كان صوتُه يفتك بالهدوء، جهوراً بوقاحة، وساخراً كمديةٍ تصقلها الكراهية.
التفتت أريا ببطءٍ ينمُّ عن كبرياءٍ جريح، لتجد “إدريك” ذلك الظل البغيض لزوجة أبيها، يتكئ على الحائط ببرودٍ تمثيلي، وعيناه تقتاتان على تعبها.
“يا للمشهد الدرامي ! ابنة عائلة ‘بايلي’ العريقة تصل لاهثة، يطاردها الوقت كطريدةٍ ذليلة ؟ أين غابت الرفاهية يا أريا ؟ أم أن السجادة الحمراء سُحبت من تحت قدميكِ فور رحيل والدكِ؟”
تجاهلته، أو هكذا تظاهرت، بينما كانت أنفاسها تتكسر في صدرها.
حاولت إحكام قبضتها على مقبض الباب، لكنه اقتحم فضاءها الخاص بخطوةٍ مفترسة
حاصراً إياها بين ظله وبين الباب
وهمس بنبرةٍ تشبه فحيح الأفاعي:
“لقد بدأت الخالة أريستا بهدم القواعد الأن .. غيابُ والدكِ لن يكون مجرد رحيل، بل هو إعلانُ خضوعكِ الجديد. الطريق سيكون طويلاً يا أريا.. وأنتِ حافية القدمين.”
لم تمنحه لذة الانكسار التي يشتهيها.
رمت برأسها إلى الخلف بشموخٍ ورثته عن جبالٍ لا تنحني
وقالت بصوتٍ جاف كخشبٍ عتيق:
“الطريق الوعر يُصقل العظام يا إدريك، بينما المقاعد المريحة تقتل العقول وتُربي الترهل. تنحَّ.. فزحامُ وجودك يخنق الهواء.”
لم يكد يرتد صدى كلماتها حتى انفتح الباب الضخم بصريرٍ مهيب
ليخرج منه الأستاذ “فاليري”؛ الرجل الذي يرتدي الصرامة كدرعٍ لا يُخترق.
ساد صمتٌ جنائزي، وتراجع إدريك كفأرٍ ذعره النور، متظاهراً بتدقيق النظر في ساعته.
أخرج فاليري ساعة جيبه الذهبية، ثم نقل بصره ببطءٍ جارح نحو هيئة أريا المبعثرة، وخصلات شعرها المتمردة التي بللها العرق.
قال بصوتٍ رخيم، يسكن في مسافاتٍ بعيدة بين الهيبة والقسوة:
” آنسة أريا.. في محرابي هذا، العشر دقائق هي دهورٌ من الضياع. ادخلي.. ولا تتركي خلفكِ أثراً للضجيج.”
دخلت الفصل تحت وطأة نظراتٍ تنهشها، وجلست بجانب “لورا” التي كانت ملاذها الوحيد.
فتحت كتابها، لكن الحروف استعصت على الفهم، كانت تتراقص أمام عينيها كخيوطِ دخان
فصورة إدريك وهو يفتت ثقتها بنفسها كانت لا تزال عالقة في ذاكرتها.
وسط رتابة درس النحو ، شعرت بجسمٍ غريب ينام في قاع حقيبتها. أدست يدها بوجل، لتسحب ورقةً مطوية بعنايةٍ كأنها سرٌّ .
فتحتها تحت الطاولة، بقلبٍ يقرع كطبلٍ في ساحة حرب، لتجد سطراً واحداً نُحت بخطٍ غريب، حادٍ، وواثق:
“.. سأنتظركِ خلف المكتبة عند الغروب.”
تجمدت الدماء في عروقها. من يجرؤ على اختراق خصوصيتها بهذا الهدوء؟
أحكمت قبضتها على الورقة حتى غارت في كفها، ونظرت عبر النافذة حيث كانت الأشجار تصارع ريحاً خريفية عاتية.
وأدركت بحدسها الأنثوي أن يومها الحقيقي لم يبدأ بعد.. بل هو الآن يفتح فمه ليبتلعها.
في حضرة المهابة.. سكت الكلام
في الساحة، وسط ضجيج الطلاب الذي يشبه طنين النحل
كانت لورا تحاول فك شفرة صمت أريا.
“أريا هل سيغيب والدك لبضعة أسابيع ؟”
أومأت أريا برأسها
بينما كان عقلها يسكن في مكانٍ آخر.
وعندما لمحت لورا الورقة، وتفجرت صرختها الفضولية
سحبتها أريا بقوة نحو أروقة المكتبة الصامتة
“لورا! اصمتي! كدنا نصبح حديث الأكاديمية!”
حاولت لورا إقناعها بإبلاغ الإدارة، لكن عند ذكر “المدير”، شعرت أريا بزلزالٍ صامت يضرب كيانها.
لم يكن خوفاً، بل كان ذلك الشعور الذي يعجز الشعراء عن وصفه؛
انجذابٌ غريزي ..
وهي تمر من أمام مكتبه، التفتت بلا وعي، كأن روحها هي من أدارت جسدها.
رأته هناك “لوكاس”. جالساً بوقارٍ ، غارقاً في أوراقه والمستندات تحيط به كقلاعٍ حصينة. كان جذاباً بشكلٍ مؤلم.
بملامحه التي لا تفصح عن شيء، وهدوئه الذي يسبق العواصف.
في تلك اللحظة، تبخرت كلمات لورا الساخطة، وتلاشى تهديد إدريك.
وصار العالم كله يتلخص في ذلك الرجل الجالس خلف المكتب.
كان قلبها ينبضُ هناك، بين يديه اللتين تقلبان الأوراق.
وكأنها تدرك تماماً أن معركتها الكبرى لن تكون مع زوجة أبيها..
التعليقات لهذا الفصل " 9"