في قصر عائلة فاليريان، ضجت الردهات بنحيبٍ عويلٍ مسموم.
كانت أريستا تجثو عند قدمي والدها، تملأ الدنيا صراخاً وهي تلوح بورقة الطلاق.
كأنها صكّ إعدامها، وشعرها الأشقر يتناثر على وجهها في دراما مدروسة.
“لقد طردني يا أبي! رماني في العراء كخادمة من أجل تلك المرأة اللعينة صوفيا.. لقد تآمروا عليّ ، ليشوهوا سمعة آل فاليريان!”
اشتعل الغضب في عيني العجوز فاليريان، واهتزت لحيته البيضاء وهو يضرب بعصاه الأبنوسية الأرض:
“كيف يجرؤ سليل ‘بايلي’ على إهانة ابنتي ؟ سأذهب الآن، وسأجعله يدرك أن كرامة فاليريان لا تُمس، وأن الطلاق ثمنه باهظٌ لن يقوى على دفعه!”
كان الجو داخل مكتب يوجين مشحوناً ببرودٍ قارس، لم يكن برود الشتاء، بل كان برود الحق الذي لا يلين.
استقبل المساعد مارك العجوز “فاليريان” بوجهٍ صخري، واقتاده إلى الداخل.
حيث كان يوجين يجلس خلف مكتبه، مسنداً ظهره بوقارٍ يفوح منه التهديد.
انفجر العجوز بمجرد دخوله، وصوته يرتجف حنقاً:
“يوجين بايلي ! أي عارٍ ألحقته بصهورك؟ أتطلق ابنتي من أجل امرأةٍ كانت طي النسيان ؟ هل ظننت أن عائلة فاليريان ستقف متفرجة وهي ترى ابنتها تُطرد من قصرك ؟”
لم يحرك يوجين جفناً، بل أشار إلى المقعد ببرودٍ قاتل:
“اجلس يا سيدي، فالغضب يسدّ مسامعك عن الحقائق.. والحقائق اليوم مُرّة.”
ألقى يوجين بملفٍ أسود فوق الطاولة، وتناثرت منه أوراق ولفائف متهالكة. قال بصوتٍ حاد كالنصل:
“ابنتك المصونة لم تكن زوجة، بل كانت أفعى تتلفع ثوب البراءة . انظر إلى هذه الرسائل.. لقد استأجرت امرأة فقيرة، وباعتها بضع قطع من الذهب ، لتزرع بيني وبين زوجتي شكوكاً دامت سنوات. لقد اشترت شقائي بذهبكم يا آل فاليريان!”
“هذا ليس كل شيء. في غيابي، حولت حياة ابنتي أريا إلى جحيمٍ يومي. كانت تفرغ حقدها في جسد طفلة لا حول لها ولا قوة. هذه الوثائق تحمل اعترافات مدونة من الخدم ومن المرأة التي زورت الرسائل.. فهل ما زلت ترى ابنتك مظلومة، أم أنها أتقنت دور الضحية أمامك كما أتقنته أمامي؟”
ساد صمتٌ خانق، تحولت فيه نيران غضب العجوز إلى رمادٍ بارد.
أخذ يقلب الأوراق بذهول، وصوت ارتجاف الورق في يده هو الوحيد المسموع. همس بانكسار:
“أريستا.. هل بلغت بها الدناءة هذا الحد ؟”
نهض يوجين بهيبةٍ طاغية، واقترب من النافذة معطياً ظهره للعجوز، في إشارةٍ لانتهاء المكانة:
“لقد انتهى زمن الزيف. ولأن عائلة فاليريان لم تكتفِ بتدنيس اسمي، بل سرقت سنواتٍ من عمر عائلتي، أبلغك رسميًا بقطع كافة الشراكات التجارية بيننا نهائياً. لن يبقى لاسمكم ذكرٌ في سجلات عائلة بايلي، ولا في خزائننا.”
هنا سقط كبرياء العجوز؛ فالمال كان عصب نفوذهم. نهض بصعوبة وتلعثم بتوسلٍ ذليل:
” السيد يوجين.. أرجوك ! الخلافات العائلية شيء والتجارة شيء آخر! قطع الشراكة في هذا التوقيت يعني إفلاسنا الحتمي.. فكر في العقود الموقعة بيننا!”
التفت إليه يوجين بنظرةٍ جليدية أخرست لسانه، وقال بكلماتٍ حاسمة كوقع المقصلة:
“لقد فكرتُ في سنوات عذاب صوفيا، وفي صرخات أريا المكتومة.. وهذا ثمنٌ بخس جداً مقابل ما اقترفته ابنتك. اخرج يا سيدي، فمكتبي لا يتسع لمزيدٍ من الزيف.”
خرج العجوز يجرّ أذيال الخيبة، يترنح تحت ثقل الحقيقة وصدمة السقوط من عرش “فاليريان”، بينما بقي يوجين واقفاً..
يشعر ولأول مرة بنقاء الهواء.
وكأن الجدران نفسها طُهرت من دنس الوجود الطفيلي.
في جناح المكتب الفاخر داخل قصر عائلة “ليونارد” العريقة
كان الصمت هو سيد الموقف.
جلس لوكاس خلف مكتبه الأبنوسي العريض، والمصباح الجانبي يلقي بظلال دافئة على ملامحه الحادة التي استرخت أخيراً.
بعيداً عن صخب الأكاديمية.
لم يكن يراجع تقارير الأرباح كعادته، بل كان يقلب بين أصابعه الطويلة ذلك القلم المذهب.
وعيناه مسمرتان على كلمة “نبضي” وكأنها اعترافٌ مكتوب بمدادِ الروح، بعثر كل ثباته.
قطع هذا السكون اقتحامٌ مفاجئ لم يعرف يوماً معنى “طرق الباب”.
دخل سيدريك، الأخ الأصغر الذي يبدو نقيضاً كاملاً لرزانة أخيه؛ بابتسامة عريضة وحركة مسرحية.
ألقى بنفسه على الكرسي المقابل، مبعثراً سكون المكتب.
“يا رجل! رائحة التفكير العميق تفوح من الممر، ظننتك تخطط لغزو قارة أخرى لتضمها لأملاك ليونارد!”
لم يحرك لوكاس ساكناً، بل أغلق كفه على القلم بسرعة، لكن عين سيدريك -التي لا تخطئ التقاط التفاصيل- رصدت اللمعة المذهبة.
وبخفة القط، مد سيدريك يده واختطف القلم قبل أن يتمكن لوكاس من إبداء أي رد فعل.
“أوه.. ما هذا ؟ قلم مذهب ؟ ذوقك تطور يا أخي العجوز.. لحظة..”
اتسعت عيناه حتى كادتا تسقطان من وجهه، ثم انفجر ضاحكاً وهو يقفز من مكانه:
“لوكاس ! الملك الجليدي، سليل عائلة ليونارد الذي يضخ قلبه النيتروجين السائل، لديه شخص يسميه نبضه ؟ من هي ؟ هل هي أستاذة وقورة سقطت في حب صرامتك ؟ أم طالبة متمردة قررت تذويب الجليد ؟ أم هي الشخص الذي قلت يوماً إنك إذا فكرت في الزواج فلن تختار غيرها؟”
رمقه لوكاس بنظرة حادة كالنصل، وصوتٍ كأنه قادم من قاع بئر بارد:
“سيدريك.. ضع القلم مكانه، وغادر المكتب.. الآن.”
لم يتزحزح سيدريك، بل بدأ يدور حول المكتب وهو يلوح بالقلم كأنه وجد كنزاً:
“لن أغادر ! أريد أن أعرف من استطاعت اختراق هذا الحصن ؟ هل تعلم أن هذا الخبر أغلى من أسهم شركتنا في السوق ؟”
حاول لوكاس استعادة وقاره وضبط أعصابه بصعوبة:
“سيدريك، لدي عمل، اترك حماقاتك جانباً.”
توقف سيدريك فجأة، وغير نبرته إلى التودد المصطنع، واضعاً القلم على المكتب ببطء:
“حسناً، حسناً.. سأتركك مع ‘نبضك’. لكن بما أن مزاجك الآن… رومانسي بشكل غير مسبوق، فلي طلب صغير. أريد الخروج في رحلة استجمام مع أصدقائي للأسبوع القادم، وبالطبع.. ستحتاج لإدارة أعمال الشركة بدلاً مني.”
رفع لوكاس حاجباً بتهكم مرير:
“وكأن الأعمال ليست على عاتقي بالفعل ! هل نسيت أنني لا أزال أرمم ما أفسدته بعد أن كدنا نخسر شراكتنا مع عائلة ‘بايلي’ بسبب إهمالك المستمر؟”
لم يشعر سيدريك بالخجل، بل اقترب وبدأ يربت على كتف أخيه بنكات متتالية وتوسلات فكاهية:
“أرجوك يا كبير عائلة ليونارد، يا صاحب القلب النابض.. رحلة واحدة فقط وسأعود رجلاً جديداً!”
تأفف لوكاس بضيق، وأشار بيده بحركة “انصراف” غاضبة لكنها تحمل في طياتها الموافقة التي انتظرها سيدريك. لم يبقى ثانية واحدة ؛ ركض نحو الباب وهو يصرخ بمرح:
“شكراً يا صهر المستقبل!”
عاد الصمت ليخيم على المكتب . زفر لوكاس بعمق، وعادت يده لتمسك بالقلم برقة غير معهودة.
تذكر ما نقله إليه سكرتيره قبل قليل عن انقلاب الأحوال في “قصر يوجين”:
“سيدي، والدة الآنسة أريا عادت.. والسيد يوجين رفع قضية طلاق رسمية ضد أريستا.”
التعليقات لهذا الفصل " 29"