2 - ٱلخَائِنُ ٱلنَّبِيلُ.
استيقظتُ مع انشقاق الضوء على أطراف الغرفة؛ ضوءٍ لا يقتحم المكان، بل يتسلّل إليه في تؤدة، كأنّ الصباح يستأذن الأشياء قبل أن يحضر. كان أبيضَ صافياً، يعلن النهار دون ضجيج، ويكشف السكون دون أن يبدّده.
فتحتُ عينيّ على السقف الذي ألفتُه، بثباته وهدوئه، فاستقرّ في صدري شعورٌ بالسكينة؛ سكينة من يعرف موضعه، ولا يخشى الضياع. لم يكن في اللحظة ما يدعو إلى التفكير، ولا ما يستوجب الحذر، كانت مكتملةً في بساطتها، مكتفيةً بذاتها.
بدا كلّ شيءٍ على حاله المستقيم: النسيم لطيف، والوقت منبسط، والنهار يتقدّم بلا استعجال، كأنّه يمنحني فسحة العيش دون مطالبة. جلستُ على حافة السرير، لمستُ خصلات شعري بأصابع هادئة، مستسلمةً لرضا خفيّ، راسخ؛ ذلك الرضا الذي لا يُسأل عنه، لأنّه لا يحتاج إلى تفسير.
أدركتُ—دون وعيٍ كامل—أن الطمأنينة ليست لحظةً عابرة، بل حالٌ إذا حلّ، لم يُجادَل، وأن الرضا قد يكون هذا التواطؤ الصامت بين القلب وأيامه، حين لا يخاصم أحدهما الآخر.
ومن خلف الباب، جاء النداء.
صوتٌ أعرفه كما أعرف نفسي، لا حدّة فيه ولا تكلّف، يحمل دفئًا مألوفًا لا يُصطنَع:
«إيري… أأنتِ مستيقظة؟»
أجبتُها وأنا أنهض، بصوتٍ مطمئن، كأنّ الطمأنينة نفسها هي من تجيب:
«نعم، سأخرج حالًا.»
تحرّكتُ في الغرفة على مهل، ارتديتُ ثوبي، ومررتُ بنظري على المرآة مرورًا عابرًا؛ لا تفحّص فيه ولا تدقيق، فكلّ ما فيّ كان في مكانه، وكلّ ما حولي مألوفًا على نحوٍ لا يثير سؤالًا.
وحين فتحتُ الباب، شعرتُ بأنّ الحياة—للمرة الأولى منذ زمنٍ لا أُحسن عدَّه—لا تعارضني، بل تمضي بي، وأنّ ما أعيشه ليس فضلًا طارئًا، ولا نعمةً مستعارة، بل حالٌ استقرّ، ووجودٌ رضيتُ به… فاستراح قلبي له.
خرجتُ أحمل هذا الإحساس في صدري؛ إحساسًا ساكنًا، متماسكًا، لا يعد بشيء، ولا ينذر بشيء،
كأنّ الصباح اختار أن يكون صامتًا.
كان الممرّ يكتسي الضوء، لا ساطعًا ولا خافتًا، بل على تلك الدرجة التي تجعل الأشياء أكثر ألفةً ممّا هي عليه. تقدّمتُ بخطًى خفيفة، وقبل أن أبلغ نهايته، كانت هي هناك.
تقف عند طرف المطبخ، تميل قليلًا نحو النافذة، كأنها تُنصت إلى الصباح قبل أن تُنصت للعالم. انساب شعرها الورديّ على كتفيها في تموّجٍ ناعم، لا يلفت الانتباه بقدر ما يرسخ في الذاكرة، وتحت ذلك الشعر، عينان سوداوان، عميقتان، تحملان من الهدوء ما يجعل النظر إليهما فعل طمأنينة. بشرتها البيضاء التقطت الضوء برفق، لا انعكاس فيه ولا بريق مصطنع، بل صفاءٌ بسيط، كأن النور خُلِق ليجاورها.
لم تحتج أن تلتفت.
علمتُ أنها شعرت بي.
«صباح الخير، يا نائمة الصباح.»
قالتها بنبرةٍ خفيفة، فيها شيء من المزاح، وشيء أكبر من الحنان.
لم أجب.
اندفعتُ نحوها بدلًا من ذلك، كما أفعل دائمًا، أحطتُ خصرها بذراعيّ دون تفكير، وألصقتُ وجهي بكتفها، كأن المكان الطبيعي لي هو هناك تحديدًا. ضحكت ضحكة قصيرة، تلك التي أعرفها، ورفعت يدها لتربّت على شعري.
«تمهّلي…» قالت، «لم أهرب.»
رفعتُ رأسي، ابتسمتُ، ثم طبعتُ قبلة سريعة على خدّها، قبلة بلا تخطيط أو إستئذان، واحدة من تلك القبل التي تُفهم بلا كلمات.
«أعرف.»
قلتُها بخفّة، «لكنني أحبّ التأكّد.»
هزّت رأسها، وفي عينيها تلك النظرة التي تجمع بين الاستسلام والامتنان، كأنها تعوّدت على اندفاعي، بل صارت تنتظره. ناولتني كوبًا دافئًا، ولم تقل شيئًا آخر، وكأن الصمت بيننا لغة قائمة بذاتها.
جلستُ قربها، أحرّك الكوب بين يديّ، أراقب تفاصيلها الصغيرة: طريقة وقوفها، ميل كتفها، كيف تترك خصلة من شعرها خلف أذنها دون وعي. لم يكن في المشهد ما يلفت الانتباه لو رآه غريب، لكنه بالنسبة لي كان امتلاءً كاملًا، لحظةً لا ينقصها شيء.
أدركتُ—وأنا أتنفّس هذا القرب—أن بعض العلاقات لا تُبنى على الكلام، بل على الحضور. وأن الأمومة، حين تكون صادقة، لا تُشعِر صاحبها بالامتنان فحسب، بل بالأمان… ذلك الأمان الذي يجعل الحياة أخفّ وطأة، وأكثر قابلية للعيش.
ضحكتُ على شيء قالته، لا أذكره الآن، وربما لم يكن مهمًا أصلًا. المهم أنّني كنتُ هناك، وكانت هي هنا، وأن هذا الصباح—مرةً أخرى—مرّ دون أن يطالبني بشيء سوى أن أكون هناك.
وقفتُ للحظة، أتنفّس عبق الصباح الذي تسرّب إلى أركان المنزل، وأستشعر الطمأنينة التي لا يعرف قيمتها إلا من عاش بين من يحبّهم.
رصدتُ خطوات أمّي تتجه نحو غرفتها، فأسرعتُ لألحقها، ومع كل خطوةٍ، كان الوقت يتباطأ، والألوان تتهادى أمامي كما لو أنها تنتظرني. هناك، حيث تنتصب الأوراق والفُرش، وحيث تنبض الأفكار بصمتٍ متأنٍ، كنتُ على موعدٍ مع درسٍ لا ينسى … مع أمّي، ومع حلمها الذي امتزج بحبي لوجودها.
كان باب الغرفة مواربًا، ومنه تسلل ضوء الصباح إلى الطاولة الواسعة الممتلئة بالأوراق، ضوءٌ أبيض هادئ، لا يوقظ الأشياء بقدر ما يعلن بدء يوم جديد.
وقفت أمّي أمام لوحِ الرّسم، ومِئزرها يكسوها برفق، وشعرها مرفوع بإهمالٍ أنيق، وفي يدها لوح الألوان، تتحرك الفرشاة بين أصابعها برشاقة وبهدوء كمن ينسج لحظةً من الزمن.
أخَذَت تَرسِم، كل خطّ يُمحى، وآخر يُعاد، ثم توقف قصير قبل أن تُكمل.
سألتها: «لماذا لا تُكملي مباشرةً؟ يبدو التصميم واضحًا.»
أجابت، دون أن تلتفت إليّ: «الوضوح خدّاع، يا صغيرتي.»
اقتربتُ، وفضولي يملؤني: «وكيف ذلك؟»
قالت بهدوء، وعينها على اللوح: «أحيانًا ما يبدو صحيحًا للوهلة الأولى… هو أفقر الخيارات على الإطلاق. العجلة تُرضي توقعات الآخرين، لا الجودة التي تخلّد العمل.»
سكتُّ، أتابع يدها وهي تترك الفرشاة جانبًا، وتنتقل إلى القماش. قامت بفرشه، قاسته بدقة، ثم توقفت قبل أن تقطع.
قلتُ: «ألن تقطعي الآن؟»
ابتسمت، تلك الابتسامة التي تحمل بين طياتها دروسًا بلا كلمات: «ليس بعد… القطع قرار، والقرارات التي لا رجعة فيها… تُتخذ بعد تأنٍّ يضمن الثبات.»
نظرتُ إليها: «وهل عليّ أن أطبق هذا في عملي فقط؟»
أجابَت بهدوء: «في كل شيء، يا صغيرتي… في العمل كما في الحياة.»
بدأت تثبّت الدبابيس، واحدة تلو الأخرى. «لا تكوني قاسية فتُكسِري، ولا لينة فتُكسَري. توازنك هو ما يخلق الحصافة.»
حدقتُ فيها بانتباه: «وكيف أعرف حدّي؟»
قالت: «من النتيجة، لا من النية. فالناس لا يرون ما قصدتِ، بل ما أظهرتِ بالفعل.»
اقتربت أكثر، سائلة: «وإن أساؤوا الفهم؟»
ابتسمت، بلا سخرية: «دعهم… من يكثر الشرح، يكشف أكثر مما يجب. اتركي عملك يتحدث بدلاً منك.»
عادت إلى التصميم، أضافت خطًا أخيرًا، ثم قالت: «الذكاء ليس في أن تسبق الجميع، بل أن تختاري اللحظة التي تتحركين فيها. ومن يظهر أوراقه باكرًا… يفرّط بمفاجأته.»
ضحكتُ بخفّة: «كأنك تخططين لمعركة.»
قالت، بهدوء: «كل مجال له معاركه… وكل معركة تستحق صبرًا قبل أن تُخاض.»
لم أتمالك نفسي، وعانقتها فجأة: «لهذا أحب أن أكون مثلك.»
وضعت يدها على ظهري برقة: «لا تكوني مثلي.»
رفعت رأسي، وعيونِي تلمع بالفضول: «لماذا؟»
أجابَت بابتسامةٍ دافئة: «اجعلي ذاتك أسمى وأرقى… لكن بوقار وصمت. فالتميّز لا يُعرَف بالصخب، ولا تُقاس قوّتك بالاندفاع، بل بثبات الخطوة ووقار اللحظة.»
قبّلتُ خدّها بعفوية: «سأحاول.»
همست، همسة الأم التي تحمل بين حروفها حكمة عمر: «لا تحاولي كثيرًا…بل دعي إبداعك ينبثق على هواك، كنسيمٍ يهمس في أركان القلب بما لا يُقال.»
لم تكن تلك المرّة الأولى التي أقف فيها إلى جوارها، أستمعُ إلى كلماتها وأُراقِبها وهي تُعيد ترتيب الفوضى حتى لا يبقى منها إلا ما يستحق البقاء.
شيئًا فشيئًا، أخذ داخلي يرتب نفسه على نحو يُحاكي إيقاعَ يَداها، خطوطٌ تتشكّل بصمت، وقراراتٌ تُرسم قبل أن تُقال.
مددتُ يدي إلى إحدى الأوراق، قلبتها بين أناملي، ثم أعدتها إلى موضعها، من غير قصدٍ واعٍ ولا تروٍّ محسوب.
توقّفت أمّي برهة، أمعَنت النظر في الورقة، ثم رَفعت بَصرها إليّ.
قالت بهدوءٍ خافت:
«هكذا أفضل.»
رفعتُ حاجبيّ: «لم أُغيّر شيئًا يُذكر.»
ابتسمت، ابتسامة من يرى أكثر مما يُقال:
«بل فعلتِ. أزحتِ الزائد، وتركتِ ما يحتاج أن يُرى. وهذه مهارة لا تُدرَّس.»
سكتُّ، ولم أعلّق.
لم أكن أترقّب ثناءً، ولا أبتغي إقرارًا.
كنت أفعل ما يبدو لي صحيحًا… فحسب.
ناولَتني قطعة قماش، وقالت:
«جرّبي.»
وضعتها على الطاولة، لم أقِسها، ولم أعدّلها كثيرًا.
نظرتُ إليها، ثم بدأتُ أرسم خطًا واحدًا، مستقيمًا، كأنني أعرف مسبقًا أين سينتهي.
راقبتني بصمت، ولم تُقاطع.
وحين انتهيت، لم تقل شيئًا.
لكنها أخذت القطعة، قلبتها، ثم أومأت ببطء.
«لو لم أركِ الآن،» قالت،
«لخالني أمام يدٍ ألفت هذا الفنّ أعوامًا مديدة.»
نظرتُ إليها باستغراب: «أخطأتُ؟».
قالت: «لا. وهنا موضِعُ القلق.»
ضحكتُ بخفة: «قَلق؟»
قالت وهي تعيد القطعة إلى الطاولة:
«من يُصيب من غيرِ عَناء… عليه أن يتعلّم كيف يُخفي إصابته. التفوّق الصريح يستدعي العيون، والعيون لا تُبصَِر بدونِ أحكام.»
أطرقتُ رأسي، أستوعب كلماتها.
لم تكن تُعلّمني حرفةً فحسب، بل كانت ترسم لي ملامح الطريق…
طريقًا لا يُسلك بالاندفاع، ولا يُفصح عن نفسه منذ الخطوةِ الأولى.
اقتربتُ منها، وقلت بنبرة مرحة:
«وكيف أفعل ذلك؟»
قالت، وهي تعيد ربط شعرها:
«اعملي كما لو أنكِ مازلتِ تتعلمين… حتى وإن بَلغتِ اليَقين. دعيهم يسبقونك بالقول، وسبقيهم أنتِ بالفعل.»
ثم أردَفت، كأنها تُلقي سرًّا في الهواء:
«القدرة الحقيقية، يا صغيرتي، ليست في أن تُدهشي الجميع… بل في أن تُدهشيهم حين يظنون أنكِ لن تفعلي.»
ضحكتُ، ومال رأسي على كتفها:
«تجعلين الأمر يبدو هيّنًا.»
وضعت يدها على رأسي، بحنانٍ لا يخطئ طريقه:
«ليس هيّنًا… لكنه يستحق الصبر.»
سكتنا لحظة.
وكان في ذلك الصمت ما يكفي ليعلّمني أن بعض المواهب لا تُصقل بالضجيج،
بل باليقظة،
وبأن أكون على حقيقتي…
بلا تعجّل،
وبلا إفصاحٍ عن ذاتي قبل اكتمال أوانها.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»
جلستُ أمام المرآة، لا لأتجمّل فحسب، بل لأتأمّل انعكاس امرأةٍ توشك أن تعبر مساءً مختلفًا عن كل ما عرفته. وضعتُ آخر لمسات التجميل بيدٍ هادئة، كأنني أستعدّ للظهور لا للعيان وحده، بل للذاكرة. رششتُ من عطري ما يكفي ليحفظ حضوري في الهواء، ثم علّقتُ أقراطي اللؤلؤية، فتلألأت كأفكارٍ بيضاء لم تُقل بعد، وأتبعتُها بقلادتها، تلك التي لم تكن زينةً بقدر ما كانت أثرًا من أثرها فيّ.
تناولتُ حقيبتي وهممتُ بالإسراع؛ فالمساء لم يكن كسائر الأمسيات، والوقت بدا كأنه يمضي بخفّةٍ متعمّدة، كأنه يعرف أن الليلة احتفالية، وأنها ليست عابرة. كان هذا اليوم مختلفًا عن كل ما سبقه؛ يوم تنصيب أمّي—مرةً أُخرى —ضمن نخبة المصمّمين الرائجين في عالمٍ لا يمنح مجده بسهولة.
لكنّ اختلاف هذا اليوم لم يكن في اللقب وحده، بل في كوني—للمرّة الأولى—من سيحمل تصميمها إلى الملأ، من سيقف شاهدًا على موهبتها كما وقفت هي شاهدًا على نشأتي. شددتُ قبضتي على الحقيبة، لا خوفًا، بل رهبةً من الامتنان.
وقفتُ أمام المرآة للمرة الأخيرة، فرأيت الفستان الذي ارتديته، كأنه نُسج من ضوءٍ ناعم وحنينٍ قديم، يتوشّح بالأبيض العاجي المائل إلى الدفء، ويغمره تطريز دقيق كأنما رُسم بإبرٍ من حلم.
صدره مشدودٌ برفق، مزدان بنقوش دانتيل متداخلة، تتخللها حبيبات لؤلؤية صغيرة تلتقط النور وتعيده همسًا. الأشرطة الكتفية مزينة بفيونكات شفافة تضيف لمسة براءة حالمة، بينما تتفتح عند الجانبين زهور دانتيل ناعمة، تزيد التصميم شاعرية وأنوثة.
تنحدر التنورة بانسيابٍ رقيق، محتفظة بخفّةٍ هوائية، وكأن الفستان لا يلامس الأرض بل يكتفي بمغازلتها. إنه فستان يليق باللحظات النقيّة، بالوعود الصامتة، وبالجمال الذي لا يحتاج إلى مبالغة ليُرى.
كان الأبيض—رغم كل هذا—لونًا لطالما خاصمني. لونًا أقسمتُ يومًا ألا أرتديه، لا اليوم ولا غدًا. وقد صدقتُ قسمي… حتى هذه الليلة.
ارتديته هذه المرّة لا حبًّا به، بل إرضاءً لإصرار أمّي. وكانت تلك سابقةً لم أعرفها منها من قبل؛ أن تُصرّ عليّ في أمرٍ بهذا الثبات، رغم غرابتي عنه. ومع دهشتي، لم أستطع أن أرفض لها طلبًا. فكيف أرفض من لم ترفض لي يومًا حاجة؟
لم تبخل عليّ يومًا بشيء؛ أغدقت عليّ حبًّا حتى لم يترك في القلب فراغًا، ومنحتني أمانًا لم أطلبه لأنني وجدته حاضرًا قبل السؤال. أعطتني كل ما تمنّيت يومًا أن أحظى بهِ.. بِلا مُقابِل. وكثيرًا ما رغبتُ في أن أردّ لها بعض صُنعها، رغم يقيني العميق بأنني—مهما فعلت—لن أبلغ حدّ الوفاء.
فبعض العطاء، مهما حاولنا، يبقى أكبر من أن يُجازى.
وكان هذا المساء… أحد محاولاتي الصامتة لأن أقول لها:
«أنا هنا، كما كنتِ أنتِ دائمًا».
نزلتُ الدرج الخارجي بخطًى متأنية، لا لأنني أتعمد البطء، بل لأن للمساء هيبةً تُلزم المرء أن يواكبه بتأني. كانت الإضاءة المحيطة بالمدخل وادعة، لا تُباهي بحضورها، لكنها تُحسن إظهار كل شيء في موضعه؛ الحجر المصقول، الأبواب الرحبة، وذلك السكون النبيل الذي لا يعرفه إلا من ألف الطمأنينة.
كانت السيارة تنتظر عند أسفل الدرج، سوداء، لامعة، ساكنة كسطرٍ أُحسن اختياره. فُتح الباب بانحناءةٍ خفيفة، تليق بمقام المساء.
قال السائق بصوتٍ مهذب:
«إلى القاعة مباشرة؟»
تريّثتُ لحظة، ثم قلت:
«إلى محلّ الزهور أولًا، مِن فَضلك.»
أومأ دون استفسار، وانسابت السيارة في الطريق بسلاسةٍ لا تُشعر بالعجلة.
اتخذتُ مقعدي في الخلف، وأسندتُ ظهري، أتابع الطريق من خلف الزجاج. لم يكن في خاطري أن أصل خالية اليدين؛ فهذا اليوم—مهما بدا عابرًا—كان يومها قبل أن يكون يومي، وكنت أودّ أن أقول لها ذلك دونَ كَلماتٍ كَبيرة.
توقّفت السيارة أمام محلّ زهور صغير نسبيًا، لكن واجهته كانت عامرة بالحياة؛ زجاجٌ شفاف تتدلّى خلفه ألوانٌ لا تُحصى، وأضواء خافتة تجعل الزهور تبدو كأنها جزء من لوحةٍ لا للبيع.
دخلتُ، فاستقبلني عبيرٌ مختلط، لا لون له، لكنه يعرف طريقه إلى القلب.
قالت البائعة بابتسامة لطيفة:
«مساء الخير، هل أساعدك؟»
قلت:
«أبحث عن شيءٍ غير معتاد… لكنه صادق.»
تقدّمتُ بين الزهور، حتى وقفتُ عند الأسود والوردي. تآلفٌ غير مألوف، لا يُرضي الذائقة المترددة، لكنه يُشبهها هي؛ قوتها وأناقتها، حدّتها ونعومتها في آن.
قلت:
«أريدهما معًا.»
تأمّلتني البائعة لحظة، ثم قالت بإعجابٍ خافت:
«اختيار جريء.»
أجبتها بهدوء:
«هي كذلك.»
وأثناء إعداد الباقة، استوقفتني علبة شوكولاتة في ركنٍ جانبي؛ أعرفها كما أعرف ابتسامتها حين تختارها دون تردّد. لم أفكّر طويلًا. أضفتها إلى الطلب، وقلت:
«وهذه أيضًا.»
خرجتُ أحمل الباقة والعلبة، وإحساسٌ هادئ بالرضا يرافقني. لم تكن هديةً صاخبة، ولا استعراضًا للامتنان، لكنها تشبهه حين يُقدَّم بصدقٍ وصمت.
عدتُ إلى السيارة، وأمليتُ على السائق الوجهة التالية.
قال:
«إلى القاعة؟»
قلت، وأنا أُثبّت الزهور بين ذراعيّ:
«نعم… الآن.»
وانطلقت السيارة مجددًا، والأنوار تتلألأ حولنا، وكأن المدينة تعي أن هذا المساء ليس كسواه.»
كانت القاعة تستقبل المساء كما تُستقبل الأسرار القديمة؛ بضوءٍ منضبط لا يفيض، وبصمتٍ مصقول يسبق الضجيج. الواجهة الخارجية تشعّ بهيبة لا تُعلن نفسها، كأن المكان لا يحتاج إلى لافتة ليُعرف.
توقفت عند المدخل لحظة، لا تردّدًا بل وعيًا باللحظة. ثم مضيت.
درج عريض، درجاته من رخامٍ أملس، لا يشي بالثراء صراحة، لكنه لا يُخفيه أيضًا. صعدته بخطى متزنة، لا استعجال فيها ولا تظاهر. كانت مشيتي كما علّمتني أمّي منذ الصغر: مستقيمة، هادئة، لا تُلقي بثقلها على الأرض، ولا تستعير ثقةً ليست لها.
في الداخل، امتدّ الفضاء بوقار. سقوف عالية، أضواء دافئة، وحركة مدروسة لا تعرف الفوضى. سألت إحدى الموظفات عن مكان الاستعدادات، فجاء الرد بابتسامة احترافية، وإشارة دقيقة لا تزيد حرفًا.
المصعد الزجاجي صعد بي ببطءٍ مقصود، والمدينة تنفتح تحتي ككتابٍ يعرف أن أحدًا يقرأه الآن بتمعّن. لم أشأ أن أُحدّق طويلًا؛ بعض المشاهد يُخشى عليها من كثرة النظر.
حين وصلت، سبقني صوتها.
لم تكن ترفع صوتها، ومع ذلك كان حضورها واضحًا. وقفتُ عند العتبة لحظة، ثم دخلت.
كانت أمّي…
لا تحتاج إلى تعريف.
فستانها الأسود ينساب بهدوءٍ ملكي، لا يطلب الانتباه ولا يهرب منه. القَصّة متقنة، الحركة محسوبة، والمشية… تلك المشية التي لا تُكتسب، بل تُورّث بالهيبة. ظهرها مكشوف بجرأةٍ راقية، تتقاطع عليه أشرطة سوداء بخطٍّ مدروس، وفي المنتصف فيونكة عاجية، كأنها مفارقة جمالية مقصودة: لينٌ في قلب الصرامة.
لم تكن واقفة كمن ينتظر، بل كمن يعرف أن الأشياء تأتيها في وقتها.
رفعت نظرها إليّ.
توقّفت ابتسامتها لحظة، تلك اللحظة الصغيرة التي تسبق الاعتراف، ثم اقتربت.
قالت، بنبرةٍ خفيفة تخفي تحتها دهشة صادقة:
«أهكذا تعودين إليّ؟
أغيب عنكِ قليلًا… فتأتين بهذا الكَمال.»
قلتُ، وأنا أحاول أن أبدو ثابتة:
«أخشى أن أكون أقلّ مما ترين.»
ابتسمت، ومسحت بيدها على وجهي كما كانت تفعل دائمًا، وقالت:
«لو كنتِ أقلّ، لما وقفتِ بهذا الثَبات.
ثمة وقفاتٌ لا تُدرَّس.»
اقتربتُ منها خطوة، وقلت بصوتٍ أخفض:
«كلّما نظرتُ إليكِ، أشعر أنني أعرف هذا الطريق…
حتى قبل أن أسلكه.»
نظرت إليّ مطوّلًا، ثم قالت:
«لأنكِ لم تسلكيه طلبًا للوصول،
بل سلكتِه لأنكِ تُحسنين المضيّ فيه.»
عانقتني.
عناقًا لا يضغط ولا يُمسك، بل يحيط فقط، كأنّه يقول: أنا هنا، مهما تغيّر كل شيء.
وحين ابتعدت قليلًا، وضعت جبينها على جبيني وقالت بصوتٍ يكاد يُهمَس: «كبرتِ بوعيٍ لا يُستعار؛
تمضين حين يحقّ للمضيّ أن يُفعل،
وتثبتين حين يليق بالثبات أن يُقام.»
مالتْ إليّ قليلًا، واحتضنتني بعناق خافت، طويل بما يكفي ليحفظ الكلمات من الضياع ويتركها حيث لا يطالها النسيان.
وحين خفَّ العناق، كأن المسافة عادت لتذكّرنا بما في الأيدي، رفعتُ ببطء باقة الزهور التي أخفيتها خلف ظهري: سوداء ووردية، مزيجٌ اخترته خصيصًا لها، التفتت إليّ، وظهرت في عينيها دهشة خافتة امتزجت بالامتنان والفخر، كما لو كانت تحاول أن تقول كل شيء دون أن تنطق بكلمة.
أخذتها ببطء، مرّرت أصابعها على الأزهار، وقالت وكأنها تُحدّث نفسها:
«كنتِ تعرفين…»
لم تُكمل.
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تكن عادية. كانت ممتنّة، ومكسورة قليلًا، ومكتملة في آن.
ثم أضافت، وهي تُمسك يدي:
«إن مضيتِ يومًا أبعد مما توقّعتِ،
فلا تلتفتي.
بعض الطرق لا تُحتمل إلا إذا أُخذت كاملة.»
قبّلت جبيني قبلة قصيرة، ثابتة، وقالت همسًا:
«اذهبي، ولا تُثقلي هذا المساء بالمحاولات.
عيشيه كما هو؛
أنا هُنا كما كُنتُ دائِماً.»
لم تقل سأنتظرك.
ولم تقل عودي.
قالت ما يكفي.
وتركتني أمضي.
كأنها تعرف أن بعض اللحظات لا تُرافق، بل تُسلَّم.
حين فُتح الباب أمامها، لم تدخل دفعةً واحدة.
خطت خطوة أولى، ثم ثانية، كأنها تمنح اللحظة حقّها في التثبّت.
القاعة كانت أوسع مما تخيّلت،
صفوفٌ من الوجوه، ضوءٌ مستقرّ، وحضورٌ لا يُشبه الفضول بقدر ما يُشبه الانتظار.
لم يكن صخبًا، ولم يكن صمتًا مربكًا،
بل حالة وسطى تشعر فيها أن العيون لا تداهمك، لكنها لا تُعرض عنك أيضًا.
تقدّمت،
وقلبها يسبقها بنبضٍ خافت،
ذلك النبض الذي لا يشبه الخوف تمامًا،
ولا الطمأنينة بعد.
لأوّل مرّة،
لم تشعر أنها تُقدِم على خطوة لتُثبت شيئًا،
ولا لتُقنِع أحدًا بأنها تستحق الوقوف هنا.
كانت تقف… لأن أحدًا قال لها: قفي.
مرّ بها خاطرٌ قديم،
خاطر من تلك التي اعتادت أن تُقدِّم أكثر مما يُطلَب،
ثم تمضي كما لو أنّ ما بذلته لم يترك أثرًا يُرى.
كم مرّة فعلت الشيء ذاته،
وتعلّمت بصمتٍ أن الجهد وحده لا يضمن الالتفات،
وأن المحاولة، حين تتكرّر دون صدى، تُرهق أكثر مما تفشل.
وهنا…
لم يُسألها أحد: كيف وصلتِ؟
ولم يُمحَّص حضورها،
ولم تُقاس قيمتها بما تستطيع إثباته الآن.
كانت واقفة فقط،
كما لو أنّ الوقوف حقٌّ لا يحتاج إلى تبرير،
وكما لو أنّ الاعتراف جاءها هذه المرّة
لا مكافأةً على الإصرار،
بل كأمرٍ مُسلَّم به.
شعرت بشيءٍ دافئ يصعد في صدرها؛
امتنانٍ لا يرتجف،
وفخرٍ هادئ،
كأنها، للمرّة الأولى، لم تضطر أن تحمل نفسها وحدها.
وحين رفعت نظرها إلى الوجوه أمامها،
لم ترَ جمهورًا بقدر ما رأت مساحة.
مساحة قيل لها فيها — دون قول —
إن ما هي عليه كافٍ ليُرى،
وإن هذه الخطوة، بكل بساطتها،
لم تأتِ بعد انتظار طويل،
بل جاءت لأنها آن لها أن تأتي.
وكان هذا وحده
كافيًا لأن تشعر
أن التجربة، مهما بدت جديدة،
لم تكن غريبة عنها…
بل كانت تشبه ما تستحقه منذ زمن.
رفعتُ نظري لألقي نظرة أخيرة على الحضور، ثم تراجعت بخطى هادئة متأنية، حتى استقرّت قدماي على الأرض، شققت طريقي نحو مقعدي، وجلستُ هناك، وعينايَّ لا تُفارِق أُمي
تقِفُ على خشبة المسرح، والضوء ينساب عليها برفقٍ سامٍ ، هادئٍ يليق بالعظمة الخفية، ابتسمت للحضور، ثم أردَفت بنبرةٍ دافئة:
مساء الخير…
كل عملٍ هنا اليوم لم يكن مجرد فكرةٍ عابرة، بل نتيجة صبرٍ طويل، وحرص على أن يُصان الجمال بأيدٍ صادقة.
أشكر كل من ساهم في أن يرى هذا التصميم النور، وكل قلبٍ تابعنا من بعيد، وكل لحظةٍ من الإصرار لم تُنسَ.»
نظرت برفق إلى الصفوف، وعيناها لمحّت شيئًا مألوفًا: ابنتها تجلس هناك، صامتة، تشاهدها من بعيد. ابتسمت، ولم يقل كلامها شيئًا مباشرًا عن الابنة، لكن في الإيماءة، في نظرة قصيرة، وفي دفء صوتها، عرف الحاضرون: هناك أثرٌ آخر للصبر والحب، لم يُعلن، لكنه حاضر.
«هذا العمل ليس لي وحدي…» أضافت، نبرةُ صوتها تحمل الامتنان والاعتراف دون مبالغة، «بل لكل من آمن بأن الفن صمتٌ يتحدث، وحركةٌ تُخلّد.»
أخذت نفسًا، وخطت خطوة على المنصة، ثم هبطت برفق، تاركةً المكان ممتلئًا بالاحترام، والهدوء، والدلالات الصغيرة التي لا تحتاج للكلام لتُفهم.
استقررتُ في مقعدي بين الصفوف، وأبقيتُ بصري معلّقًا بها، كأنّ في حضورها سكونًا ألوذ إليه.
أراها، وهي تتحرّك بين الحضور، كانت على سجيّتها التي لم تتبدّل يومًا: استقامة في الوقفة، اتّزان في الخطو، واقتصاد في الابتسام. لا حركة فائضة، ولا التفاتة تُؤدَّى لغير معناها. حديثها مستقيم، عباراته موزونة، تُقال كما ينبغي لها أن تُقال، لا طلبًا للإقناع، ولا استعانةً بالأثر.
في مصافحتها وقار، وفي إيماءاتها ضبط، وفي مشيتها نظامٌ مألوف، كأن الجسد ألفَ هذا النسق طويلًا، حتى صار يسلكه بلا تكلّف. لم تكن تتقدّم لتُرى، ولم تكن تُرى لأنها تتقدّم؛ كان الحضور يلتفّ حولها تلقائيًا، كما يلتفّ حول ما ثبت موضعه بمرور الزمن.
تابعتها، فبان لي ما لا يحتاج إلى تفسير.
كم سعيتُ، في زمنٍ مضى، إلى أن أُحسن الوقوف، وأن أُجيد القول، وأن أُثبت استحقاق مكانٍ لا يُعطى. هناك، كنتُ أُجاهد بلا صدى. ومعها، لم أحتج إلى المحاولة. كانت دومًا بجانبي؛ تثق حيث يتردّد غيرها، وتشدّ حيث يتراخى سواها، وتدعني أكون دون أن تُطالبني بإثبات.
آثرتُ التراجع خطوة.
لا انسحابًا، بل إغلاقًا هادئًا للمشهد.
وأدركتُ أن ما شهدته لم يكن لحظة عابرة، بل أساسًا يتشكّل؛ أساسًا سيتجلّى لاحقًا، حين يحين وقوفي.
كأن هذا الثبات لم يكن وليد هذه الأمسية،
بل أثرًا ممتدًّا، انتقل إليّ بصمتٍ ثابت،
لا يضلّ طريقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غادرتُ القاعة، وحين أُغلق الباب خلفي، استقبلني نسيمُ الليل.
لم تكن البرودة نافذة، بل خفيفة، تماسّت مع وجنتي في هدوءٍ عابر، كأنها تُعلن انتهاء اللحظة دون تعليقٍ عليها.
تابعتُ سيري نحو السيارة المتوقفة أسفل المدرّجات.
جلستُ في المقعد الخلفي، وما إن أُغلق الباب حتى استقرّ الصمت من حولي، صمتٌ متّسق لا يضغط ولا يُربك.
تحرّكت السيارة، ومع أوّل انعطاف، أخذت المدينة تنساب على جانبي الطريق: أضواء متلألئه، بحرٌ ساكن، وقمرٌ ينعكس على سطح المياه انعكاسًا ثابتًا. مشهدٌ مألوف، غير أنّ إنعكاسِ ذاكَ الضوء أعاد إلى الذهن موضعًا من زمنٍ سابق.
موضعًا لم يتّسم بالقسوة في ظاهره، لكنه استهلك أكثر ممّا بدا؛ محاولات متكرّرة للقبول، حرصٌ دائم على إثبات الاستحقاق، وجهدٌ تراكميّ لم يتّضح عبؤه إلا بعد الابتعاد.
مرّ ذلك الإدراك بهدوء.
لم يحتج إلى مراجعة، ولا إلى تفسير مطوّل. كان كافيًا لأن أعلم بأن البُعدَ كان مكسبي الحقيقي.
أسندتُ ظهري إلى المقعد، وأبقيتُ بصري معلّقًا بالخارج.
انزلقت دمعة واحدة، بلا اندفاع، ثم توقّفت، لا باعتبارها خاتمةً لمعنى، بل استجابة عابرة لما تراكم بصمت.
وحين لامست الزجاج، سكن المشهد على امتداده،
وبدا كلّ شيءٍ في موضعه… أكثر ممّا ينبغي.
أغمضتُ عينيّ، واستسلمت للسكينة،
وفجأةــ
دوّى صوتٌ قصير، حادّ، كقطْع مفاجئ…
ففتحتُ عينيّ ببطء، وكأنهما يُستعادان من عمقٍ مجهول، لا من غفوة عابرة.
استقرت الرؤية تدريجيًا، وإذا بها تُقابل سقفٌ مألوف بطريقة غريبة، عتيقًا، مهيبًا، يزدان بزخارف دقيقة تُخبر عن أعوام مضت، وعن كل لمسة تركها الزمن في صمت. من قلبه تدلّت ثريّا ذهبية فسيحة، تتشعب أذرعها في سكون، وتنثر بلّورات صافية، كأنها توقّفت لحظة قبل السقوط، معلّقة بين البقاء والزوال.
ظلت تحدق، طويلًا، حتى شعرت بارتجاف في قلبها، لمجرد إدراكها ما بدأ يتكوّن في الداخل.
ارتفعت على مرفقيها بحذر، كأنها تخشى أن ينقض المكان عليها إذا أسرعت. جلست على حافة السرير، وقدماه تلامسان الأرض الباردة. سرى البرد في جسدها ببطء، إلى أطراف أصابعها، فارتجفت.
رفعت عينيها، وجالت بالغرفة: الجدران، الستائر الثقيلة المنسدلة، الأثاث المصقول الذي يحتفظ ببريق الزمن القديم… كل شيء مألوف، لكنه أصبح فجأة قاسيًا، غريبًا.
تسارعت أنفاسها، وارتجفت أناملها كما لو كانت تتحسس فراغًا بداخله الخوف. همست، بصوتٍ كاتم، في عمقها:
«لا… لا يمكن…»
«كيف… حدث هذا؟!»
نهضت ببطء، كما لو كانت ساقاها ليستا ملكها، وارتدت خطواتها الثقيلة على الأرض، كل خطوة تثقل أكثر من سابقتها.
ثم ظهر الباب أمامها، قوسه مظلم، وأمامها الممر الطويل، وعلى الجدار مرآة طويلة. توقفت، كأن شيئًا في صدرها رفض المضي قُدمًا.
التفتت ببطء، ورأت انعكاسها.
لحظة واحدة، وكأن كل شيء انقصف داخليًا. الشعر المنسدل حول كتفيها ليس كما عهدته، بل وردي اللون، حريري، يلمع بضوء خافت. عيناها مغطّات بغطاء شفاف أبيض، ووجهها أصغر مما ينبغي، أنعم وأهدأ من ملامحها المعتادة.
اقتربت خطوة، ثم أخرى، وصوت قلبها يطرق ضلوعها كالمطرق. رفعت يدها، لامست خدها المرتجف، وكأنها تخشى أن تنكسر الصورة.
ثم، فجأة…
دفعت المزهرية عن الطاولة بعنف.
سقطت. تهشّمت. ارتفع صوت الزجاج كصوت صاعقة في صمت الغرفة.
صرخت.
أطلقت كل ما في قلبها، صوتها تردد في الجدران، في الممر، في الصمت نفسه.
دفعت الكرسي بعنف، ثم الطاولة، انقلب كل شيء، تهشّم الخزف، تدحرجت الأشياء. مع كل حركة، كانت تنتظر أن ينهار العالم، أن يتصدع الواقع، لكن الغرفة بقيت صامتة، ثابتة، لا تتزعزع.
صرخت ثانية، أعلى، أقوى، حتى ارتجت الجدران.
خارج الغرفة، اضطربت خطوات، فتحت الأبواب، اندفع الخدم مذعورين:
— “آنستي!”
— “ما الذي جرى؟!”
— “يا إلهي…!”
تجمعوا حولها، لكن هي لم ترَ أحدًا. لم تسمع شيئًا. كانت روحها معلقة في المرآة، لم تتحرك.
ثم دخل صوت آخر، خطوات ثابتة، هادئة، ثقيلة، عرفتها. رفعت رأسها، وهناك، عند العتبة، كان هو.
واقفًا، طويل القامة، صامتًا، عيناه بارِدتان، حادّتان، كما عهدتهما دائمًا.
انقبض قلبها، شعرت بثقلٍ غير محتمل. لم تستطع التحرك، ولا الكلام، بل فقط تحدّق فيه وسط شظايا الغرفة، وسط الفوضى التي خلقتها، وسط الانهيار الكامل لكل ما اعتقدت أنها تعرفه.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه—
انكشف الإدراك في داخلها فجأة.
باردًا.
قاطعًا.
كحدّ نصل.
لم يكن المكان وحده هو الذي عاد.
بل الزمن.
الزمن نفسه.
الزمن الذي ظنّت أنه انقضى… فإذا به يعود الآن، ساكنًا كما كان، كأن الأعوام التي مزّقتها لم تكن إلا التفافةً عابرة في ثوبه الطويل.
ارتجف شيءٌ عميق في روحها.
ومرّت الفكرة في داخلها ببطءٍ موجع، كأنها كلمةٌ انتُزعت من قلبها انتزاعًا:
ما أعجب أمرك…
تُمهل حتى نظنّ أننا نجونا،
وتصبر حتى نعتقد أننا أفلتنا،
ثم تعود إلينا في اللحظة التي نكفّ فيها عن الخوف.
أيها الزمن…
كم تبدو وفيًّا لوعودك…
وكم تشبه، في وفائك هذا—
الخائنَ النبيل.
———————————–
مرحبًا👋
يب ادري إني تأخرت كثير في اني انزل الفصل اسفه كثير وارجو المعذرة منكم 👈👉
صدقاً الفصل كان جاهز من زمان بس اخر مشهد تعبت كثير وانا احاول فيه ما كنت راضيه عن البته كان المفروض ينزل الفصل اخر شهر واحد بس احمم انتهى فيه المطاف ينزل اليوم😅👈👉.
عموماً كيف كان الفصل؟ لا تبخلوا علي بآرائكم وتعليقاتكم الحلوه لكل من قرأ الفصل ونال إعجابه بتمنى نجمه ما بتاخذ من وقتكم الكثير بس هي بتعني لي الكثير دلالة على أن في أشخاص حلوين قرأوا الفصل ونال إعجابهم فا بيحفزني اكتب فصول أكثر🥹🤍
وبس والله شكرا لكل من قرأ الجريده دمتم سالمين🥹👋💕.
واتباد: Ayla-2007
Chapters
Comments
- 2 - ٱلخَائِنُ ٱلنَّبِيلُ. منذ 6 ساعات
- 1 - ذِكْرَى عابِرَةٌ… ظِلٌّ بَاقٍ. 2026-01-01
التعليقات لهذا الفصل " 2"