4
الفصل الرابع
عند استعجال الإله لي، غِصتُ في التفكير من جديد.
كان من الجيد أنني حصلتُ، عبر سؤالين، على الحلّ الوحيد، لكن ذلك لم يكن سوى البداية.
كان عليّ أن أظفر بما يمكّنني من إنقاذ لياندروس فيما هو آتٍ.
‘يكفي أن أنقذ لياندروس فحسب، أليس كذلك؟ فهل أحبسه في مكانٍ آمن بدلًا من ذلك؟’
راودتني الفكرة، لكنني سرعان ما هززتُ رأسي نفيًا.
لياندروس في حياتي السابقة كان قد اختُطف على يد البرابرة ثم عاد حيًّا.
قد أرغب في اختطافه وحبسه في موضعٍ آمن لأرعاه، لكنه سيحاول الهرب بأي وسيلة.
‘على أي حال، خلال بضع سنوات ستنزل على لياندروس رسالة الإله، وعندها سيجوب أرجاء الإمبراطورية. إن لم أستطع منع ذلك، فربما كان الأأمن أن أبقى إلى جواره وأدعمه دعمًا يقينًا.’
في تلك اللحظة، ومض شيءٌ في خاطري.
وفي الوقت ذاته بدا الأمر ضربًا من المجازفة، غير أنه إن كانت هذه الفرصة الأخيرة، أفلا يجدر بي أن أخاطر قليلًا؟
[ألا يوجد؟]
“تذكّرتُ أمرًا.”
محوتُ ما تبقّى من ابتسامة وسألتُ:
“هل يمكنكم أن تمنحوني قوّةً خاصّة تضمن ألّا أموت قبل موت لياندروس؟”
[طريفٌ أمركِ.]
لعلّه وهم، لكنني خُيّل إليّ أنني سمعتُ ضحكة.
انتظرتُ الجواب بوجهٍ متوتّر، غير أنّ حدسي كان يخبرني بما سيأتي بعد هذا الصمت الطويل.
[نعم.]
أي إنّ المقامرة قد نجحت.
⸻
ما دمتُ قد نلتُ ما أريد، فلا حاجة لي إلى البقاء في المعبد.
وفوق ذلك، هرعت ويندي قائلة إن عليها أن تعود حالًا لتبدأ الاستعدادات للزينة، فصعدنا العربة على عجل.
وما إن وصلنا القصر حتى أسرعت الخادمات نحوي كأنهنّ كنّ ينتظرنني.
“مرحبًا بعودتكِ، آنستي!”
“سنبدأ التزيين فورًا. تفضّلي إلى الحمّام.”
بانقيادي بين أيديهن، أنهيتُ الاستحمام سريعًا، وبدأ التزيين، ثم جاءت إحدى الخادمات بعارضةٍ عُلّقت عليها فساتين عدّة.
“هذه فساتين السيدة شارلوت.”
عادةً ما يُختار الفستان مسبقًا لليوم المثالي، لكن بما أنّ اليوم عيد ميلادي، أردتُ أن أختار ما يوافق ميلي في تلك اللحظة، فطلبتُ عدّة فساتين.
‘أكانت بهذا العدد؟’
وبينما أتأمّل الثياب المعلّقة، اقترحت ويندي فستانًا فخمًا يوافق ذوقي المعتاد.
“آنستي، ما رأيكِ في هذا الفستان الأحمر؟ سيليق بكِ إلى حدّ أن أحدًا لن يخطئ في معرفة صاحبة العيد الحقيقية!”
كان ثوبًا جميلًا عتيق الطراز، صُنع من قماشٍ أحمر قانٍ يتباين مع شعري الأزرق الداكن، وقد زُيّن بقماشٍ ذهبي يرمز إلى النبل. وكان ليلائمُني أكثر من سواي.
لو كان الأمر كالمعتاد، لاخترتُه.
“هذا لا بأس به.”
لكن اختياري اليوم كان ينبغي أن يختلف.
فسألتني خادمة بدهشة:
“أتقصدين هذا الفستان السماوي؟”
“نعم.”
لم يكن من طرازي المألوف، فضلًا عن كونه ذا لونٍ هادئ منخفض التشبّع، فبدت الدهشة على الجميع.
“إلى متى سننتظر؟”
“آه، سنباشر حالًا!”
ما إن وقع الاختيار حتى تمّ تنسيق الزينة والحُليّ بسرعة.
“مع هذا الفستان، لعلّ الأنسب أن…”
“وليكن المكياج أخفّ قليلًا…”
تبادلت الخادمات الآراء وهنّ يعملن بنشاط، حتى اكتمل مظهري المختلف.
“يا إلهي، آنستي! ما أجملكِ!”
“حقًّا، أيّ أسلوبٍ ترتدينه يليق بكِ!”
“كما يُنتظر من ابنة الدوق!”
استمعتُ إلى عبارات الثناء المألوفة ووقفتُ أمام المرآة.
كان الفستان السماوي، المصنوع من الشيفون والدانتيل الخفيفين الملائمين للصيف، ينساب برفق كلما تحرّكت.
وشُدّ نصف شعري الأزرق الداكن ورفع، وزُيّن بخيطٍ مرصّعٍ باللآلئ البيضاء، فانحدر ما تبقّى منه طويلًا. وكان المكياج الخفيف يضفي على ملامحي مسحةً أكثر لطفًا من المعتاد.
لم يكن أسلوبي المفضّل، بل شعرتُ بشيءٍ من الغرابة.
“يبدو عليّ الضعف في نظر أيّ كان.”
“عفوًا؟”
“أعجبني.”
لم يفهمن قصدي، لكنهنّ ما إن سمعن الثناء حتى ابتسمن بارتياح.
“ويندي، هل أوصلتِ الرسالة إلى والدي؟”
“نعم، سعادة الدوق والدوق الشاب سيحضران إلى الحفل فور خروجهما من القصر الإمبراطوري.”
أومأتُ راضية وغادرتُ الغرفة، فيما لحقت بي ويندي تسأل:
“بما أنّ السيدة ليست في العاصمة بسبب استشفائها، فسيتعيّن عليكِ الدخول وحدكِ. أأنتِ واثقة أنّكِ بخير؟”
رأيتُ القلق على وجهها، فكاد يفرّ مني ضحكٌ ساخر.
‘قاتلةٌ مأجورة تراقبني لتقتلني تقلق عليّ؟ يا لسخرية الوهم.’
“أليست حفلةً لا تحتاج إلى شريك أصلًا؟”
أجبتُ باقتضاب وغادرتُ القصر. ومن نافذة العربة رأيتُ الشمس تميل إلى الغروب، تلوّن السماء بلونٍ أُرجوانيّ مائل إلى القرمزي.
رفعتُ المروحة إلى شفتيّ وأنا أستحضر ما ينبغي عليّ فعله، فشعرتُ بحماسة طفلٍ يرتكب أوّل تمرّدٍ له.
تسارعت العربة ثم أبطأت حين اقتربت من القصر الإمبراطوري. وبنظرةٍ خاطفة إلى الخارج، رأيتُ أنّ المدعوّين كُثر رغم أن الحفل فُتح على عجل.
عرباتٌ متزاحمة، قصرٌ إمبراطوريّ مزدانٌ احتفاءً بالمولد، وضيوفٌ يتزيّنون ببذخٍ كما يفرد الطاووس ريشه.
في الماضي كنتُ سأغتاظ قائلةً إنهم كان ينبغي أن يحضروا حفلي أنا، أمّا الآن…
‘لا أشعر بشيءٍ يُذكر.’
أليس هذا خير تجسيدٍ لسطوة السلطة التي لا يُردّ لها أمر؟
‘في السابق كانت تلك السلطة تغريني، أمّا الآن فلا حاجة لي بها.’
لعلّ هدفي في النجاة جعلها لا تستوقف بصري.
نزلتُ من العربة بإرشاد الفارس المرافق ودخلتُ قاعة الحفل.
ومع اقترابي من القاعة الكبرى، تناهت إليّ ضحكاتٌ ودودة.
ارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ مشرقة كأنني لم أعرف العبوس يومًا.
“تدخل الآن ابنةُ دوقية أفرِديتا!”
انفتحت الأبواب على إعلان البوّاب، وانسكب الضوء البهيّ أمام عينيّ.
لم يبدأ الحفل رسميًّا بعد، فكانت موسيقى خافتة تنساب في الأرجاء.
ورغم رقتها، فقد انجذبت الأنظار إليّ بفعل خطاي الواثقة وابتسامتي الباهرة.
وقفتُ في وسط القاعة كما لو كان مكاني الطبيعي.
وتدفّقت نحوي التحيات بأصواتٍ مشرقة، فيما العيون تمسحني من رأسي حتى قدميّ.
“يا إلهي، آنستي! مضى زمنٌ طويل. أكنتِ بخير؟”
“سيدتي، لماذا تأخّرتِ؟ كم تمنّيتُ رؤيتكِ!”
“سعيدةٌ بلقائكِ. أنا آريا من عائلة سونيت.”
تبادلتُ الابتسامات والأحاديث مع الفتيات اللواتي التففن حولي دون أن أبادرهنّ بالكلام.
“لكن أسلوبكِ اليوم مختلف.”
“أهو غريب؟”
“أبدًا. الفستان الأزرق يتعانق مع جمالكِ المتألّق كأنه باقةُ أزهارٍ في تمام الإزهار. يليق بكِ جدًا.”
“نعم، أنتِ في غاية الجمال.”
ضحكنا ضحكاتٍ خفيفة نتبادل مجاملاتٍ لا طائل منها.
ورغم أنني أُدعى شريرةً متقلّبة، فإن هيبة أفرِديتا لم تكن لتُتجاهل، فبدأ الناس يتقاطرون أكثر.
“أنتِ جميلةٌ كعادتكِ اليوم، آنسة. إن أذنتِ لي، فلتمنحيني الرقصة الأولى…”
“بل أنا…”
“اسمي…”
ما إن علموا أنني بلا شريك حتى اندفع الشبان نحوي، وكنتُ أعتزم رفضهم بلطف، حين جاء صوتٌ مرتبك من جهة الباب:
“لحظة، لا يمكنكم الدخول من هنا…”
لكن صوته طُمِس بصوت الباب وهو يُفتح بقوّة.
ومن خلف الباب المفتوح على مصراعيه، دخل صاحب ساقين طويلتين بخطواتٍ واسعة إلى القاعة.
كان ثمة مدخلٌ مخصّص لأفراد العائلة الإمبراطورية، غير أنه تجاهل الأصول وكأنه يعبّر عن امتعاضه، فظهر بطل الحفل نفسه، لياندروس.
لم يدخل بصفته أميرًا، بل فارسًا مقدّسًا، إذ ارتدى زيّ الفرسان الأبيض بدل لباس الحفل.
تطاير شعره الفضيّ مع حركته الجريئة، وتحت خصلاته لاح في عينيه الزرقاوين الشاحبتين غضبٌ مكتوم.
ولمّا بلغ المنصّة، قال لمن يرفعون أبصارهم إليه:
“أشكر لكم حضوركم للاحتفاء بعيد ميلادي. لقد بلغني شعور التهنئة بما فيه الكفاية، فاستمتعوا ما شئتم ثم انصرفوا.”
ثم استدار واختفى.
كان واضحًا أنّ صاحب الحفل لا يطيب له المقام، غير أن مغادرة المدعوّين لم تكن يسيرة إذ هو حفلٌ إمبراطوري.
تبعتُ بنظري أثره المغادر، وأخفيتُ ابتسامةً خلف مروحتي.
‘كما سمعتُ عنه تمامًا.’
التعليقات لهذا الفصل " 4"