اندفعت مونيكا بخطى حثيثة لتوقظ “أريا” خشية أن يداهمها الوقت
لكنها ما إن فتحت الباب حتى وجدتها قد فارقت فراشها بالفعل
كانت تقف بجمود أمام النافذة،
غارقة في تأمل الحديقة الساكنة.
حاولت مونيكا استجماع كلماتها، لكن أريا باغتتها بهدوءٍ رزين:
“صباح الخير، سيدة مونيكا.”
توقفت مونيكا لبرهة، رمقتها بنظرةٍ فاحصة، ثم أطلقت تنهيدة مكتومة صبغت بعدها صوتها بنبرة مصطنعة من البهجة:
“صباح الخير يا عزيزتي. كيف حالكِ اليوم؟”
“بخير.. هل غادر أبي؟”
جاء سؤال أريا هادئاً، لكنه حمل في طياته غصةً لم تفلح في إخفائها.
فأجابتها مونيكا بنبرة مواسية:
“نعم، غادر السيد مع تباشير الفجر، ولم يشأ إيقاظكِ في تلك الساعة المبكرة.”
أطرقت أريا برأسها قائلة بمرارة خفيفة:
“أوه، نعم.. فهمت.”
سعياً لتبديد سحب الكآبة التي خيمت على الغرفة، رسمت مونيكا ابتسامة واسعة وقالت:
“أريا، ما رأيكِ في زيارة منزل جدكِ نهاية الأسبوع؟ لقد طال الغياب، أليس كذلك؟”
أضاء وجه أريا فجأة، وانفرجت أساريرها وكأن طيفاً من الذكريات الدافئة قد مسّ روحها:
“فكرة رائعة! أنا أتوق لرؤيته حقاً.”
“هذا هو الحماس المطلوب! لكن الآن، عليكِ الإسراع فالدقائق تتسرب من بين أيدينا.”
أومأت أريا بالموافقة، وبدأت في التحضر وقد سرت في جسدها طاقة جديدة بفضل اقتراح مونيكا، محاولةً أن ترتدي قناعاً من البهجة يستر حزنها الدفين.
حين هبطتا إلى الطابق الأرضي، ألحّت مونيكا عليها لتناول الإفطار.
لكن أريا اعتذرت بإباء؛ فلم تكن تطيق فكرة تسميم يومها بمشاركة المائدة مع شخص تمقته.
في غياب والدها، كان مجرد الجلوس مقابل “أريستا” عبئاً لا يحتمل.
عند خروجها، لمحت السيارة في انتظارها، فساورها بصيص من الأمل
لعل السائق بدأ أخيراً في عصيان تعليمات زوجة أبيها.
لكن هذا الأمل تبخر في لحظة ما إن تناهى إلى مسامعها وقع خطوات حادة لكعب عالٍ يقرع الرخام خلفها.
التفتت لتجد أريستا واقفة بشموخ غطرسة على الدرج
ترمقها بنظرات تقدح شرراً وتحدياً.
قالت أريستا بنبرة تقطر سماً:
“صباح الخير يا أريا. لِمَ التلكؤ؟ إذا استمر وقوفكِ هكذا، فلن تصلي أبداً.”
رسمت أريا ابتسامة ساخرة، فقد أدركت اللعبة تماماً، لكنها آثرت التظاهر بالجهل:
“صباح الخير سيدتي. كما ذكرتِ، الوقت يداهمني، لذا سأستقل السيارة فوراً.”
علت وجه أريستا ضحكة باردة:
“أوه، حقاً؟ لا أظن ذلك.”
تصلبت أريا وتساءلت:
“ماذا تقصدين؟”
“ستذهبين سيراً على الأقدام، كما هي عادتكِ دائماً.. أم أنكِ توهمتِ أن الدلال الذي حظيتِ به أثناء وجود والدكِ سيستمر للأبد؟”
عضت أريا على شفتها بقوة حتى كادت تدميها.
هل تُحرم حتى من هذه الرفاهية البسيطة؟
شعرت بطعنة في كبريائها، لكن الحزن هذه المرة استحال جمرة غضب تشتعل في أعماقها.
أدركت في تلك اللحظة سذاجتها؛ ففي غياب والدها، تصبح أبسط حقوقها أحلاماً مستحيلة.
حاولت مونيكا التدخل حين رأت الانكسار في عيني أريا
لكن أريا استجمعت شتات نفسها بسرعة، والتفتت نحو زوجة أبيها بنظرة حادة كالنصل، وقالت بصوت رخيم وهادئ:
“أنتِ محقة.. كدتُ أنسى أن الطباع أصيلة، وأن البشر لا يتغيرون مهما حاولوا التخفي.”
امتقع لون أريستا، واستشاطت غضباً وهي تصيح:
“ماذا قلتِ؟”
بدم بارد، أجابت أريا:
“وداعاً الآن، سيدتي.”
انطلقت أريا بخطوات واسعة وسريعة نحو الأكاديمية.
وهي تدرك تماماً أن هذا التمرد لن يمر بسلام.
لكنها سئمت دور الدمية التي تحركها الأصابع الحاقدة.
ركضت بكل ما أوتيت من قوة حتى لاح مبنى الأكاديمية في الأفق
توقفت وهي تلهث بصعوبة، وقد غطى العرق جبينها رغم لسعات الخريف الباردة.
وقفت أمام الباب الضخم، ترقب الساحة الخالية إلا من أوراق الشجر الذابلة التي تذروها الرياح.
تقدمت نحو الداخل، وقلبها يقرع بانتظام كطبول حرب توشك أن تبدأ.
وبينما كانت تهمّ بطرق باب الفصل الذي بدأ درسه بالفعل.
شق سكون المكان صوتٌ مألوف جاء من خلفها…
التعليقات لهذا الفصل " 8"