1
النّبلاءُ قاذوراتٌ على هيئةِ ورودٍ.
تفاعلتْ يوريليا فاييت بعمقٍ مع مقولةٍ لِفيلسوفٍ شهيرٍ في الماضي.
“يعودُ صاحبُ السّموّ الملكيّ وليُّ العهدِ اليومَ أخيرًا بعد النّصرِ ، فكيفَ تشعرين؟”
كان النّبلاءُ يبدونَ من بعيدٍ جميلين و ذوي رائحةٍ زكيّةٍ ، لكنّهم عند الاقترابِ منهم ، ينشغلونَ بوخزِ الآخرين و خدشِهم بأشواكِهم ، ولا ينشرونَ سوى رائحةٍ كريهةٍ ضارّةٍ.
“خطيبُكِ الذي تخلّيتِ عنهُ سيعودُ بطلًا للإمبراطوريّةِ ، سيعودُ وليًّا للعهدِ. ألا تشعرينَ بالأسفِ؟”
“…….”
“لو كنتُ مكانكِ ، لشعرتُ بِحسرةٍ تمنعُني حتّى من النّومِ”
كان وجهُ البارونةِ صوفيا بانكس ، التي انهمرت بأسئلتِها التي لا تُعدّ أسئلةً بل سخريةً ، مزيجًا من الفضولِ و الاشمئزازِ تجاهَ يوريليا فاييت.
و في المقابلِ ، كانت يوريليا تشعرُ بالارتباكِ فحسب.
فمنذُ عملِها كَسكرتيرةٍ في منزلِ البارونِ بانكس لِمُدّةِ عامٍ تقريبًا ، لم يكن بينها و بينَ البارونةِ أيُّ تواصلٍ مباشرٍ ، و فجأةً استدعتْها إلى الرّدهةِ لتتحدّثَ عن شؤونِها الخاصّةِ أمامَ الجميعِ.
راقبتْ البارونةُ تعبيراتِ وجهِ يوريليا فاييت بصمتٍ ثمّ سألتْ مرّةً أخرى: “هل تشعرينَ ، رُبّما ، برغبةٍ في إغوائِهِ مرّةً أخرى؟”
“إذا لم يكن لديكِ المزيدُ من الاستفساراتِ ، فسأنصرفُ. لديّ عملٌ وجّهني بهِ البارون”
بالنّسبةِ ليوريليا ، لم يكن هناكَ سببٌ للردّ ، ولا حاجةَ للإجابةِ على مثلِ هذا السّؤالِ. و رغمَ علمِها أنّ ذلكَ قد لا يكونُ لائقًا ، قرّرتْ يوريليا مغادرةَ المكانِ.
و كما هو متوقّعٌ ، أثارَ خيارُها غضبَ البارونةِ. و بينما كانتْ تحني رأسَها باحترامٍ لِتعتدلَ بعدها ، أمسكَ أحدهم بذراعيها فجأةً. و في لحظةٍ ، اصطدمَ رأسُها بالأرضِ بِقوّةٍ.
شعرتْ بِخدرٍ في جبهتِها.
و في الوقتِ نفسِهِ ، اخترقَ صوتٌ باردٌ مسمعَها: “من الأفضلِ لكِ أن تعرفي قدركِ ، يوريليا فاييت”
“…….”
“ألا تزالينَ تظنّينَ نفسَكِ ابنةَ ماركيز؟”
البارونةُ بانكس ، التي صرختْ بصوتٍ ملؤُه الغضبُ ، غيّرتْ تعبيراتِ وجهِها في لحظةٍ ، و بدأتْ تُدندنُ و كأنّها مستمتعةٌ بهذا الموقفِ.
“هل تشعرينَ بالخزي؟ و لكن ما العملُ. هذا هو مكانُكِ الآن”
ماضٍ ليسَ بِبعيدٍ جدًّا. حتّى سنواتٍ قليلةٍ مضتْ ، كانتْ عائلةُ فاييت أغنى عائلةٍ في هذهِ الإمبراطوريّةِ لدرجةِ أنّ أحدًا لا يجرؤُ على منافستِها.
و مكانةُ العائلةِ التي كان الجميعُ يتطلّعُ إليها ، سقطتْ كما قالتْ البارونةُ ، بل و غُرستْ تحتَ الأرضِ.
لأنّها لم تعدْ موجودةً الآن.
“يوريليا فاييت. أنا أعرفُ عنكِ الكثيرَ. منذُ صغركِ و أنتِ تتلاعبينَ بِأميرينِ جليلينِ في يدٍ واحدةٍ ، و حتّى بعدَ إبادةِ عائلتكِ ، لم تستطيعي تركَ عادتكِ و حاولتِ إغواءَ ابنِ كونتٍ بريءٍ لتُفسدي زواجَهُ”
“…….”
“على أيّةِ حالٍ ، ماذا يمكنُ أن ننتظرَ من شخصيّةٍ فسختْ خِطبتَها بمجرّدِ خروجِ خطيبِها إلى ساحةِ المعركةِ ، لتنتقلَ إلى شقيقِهِ. يا لَقبحِ جشعِكِ. انظري إلى حالكِ الآن ، أردتِ الصّعودَ عاليًا فإذا بكِ تسقطينَ و تتلوّينَ على الأرضِ”
توقّفتْ البارونةُ عن السخريةِ لِفترةٍ قصيرةٍ ثمّ أطلقتْ ضحكةً ساخرةً.
“هل تعرفينَ لماذا تركتُكِ تعملينَ في هذا القصرِ رغمَ علمي بكلّ تلكَ القصصِ؟ لأنّ رؤيتَكِ و أنتِ تتمرّغينَ في القاعِ كانتْ ممتعةً. و لكن يا للأسفِ. لم أتوقّعْ أن يصبحَ ذلكَ مشكلةً تخصُّني”
“آه”
أدركتْ يوريليا من كلماتِها الأخيرةِ سببَ تعرُّضِها لهذا الموقفِ.
يبدو أنّ ما حدثَ مؤخّرًا قد وصلَ إلى مسامعِها.
‘منذُ أن رأيتُكِ في مأدبةٍ منذُ زمنٍ طويلٍ ، و أنا أحبُّكِ. كنتِ شخصًا لا أجرؤُ حتّى على الاقترابِ منهُ و لكن …’
كان هذا اعترافًا تلقّتْهُ قبلَ أيّامٍ قليلةٍ من زوجِها البارون.
‘أنا آسفةٌ ، أيّها البارون. أنا أعتبرُكَ صاحبَ عملٍ لي فقط’
بالطبعِ ، رفضتْهُ في وقتِها بِحزمٍ. و لأنّ المكانَ كان المكتبةَ و لم يكن هناكَ سواهما ، ظنّتْ أنّ الأمرَ سيمرُّ دونَ أن يعلمَ أحدٌ. و لكن يبدو أنّ هناكَ من كان يتنصّتُ.
و الشخصُ الذي ينقلُ مثلَ هذا الموقفِ بِسهولةٍ ، لا يمكنُ أن يتحدّثَ عنها بِشكلٍ جيّدٍ أبدًا.
كان غضبُ البارونةِ أمرًا طبيعيًّا. فَهما في شهرِ العسلِ الذي لم يجفَّ حبرُ عقودِهِ بعدُ ، و قد ظهرتْ فضيحةٌ كهذهِ.
“هيّا ، حاولي التّبريرَ. ماذا كنتِ تنوينَ بفعلكِ لإغواءِ زوجي”
فكرتْ يوريليا لِلحظةٍ فيما إذا كان ينبغي عليها التّبريرُ بناءً على اقتراحِها. لكنّها كانتْ متيقّنةً من أنّ كلماتِها لن تصلَ إلى البارونةِ مهما برّرتْ.
فلو كانتْ تنوي الاستماعَ بإنصافٍ منذُ البدايةِ ، لما قامتْ بِإهانةِ شخصٍ بهذا الشّكلِ.
لذلكَ ، و بدلًا من التّبريرِ ، قدّمتْ يوريليا كلماتِ الاعتذارِ التي قد يرغبُ بها الطّرفُ الآخرُ.
“أنا آسفةٌ”
“هذا كلُّ شيءٍ؟”
سخرتْ البارونةُ بانكس من اعتذارِ يوريليا الذي نُطقَ بيأسٍ. و شعرتْ يوريليا بِنظراتِها المليئةِ بالغضبِ.
ثمّ قامتْ بوضعِ قدمِها فوقَ رأسِ يوريليا و ضغطتْ عليهِ بِقوّةٍ.
“يا لكِ من وقحةٍ و قذرةٍ و مقزّزةٍ”
“…….”
“تذكّري جيّدًا. قد تكونينَ في وقتٍ ما أكثرَ نبْلًا من أيِّ شخصٍ في العالمِ ، لكنّكِ الآن مجرّدُ عاهرةٍ مبتذلةٍ”
حذّرتْها و كأنّها تصبُّ عليها لعنةً.
“مثلما أفسدتِّ زواجي السّعيدِ ، لن أترككِ و شأنكِ أبدًا. اذهبي إلى أيِّ مكانٍ آخرَ و حاولي إغواءَ أبناءِ النّبلاءِ البُسطاءِ. في اللحظةِ التي تحاولينَ فيها الزّحفَ للخروجِ من هذهِ البالوعةِ ، سأقطعُ تلكَ الساقينِ”
“…….”
“لا أريدُ رؤيتكِ بعدَ الآن. اغربي عن وجهي”
عندما رفعتْ قدمَها عن رأسِها و استدارتْ ، سُحبتْ يوريليا إلى الخارجِ دونَ أن تُتاحَ لها فرصةٌ للمقاومةِ.
بعدَ ذلكَ ، لم تتذكّرْ جيّدًا كيفَ غادرتْ القصرَ. كلُّ ما بقيَ في ذاكرتِها بشكلٍ ضبابيٍّ هو نظراتُ الكراهيةِ و ضحكاتُ الاستهزاءِ التي وُجّهتْ إليها.
عندما استعادتْ وعيَها ، كانتْ تمسكُ بِبضعِ عملاتٍ معدنيّةٍ في يدِها ، و تسيرُ في زقاقٍ ضيقٍ للغايةِ هربًا من الضجيجِ الصّاخبِ.
اجتاحتْها موجةٌ من الشعورِ بالفراغِ.
منذُ فقدانِ عائلتِها و حتّى اليومِ ، بذلتْ قصارى جهدِها لِتعيشَ بِكلِّ قوّتِها. و كانتْ واثقةً من أنّها لم تفعلْ شيئًا يدعو للخجلِ خلالَ تلكَ الرّحلةِ.
لكن لماذا تجري الأمورُ هكذا في كلِّ مرّةٍ؟
أينَ بدأ الخطأُ؟
بالتأكيدِ ، كان هناكَ وقتٌ كان فيهِ الجميعُ في العالمِ ودودينَ معها …
لطالما عاشتْ في قصرٍ فاخرٍ محاطةً بالحبِّ. كان والداها الحنونانِ و اللّطيفانِ ، و الخدمُ الذينَ يعاملونَها دائمًا بِنظراتٍ دافئةٍ ، معها باستمرارٍ.
و حتّى خارجَ القصرِ كان الأمرُ سيّانَ. كان النّبلاءُ الذينَ تخالطُهم لا يبخلونَ عليها بالثّناءِ دائمًا.
في ذلكَ الوقتِ ، لم تكن تعلمُ.
أنّ العالمَ يمكنُ أن يكونَ قاسيًا و باردًا إلى هذا الحدِّ.
و فجأةً في أحدِ الأيامِ ، أصبحتْ عائلةُ فاييت خائنةً للإمبراطوريّةِ و أُبيدتْ ، فانهارَ العالمُ الذي كانتْ تؤمنُ بهِ.
تفرّقَ خدمُ القصرِ الذينَ كانوا يعتنونَ بها ، و النّبلاءُ من طبقتِها الذينَ كانوا في غايةِ اللّطفِ و التّقديرِ خلعوا أقنعتَهم و بدأوا في نهشِها.
فاضَ العالمُ بِأشخاصٍ يكرهونَ حتّى نَفَسَها ، و كان هناكَ من يشيرُ إليها بِأصابعِ الاتّهامِ معتبرًا مجرّدَ بقائِها على قيدِ الحياةِ خطيئةً.
و كأنّ تلكَ الأيامُ التي كانوا يرفعونُ من شأنِها فيها ، معتبرينَ وجودَها نورًا و بركةً ، كانتْ مجرّدَ حلمٍ.
في تلكَ اللّحظةِ التي خفضتْ فيها يوريليا رأسَها مع ابتسامةٍ عاجزةٍ—
صبغتِ السّماءُ ألوانَها مع صوتِ انفجارٍ كبيرٍ. و في الوقتِ نفسِهِ ، أُضيءَ ما أمامَها الذي كان مليئًا بالظلالِ لِفترةٍ وجيزةٍ ، قبلَ أن يكتسيَ بِظلامٍ أكثرَ دُكنةً.
و بعدَ ذلكَ مباشرةً—
“واااا!”
بدأ هتافٌ عالٍ يتردّدُ من مكانٍ ما. لقد كان هتافًا هائلًا يختلفُ في مستواهُ عمّا سبقَهُ.
“صاحبُ السّموّ وليُّ العهدِ!”
“سموُّكَ!”
“بطلُ فايسن!”
كان الصّوتُ قادمًا من الطّريقِ الرّئيسيِّ الواقعِ على الجانبِ الآخرِ من الزّقاقِ الذي تقفُ فيهِ الآن.
“… هل قيلَ إنّهُ يعودُ اليومَ”
الآن ، خلفَ ذلكَ الجدارِ ، كان هناكَ وليُّ العهدِ ، إيدن.
عندما نظرتْ إلى السّماءِ ، كانتِ الألعابُ النّاريّةُ التي تُطلقُ أضواءً متألّقةً للغايةِ تنفجرُ تِباعًا. زلزلَ الهتافُ الأرضَ. و شعرتْ و كأنَّ فرحةَ النّاسِ و مجدَهُ يتغلغلانِ حتّى تحتَ جلدِ يوريليا.
و فجأةً ، طرقَ مسمعَها صوتُ رجلٍ خجولٍ كانتْ قد خبّأتْهُ في أعماقِ ذاكرتِها.
‘آنسةُ فاييت ، أرجو أن تتزوّجيني’
كان وجهُهُ و هو يقدّمُ خاتمًا من الياقوتِ الأحمرِ المتألّقِ و يطلبُ الزّواجَ ، يُعبّرُ عن مشاعرَ كانتْ هي نفسُها تراها لِأوّلِ مرّةٍ آنذاك.
ربّما لم يكن يعرفُ حقًّا أنّ الإجابةَ كانتْ محسومةً بالفعلِ ، فقد أظهرَ علاماتِ توتّرٍ و قلقٍ لِدرجةٍ خطيرةٍ.
‘روبي ، لا أستطيعُ التّفكيرَ في مستقبلي بدونكِ. أنتِ النّورُ في طريقي ، و أملُ حياتي ، و كلُّ ما يُشكّلُ وجودي’
‘…….’
‘لقد تحمّلتُ كلَّ شيءٍ حتّى الآن و أنا أحلمُ باليومِ الذي سأكونُ فيهِ معكِ. الآن ، لا أريدُ أن أكونَ أميرًا ، بل زوجُكِ ، و ماركيز فاييت ، لأقضي حياتي معكِ’
حتّى و إن كان عليهِ التّخلّي عن كلِّ ما حقّقَهُ لِيظلَّ معها ، لم يكن أمامَ يوريليا سوى شيءٍ واحدٍ لتفعلَهُ لهُ.
في اللّحظةِ التي نطقتْ فيها بكلمةِ الموافقةِ ، امتلأتْ عيناهُ بالبهجةِ و السعادةِ لِدرجةٍ جعلتْها تكافحُ لِحبسِ دموعِها من شدّةِ التأثّرِ. فجأةً ، اجتاحتْها تلكَ المشاعرُ من جديدٍ.
‘أحبُّكِ ، روبي. سأحبُّكِ حتّى آخرِ يومٍ في عمري’
لا يزالُ صوتُهُ و هو يعترفُ بِحبّهِ بِنبرةٍ مبلّلةٍ بالعاطفةِ حيًّا في ذاكرتِها.
عادتْ عيناها ، اللّتانِ غامتْ رؤيتُهما بسببِ الألعابِ النّاريّةِ الملونةِ ، لِتستعيدا بريقَهُما. و سقطتْ نظراتُها التي كانتْ موجّهةً نحو السّماءِ إلى الأرضِ فجأةً و كأنّها تتجنّبُ ذلكَ الضّوءَ المتألّقَ. ثمّ رفعتْ يوريليا رأسَها و حدّقتْ في الطّريقِ الممتدِّ أمامَها.
“… كم هذا أحمق”
ظنّتْ أنّها بدأتْ تُفكّرُ في أشياءٍ لا طائلَ منها وسطَ الشّارعِ. فكلُّ ذلكَ أصبحَ من الماضي على أيِّ حالٍ.
ابتلعتْ ضحكةً ساخرةً و واجهتِ الواقعَ أمامَ عينيها.
الطّريقُ الذي كان مشرقًا و مليئًا بالضّحكِ لم يعدْ موجودًا في مستقبلِها. و كلّما زادَ تألّقُ الضّوءِ ، زادَ المكانُ الذي تقبعُ فيهِ ظُلمةً.
بالنّسبةِ لِشخصٍ ما ، هي حياةٌ سقطتْ و تتمرّغُ في القاعِ. و مع ذلكَ ، خطتْ يوريليا خطوةً تلوَ الأخرى بابتسامةٍ على شفتيها.
نحو مكانٍ أكثرَ ظُلمةً و تفوحُ منهُ رائحةٌ كريهةٌ.
مكانٌ لا يصله شعاعُ مجدِهِ.
لأنّ هذا هو المكانُ الذي يجبُ أن تكونَ فيهِ الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 1"