اليومِ فقط. فمنذُ عودةِ وليِّ العهدِ قبلَ أسبوعٍ بعدَ سلسلةٍ من الانتصاراتِ و نهايةِ الحربِ ، و وسائلُ الإعلامِ تترصّدُ كلَّ حركاتِهِ و سكناتِهِ. كان من المدهشِ كيفَ يمكنُ لِقصّةِ شخصٍ واحدٍ أن تملأَ هذهِ الأوراقَ الكبيرةَ بِهذا الشّكلِ.
تصفّحتْ يوريليا العناوينَ سريعًا ، ورقةً تلوَ الأخرى ، حتّى توقّفتْ نظراتُها أخيرًا عند زاويةٍ معيّنةٍ.
‘مطلوبٌ خادماتٌ لِعائلةِ الكونت سيدني’
‘مطلوبٌ معلّمٌ منزليٌّ للابنِ الأكبرِ لِعائلةِ الفيكونت فوربيد’
‘مطلوبٌ خادماتٌ لِيومٍ واحدٍ لِتجهيزِ مأدبةٍ’
كانتْ هذهِ هي الصّفحةُ المخصّصةُ لِـ ‘إعلاناتِ التّوظيفِ’.
و على عكسِ الصّفحاتِ السّابقةِ ، بدأتْ عيناها تتحرّكانِ ببطءٍ لِئلّا تفوتَها كلمةٌ واحدةٌ ، بينما كانتْ يدُها التي تحملُ القلمَ تتحرّكُ بِسرعةٍ.
كانتِ الوظائفُ التي تستهدفُها هي الأعمالُ الورقيّةُ المكتبيّةُ ، أو التّعليمُ الموجّهُ لِلعامّةِ ، أو منصبُ سكرتيرةٍ لدى عائلةٍ نبيلةٍ مغمورةٍ.
“أتمنّى أن أتمكّنَ من العملِ في أحدِ هذهِ الأماكنِ”
لو أتاحوا لي العملَ فقط ، فأنا واثقةٌ من أنّني سأبذلُ قصارى جهدي.
المشكلةُ كانتْ في المقابلةِ. كان اجتيازُ المقابلةِ هو العقبةَ الأكبرَ بالنسبةِ لها ، و السّببُ كان واضحًا.
‘أينَ عملتِ من قبلُ؟’
‘لماذا تركتِ العملَ لدى البارون بانكس؟’
‘ليسَ لديكِ خطابُ توصيةٍ. انصرفي’
لم يكن غيابُ خطابِ التوصيةِ هو المشكلةَ الوحيدةَ ، بل كانتْ عاجزةً عن شرحِ ما حدثَ مؤخّرًا في منزلِ البارون بانكس.
سواء شرحت السّببَ بصدقٍ أو حاولت التّبريرَ بأنّهُ سوءُ تفاهمٍ ، لم يكن هناكَ جدوى.
في الواقعِ ، إذا اختلفَ قولُ النّبيلِ عن قولِ العامّيِّ في نفسِ القضيّةِ ، فإنَّ قولَ النّبيلِ يُعتبرُ هو الحقيقةَ دائمًا.
و حتّى لو لم يحدثْ ذلكَ الموقفُ ، كانتْ هناكَ مشكلةٌ جوهريّةٌ ؛ و هي حقيقةُ كونِها ابنةَ فاييت.
على الرغمِ من كونِ عائلةِ فاييت من العائلاتِ التي خدمتْ إمبراطوريّةَ فايسن لِفترةٍ طويلةٍ ، إلّا أنّها ارتكبتْ خيانةً بِمساعدةِ دولةِ كرالوس المعاديةِ في غزوِ و اضطهادِ إمبراطوريّةِ فايسن.
فالمعدّاتُ العسكريّةُ التي كانتْ تتاجرُ بها عائلةُ فاييت انتقلتْ إلى كرالوس ، و استُخدمتْ في ذبحِ مواطني فايسن الأبرياءِ.
ذلكَ الاسمُ الذي جعلَ يوريليا يومًا ما الأكثرَ تألُّقًا في العالمِ ، أصبحَ الآن يجرُّها إلى أعمقِ القيعانِ.
و بسببِ ذلكَ ، كانتْ تفشلُ في كلِّ مقابلةِ عملٍ ، ولا تزالُ في رحلةِ البحثِ عن وظيفةٍ.
“اليومَ ، يجبُ أن أبليَ بلاءً حسنًا”
حتّى و إن كانتْ قد تجرّعتْ مرارةَ الفشلِ حتّى الأمسِ ، فلا يوجدُ ضمانٌ بأنَّ اليومَ سيكونُ مثلَهُ.
بينما كانتْ تحاولُ مسحَ التّوقّعاتِ السيّئةِ من مخيّلَتِها و تستعدُّ لِإغلاقِ الصّحيفتِهِ بِنفسٍ حازمةٍ ، فُتحَ البابُ بِصوتِ صريرٍ. و ظهرتْ والدتُها ، إيزابيلا فاييت ، و هي تفوحُ منها رائحةُ الكحولِ الخفيفةِ.
كان شعرُ والدتِها غيرَ مرتّبٍ و منسدلًا على جانبٍ واحدٍ ، و لم تكن ترتدي سوى سترةٍ فوقَ ملابسِ النّومِ.
طوتْ يوريليا الصّحيفةَ بِهدوءٍ و حيّتْ والدتَها: “هل نِمتِ جيّدًا؟”
“لم أستطعِ النّومَ بِسببِ الضجيجِ. أولئك المجانين. منذُ كم يومٍ و هذا مستمرٌّ؟”
يبدو أنَّ الألعابَ النّاريّةَ في اللّيلةِ الماضيةِ ، التي ربّما بعثتِ التأثُّرَ في نفوسِ البعضِ ، لم تكن بالنسبةِ لِوالدتِها سوى تلوُّثٍ ضوضائيٍّ.
اتّجهتْ نظراتُ والدتِها المتذمّرةُ نحو الصّحيفةِ التي كانتْ يوريليا تحاولُ إخفاءَها بِحذرٍ. و عندما رأتِ الكلماتِ المكتوبةَ في الصّفحةِ الأولى و الرّسمَ التّوضيحيَّ لِوليِّ العهدِ ، ازدادتْ تقطيبةُ حاجبيها.
“لماذا تستمرّينَ في شراءِ هذهِ الأشياءِ المنحوسةِ”
“أنا آسفةٌ. أنتِ تعلمينَ يا أمي ، أنا أبحثُ عن عملٍ هذهِ الأيامِ”
“هل يُعقلُ أنّكِ لا تزالينَ تأملينَ في لقاءِ سموِّهِ؟”
“لا ، ليسَ كذلكَ أبدًا”
اعتذرتْ يوريليا بِسرعةٍ ، لكنَّ والدتَها بدتْ غيرَ مصدّقةٍ ، و ظلّتْ تُراقبُ ابنتَها بِأعينٍ ضيّقةٍ.
طوتِ الفتاةُ الصّحيفةَ و وضعتْها جانبًا و هي تكرّرُ عذرَها: “قلتُ لكِ ليسَ الأمرُ كما تظنّينَ”
“من قالَ شيئًا؟”
أبعدتِ الوالدةُ نظرَها و سارتْ بِخطواتٍ ثقيلةٍ نحو الخزانةِ ، و أخرجتْ زجاجةَ خمرٍ.
كانتْ يوريليا متأكّدةً من أنّها تخلّصتْ من كلِّ الخمورِ في المنزلِ ، و لم تفهمْ من أينَ ظهرتْ تلكَ الزّجاجةُ.
“لا يزالُ الوقتُ صباحًا”
“ما الفرقُ إن كان صباحًا أو مساءً. لا أحدَ يرانا على أيِّ حالٍ”
ردّتِ الوالدةُ بِسخريةٍ و هي تفتحُ سدادةَ الفلّينِ لِزجاجةِ خمرٍ رخيصةٍ. كان منظرُها و هي تشربُ من الزّجاجةِ مباشرةً يبدو طبيعيًّا جدًّا ، لِدرجةٍ تجعلُ من الصّعبِ تصديقَ أنّها كانتْ سيّدةً نبيلةً تهتمُّ بِمصدرِ النّبيذِ و سنةِ إنتاجِهِ حتّى وقتٍ قريبٍ.
هذهِ التلقائيّةُ في تصرُّفِ والدتِها كانتْ تُمزّقُ قلبَ يوريليا.
“لا تنظري إليَّ هكذا. أليسَ من الأفضلِ لكِ أن أموتَ سريعًا و أنا أشربُ هكذا”
“قلتُ لكِ لا تقولي مثلَ هذا الكلامِ”
“عدمُ النُّطقِ بالكلماتِ لا يُغيّرُ الحقيقةَ”
عارضتْها والدتُها بِبساطةٍ ، ثمَّ شربتْ جرعةً أخرى و أكملتْ حديثَها: “هذهِ الأمُّ قد تخلّى عنها والداها أيضًا. لن أتفاجأَ الآن لو تخلّى عني أبنائي”
تنهّدتْ يوريليا بِخفّةٍ ثمَّ وقفتْ ، و اقتربتْ من والدتِها و احتضنتْها من الخلفِ بِرقّةٍ.
تلكَ الوالدةُ التي كانتْ تفوحُ منها دائمًا رائحةُ جسدٍ طيّبةٍ ، لم تكن تفوحُ منها الآن سوى رائحةِ كحولٍ قويةٍ. و مع ذلكَ ، استندتْ يوريليا إليها و هي تبتسمُ.
“أنتِ غاليةٌ عليَّ يا أمي. أغلى من أيِّ شيءٍ في العالمِ”
“لقد كبرتِ ، لماذا تتشبّثينَ بي هكذا ، ابتعدي”
“أنا أحبُّكِ يا أمي”
“كفّي عن هذا الكلامِ المعسولِ”
“و أحبُّكِ حتّى و أنتِ تقولينَ ذلكَ”
“ماذا قدّمتُ لكِ حتّى تحبّيني”
“مجرّدُ وجودكِ يمنحُني القوّةَ”
“حتّى و أنا أجلسُ في المنزلِ و أشربُ الخمرَ فقط؟”
“… سيكونُ من الأفضلِ لو قلّلتِ من شربِ الخمرِ قليلًا”
“يبدو أنَّ هذا سيكونُ صعبًا يا ابنتي”
بِسببِ نبرةِ صوتِها التي لانتْ قليلًا ، ابتعدتْ يوريليا عن والدتِها و سحبتْ زجاجةَ الخمرِ من يدِها بِلُطفٍ.
كانتِ الوالدةُ تنظرُ إليها بِتعبيرٍ عابسٍ.
“جدي سيتّصلُ بنا قريبًا. لا يمكنكِ أن تظهري أمامَهُ بِهذا المظهرِ”
“أنتِ تتحدّثينَ في هراءٍ. كم مرّةً يجبُ أن أقولَ لكِ إنّنا منبوذون”
أجابتِ الوالدةُ بِحزمٍ: “لقد فقدنا كلَّ شيءٍ ، و مرّتْ ثلاثُ سنواتٍ بالفعلِ. و مع ذلكَ انظري. لا نزالُ نعيشُ في هذا الشّارعِ القذرِ. ذلكَ العجوزُ لن يبحثَ عنّا أبدًا”
“…….”
“و كذلكَ خطيبُكِ السّابقُ”
قالتِ الوالدةُ بتهكُّمٍ و هي تُحدّقُ في الرّسمِ التّوضيحيِّ لِوليِّ العهدِ المحاطِ بِالعديدِ من الآنساتِ النّبيلاتِ.
“في اللّحظةِ التي خانتْ فيها عائلةُ فاييت ، أصبحتِ العلاقةُ بينكِ و بينَ سموِّهِ مستحيلةً”
نظرتِ الوالدةُ إلى ابنتِها بِأعينٍ يملؤُها النُّعاسُ و التّعبُ: “لذا ، إذا كنتِ تحملينَ أملًا في أن يعودَ إليكِ بِسببِ مشاعرِ الماضي ، فتخلّي عنهُ. لا يوجدُ رجلٌ مجنونٌ يتزوّجُ من عدوّةٍ أصبحتْ كالمتشرّدةِ”
بعدَ أن أنهتْ كلامَها ، خطفتِ الوالدةُ زجاجةَ الخمرِ من يدِ يوريليا مرّةً أخرى و تجرّعتْ منها جرعةً.
راقبتْ يوريليا والدتَها بِصمتٍ ، ثمَّ حوّلتْ نظراتِها ببطءٍ نحو وجهِ وليِّ العهدِ المرسومِ في الصّحيفةِ.
في ذاكرتِها ، كان يملكُ وجهًا جميلًا يميلُ إلى الصِّبا ، لكنَّ المرسومَ في الصّحيفةِ كان رجلًا كاملًا ، أصبحَ جسدُهُ أكبرَ ، و يفوحُ منهُ طابعٌ رجوليٌّ يليقُ بوصفِهِ المهيب.
منظرُهُ و هو محاطٌ بالنّبلاءِ في وسطِ قاعةِ الاحتفالِ كان يبدو و كأنّهُ من عالمٍ آخرَ غريبٍ عنها.
“لا تقلقي يا أمي ، لن يحدثَ ما يقلقكِ”
فنحنُ نسيرُ في طريقينِ مختلفينِ لِدرجةِ أنّنا لن نلتقيَ حتّى بِالصدفةِ.
ابتسمتْ يوريليا لِوالدتِها و طوتِ الصّحيفةَ و وضعتْها في سلّةِ المهملاتِ.
و لم يكن هناكَ أيُّ أثرٍ لِلظلالِ على وجهِها وهي ترتدي مئزرَها.
* * *
تشششش—
دفعَ رجلٌ ضخمُ الجثّةِ يوريليا فسقطتْ على الأرضِ ، و تناثرَ عليها ملحٌ خشنٌ.
أغمضتْ يوريليا عينيها بِقوّةٍ و هزّتْ رأسَها ، و هي تتلقّى الملحَ المنهمرَ الذي لم تستطعْ تجنُّبَهُ ، تمامًا كحيوانٍ خرجَ للتوِّ من الماءِ.
سُمعَ صوتُ طقطقةٍ مع سقوطِ حبّاتِ الملحِ التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. شعرتْ بِطعمِ ملوحةٍ شديدةٍ في أنفاسِها و فمِها ، لِدرجةِ أنّها شعرتْ و كأنّها سمكةٌ مُمَلّحةٌ.
“اغربي عن وجهي”
“…….”
“إذا خطتْ قدماكِ هنا مرّةً أخرى ، فلن ينتهي الأمرُ عند هذا الحدِّ”
كان الصّوتُ الباردُ الذي انطلقَ من فوقِ رأسِها ينمُّ عن كراهيةٍ واضحةٍ ، و كأنَّ صاحبَهُ يريدُ تمزيقَها و قتلَها في تلكَ اللّحظةِ.
و كأنّهُ يريدُ إثباتَ أنَّ تحذيرَهُ ليسَ مجرّدَ كلامٍ ، تقدّمَ نحوها بِخطوةٍ تهديديّةٍ.
شعرتْ يوريليا بالتّهديدِ من تصرُّفِ الرّجلِ ، فوقفتْ دونَ أن تجدَ وقتًا لِالتقاطِ أنفاسِها ، و حيّتْهُ ثمَّ استدارتْ. و من خلفِ ظهرِها و هي تبتعدُ خطوةً تلوَ الأخرى ، بَصقَ الرّجلُ على الأرضِ.
“لستُ أنوي إفسادَ تجارتي ، كيفَ تجرؤُ حثالةٌ من فاييت على المجيءِ إلى هنا؟ يا لَلنّحسِ”
و كأنَّ وباءً قد حلَّ بالمكانِ و رحلَ ، رشَّ الملحَ مرّةً أخرى ثمَّ أغلقَ البابَ بِقوّةٍ.
عندها فقط أخرجتْ يوريليا أنفاسَها المحبوسةَ. كانتْ نظراتُها الموجّهةُ لِلأمامِ تحملُ شعورًا بالإرهاقِ.
‘لم يكن الأمرُ غيرَ متوقّعٍ’
كلُّ الأماكنِ التي زارتْها حتّى الآن لِلبحثِ عن عملٍ ، كانتْ تُظهرُ الكراهيةَ تِجاهَ فاييت بِدرجاتٍ متفاوتةٍ. كلُّ ما في الأمرِ أنَّ هذهِ المرّةَ كانتْ خشنةً قليلًا.
لذا ، كان أمرًا معتادًا. و مسألةً يمكنُ اعتبارُها عاديةً ولا تستدعي الاهتمامَ.
التعليقات لهذا الفصل " 2"