كانت خيوط الشمس الذهبية تُلقي بآخر أنفاسها على شوارع العاصمة
تاركةً خلفها ظلالاً واهنة تمتد فوق الأرصفة الحجرية العتيقة.
خرجت أريا من بوابات الأكاديمية، تحتضن كتبها كأنها تلوذ بها من ضيقٍ جثم على صدرها..
كانت تبحث عن نسمة هواءٍ تزيح عن كاهلها إرث الأيام الثقيلة التي قضتها خلف أسوار القصر الموحشة.
وفي المدى المقابل، كان سيمون يخطو بهدوءٍ مهيب.
يتغلغل في شوراع العاصمة التي لم تطأها قدماه من قبل.
ورغم غضارة سنه، كانت خطواته موزونة بوقارٍ يسبق أعوامه، ونظراته الحادة تجبر المارة على الالتفات..
لم يكن مجرد طفلٍ عابر، بل كان تجسيداً حياً لـ “يوجين”.. هيبةُ رجلٍ تسكن جسد صبي.
فجأة، تجمدت الدماء في عروق أريا.
على بُعد خطوات، رأت وجهاً نُحت من ذاكرتها الأغلى.
خفق قلبها بعنفٍ كطائرٍ محبوس، وهمست بصوتٍ يرتجف بين الرعب واللهفة:
“أيعقل ؟ هل يمكن أن يكون هناك شبيهاً لوالدي بهذا القدر ؟ “
اندفعت نحوه بلا وعي، والدموع تغشى بصرها فترسم للعالم أطيافاً باهتة.
اقتربت من الصبي الذي يحاكي شموخ والدها بدقة تقشعر لها الأبدان، ونادته بصوتٍ مخنوق بالبكاء:
“لحظة.. أرجوك!”
التفت الصبي ببطءٍ وثبات.
كان نسخةً مصغرة من والده ؛ ملامح حادة كالسيف، ونظرة ثاقبة جعلت أريا ترتد خطوة للخلف، مذهولةً من سطوة الشبه.
أما سيمون، فقد رشقها بنظرة باردة يسيجها الحذر، ظاناً إياها مجرد عابرة ضلت طريقها أو فتاة مسها الخبل.
قال بصوتٍ رخيم، فيه صدى رجولةٍ :
“أخطأتِ العنوان يا آنسة، لستُ من تبحثين عنه.”
حاولت أريا أن تنطق، لكن غصةً مريرة وقفت في حلقها.
استدار سيمون ليغادر، شاعراً أن إطالة الوقوف قد تثير فضول المارة.
ارتبكت أريا، وحاولت اللحاق به لتطفئ نار شكوكها..
لكن قدمها زلت فوق حجرٍ أملس، فسقطت أرضاً.
وتناثرت كتبها، وانطلقت منها صرخة ألم مكتومة:
“آه..!”
توقف سيمون في مكانه.
ورغم تدثره بالبرود، إلا أن نداء الاستغاثة أيقظ فيه غريزة الحماية الفطرية .
عاد إليها بخطى حثيثة، وانحنى ليساعدها.
في تلك اللحظة، رفعت أريا رأسها، فالتقت العيون..
سقط قناع الجمود عن وجه سيمون..
كان ينظر إلى وجه “أمه”، ذات العينين الرماديتين ، ذات الرقة التي كانت تبتسم له كل صباح.
أما أريا، فكانت تتأمل مرآةً تعيد لها ملامح والدها في ريعان شبابه.
نطق سيمون بصوتٍ لم يعرف الاهتزاز قط:
“أريا..؟”
اتسعت عيناها بذهول، وتمتمت بضياع:
“كيف.. كيف تعرف اسمي ؟ ومن أنت ؟”
أمسك يدها بقوة، ونبرة صوته امتزجت بدموعٍ حُبست طويلاً:
“أنا سيمون.. أنا أخوكِ يا أريا ، لقد عادت أمي.. عدنا جميعاً لأجلكِ.”
هوت الكلمات عليها كالصاعقة.
أخ ؟ أم ؟ عودة ؟
تداخلت العوالم في رأسها، لكن روحها لم تكن بحاجة لبرهان.
فالشبه الفطري كان صرخة الحقيقة في وجه الشك.
ارتمت في حضنه الصغير، وانفجرت ببكاءٍ مرير..
بكاء سنوات الوحدة والقهر تحت وطأة “أريستا”.
سيمون، الذي كان يوازيها طولاً رغم أنه يصغرها سناً ، ضمها إليه بصلابة الرجال..
ودموعه الصامتة تبلل كتفها وهو يهمس:
“أنا هنا يا أختي.. لن يجرؤ أحدٌ على مسّ شعرة منكِ بعد اليوم.”
حاولت أريا الوقوف، لكن كاحلها الملتوي خذلها.
قال سيمون بلهجةٍ آمرة لا تقبل الجدل:
“لن تخطي خطوة واحدة. سأحملكِ إلى المنزل الذي استأجره والدي.”
اعتذرت بإحراج:
“سيمون، أنا أكبر منك ! جسدك لن يحتمل..”
قاطعها بنظرة حادة، هي ذاتها نظرات يوجين حين يصدر أمراً نهائياً:
“أنا لست طفلاً يا أريا. اصعدي.. وهذا أمر!”
استسلمت لصرامته المحببة، وتشبثت بظهره.
سار بها في زحام العاصمة بخطوات واثقة، حاملاً أخته الكبرى وقلبه يرقص انتصاراً..
فاليوم لم يستعد أخته فحسب، بل رمم ثقباً كان يتسع في روحه.
وصل سيمون إلى باب القصر المصغر، والعرق يتصبب من جبينه، لكن قامته لم تنحنِ.
كانت أريا تدفن وجهها في كتفه، تستنشق رائحةً غريبة لكنها مألوفة للروح..
رائحة الأمان التي افتقدتها دهراً.
أنزلها ببطءٍ أمام الباب العظيم، وهمس برصانة:
“لقد وصلنا.. تنفسي بعمق.”
فُتح الباب، فخيم صمتٌ مهيب على الردهة.
كانت صوفيا تقف في نهاية الرواق بوقارها الهادئ وشالها الأرجواني.
وحين وقع بصرها على الفتاة التي يسندها سيمون، سقط الفنجان من يدها ليتهشم على الرخام.
محدثاً دويّاً كان بمثابة إعلانٍ صريح لنهاية زمن الانتظار المر.
تسمرت أريا في مكانها.
لم تكن بحاجة لتعريف؛ تلك الملامح التي سكنت أحلامها الباهتة.
تلك الابتسامة التي بحثت عنها في وجوه الغرباء..
كانت تقف أمامها الآن بلحمها ودمها.
“أريا..؟”
نطقته صوفيا بهمسٍ واهن، لم يكن صوتاً، بل كان زفرة روحٍ كادت أن تزهق شوقاً.
لم تعد أريا تشعر بألم جسدها…
اندفعت بنحيبٍ يسبق خطواتها المتعثرة، وفي منتصف الردهة، التقت الغيمتان.
ارتمت أريا في حضن صوفيا، فاحتضنتها الأخيرة بقوةٍ كادت تسحق الضلوع، وسقطتا معاً على الرخام البارد.
لكن دفء العناق كان كفيلاً بإذابة جليد السنين العجاف.
تعالت شهقات أريا الممزقة:
“أمي..؟ هل أنتِ حقيقة؟ قولي إنني لا أحلم.. قولي إنكِ لن ترحلي وتتركيني للوحشة مجدداً!”
أمسكت صوفيا وجه ابنتها بيديها المرتجفتين، تنثر القبلات على جبينها وعينيها، وهي تنشج بمرارة:
“سامحيني يا صغيرتي.. سامحيني على كل ليلة تجمدتِ فيها ولم أكن غطاءكِ، وعلى كل دمعة ذرفتهاِ ولم أكن منديلاً يمسحها. أنا هنا.. ولن يفرقنا إلا الموت.”
على شرفة الدرج، كان سيمون يراقب المشهد بصمت، وعيناه تفيضان بدموعٍ .
انحنت صوفيا تهمس في أذن ابنتها وهي تمسح على شعرها بحنان:
“انظري إليّ يا صغيرتي.. لقد عاد الحق لأصحابه، وعدتُ لأبني لكِ جنةً من الأمان تعوضكِ عن كل جحيمٍ رأيته.”
رفعت أريا رأسها المبلل بالدموع، لتجد والدها واقفاً عند البوابة.
كانت نظراته مزيجاً مربكاً من انكسار الأب الذي كان مغيباً طيلة هذه السنين..
وفخر القائد الذي استعاد أثمن ما يملك.
كانت عيناه تلمعان ببريقٍ يشبه الندى فوق الفولاذ.
فتح ذراعيه لها على وسعهما، فتركت حضن والدتها لترتمي في حصنه الحصين.
هناك، بين ذراعيه القويتين، شعرت أريا لأول مرة بأنها “أميرة” ليست بلقبها، بل بمكانتها..
وأن كل كوابيس “أريستا” لم تكن إلا سحابة صيفٍ انقشعت بطلوع فجر عائلتها من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 28"