في صباح اليوم التالي
تلبّدت السماء بغيوم كثيفة، وتسلل ضوء شاحب عبر ستائر غرفتها
ليوقظ جسداً مثقلاً بالأوجاع.
حاولت النهوض، فخُيّل إليها أن رأسها مرجلٌ يغلي
كانت الحمى تنهش جلدها، بينما ترتجف عظامها تحت وطأة بردٍ داخلي لا يرحم.
رغم الوهن، قاومت انكسارها لتستعد للذهاب إلى الأكاديمية.
غابت “مونيكا” المربية عن موعدها المعتاد
فقد علمت أريا أن زوجة أبيها قد منعتها من إيقاظها، في محاولة بائسة لعرقلتها.
ارتدت زيّها بأصابع مرتعشة، وتجاهلت وجهها الشاحب في المرآة
ذلك الوجه الذي كان يروي بصمتٍ تفاصيل هزيمة ليلة أمس.
خرجت من القصر بخطوات وئيدة ثقيلة
وسارت نحو الأكاديمية تحت سماء رمادية لا تعدُ بغير المطر.
كانت المسافة دهراً، وكل خطوة تخطوها كأنها مسمار يُدق في وعيها المنهك.
وصلت إلى أبواب الأكاديمية وأنفاسها تتقطع في صدرها
لتقف أمام باب الفصل الذي بدا لها كأنه سد منيع لا يُقهر.
طرقت الباب بوهن، فجاءها صوت الأستاذة “ماريتا” حاداً كالنصل
“ادخل !”.
لم تكد أريا تخطو خطوة واحدة حتى جمدتها نظرات ماريتا الصارمة.
“متأخرة مرة أخرى؟”
حاولت أريا أن تستجمع شتات صوتها لتشرح حالتها
لكن الكلمات خرجت مبحوحة مستسلمة
“أعتذر.. كنتُ..”
قاطعتها ماريتا ببرود لاذع
“أعذاركِ باتت أكثر رتابة من تأخيركِ المتكرر. لا مكان للمستهترين في حصتي. اذهبي إلى مكتب المدير ‘لوكاس’.. فوراً”.
سارت أريا في الردهات الصامتة كطيفٍ تائه
حتى استقرت أمام ذلك الباب الخشبي الثقيل.
خلفه، كان يجلس “لوكاس”.
دخلت المكتب فلفحها هدوء المكان المصطنع
لم يرفع لوكاس عينيه عن أوراقه، وظل صرير ريشته وهو يوقع الأوراق يتردد في أذنيها بصوت رتيب.
” مرحبا سيدي المدير.. أنا..”
بدأت أريا حديثها بصوت يرتجف بمزيج من الحمى والظلم.
رفع بصره أخيراً، لكن نظراته لم تكن تحمل غضباً.
بل كانت أدهى وأمرّ؛ كانت تحمل “عدماً”. بروداً جليدياً يغتال الروح.
قال بنبرة رخيمة وجافة
“آنسة بايلي.. لقد خيبتِ آمال الأكاديمية. سلوككِ الأخير خلف المكتبة، والآن استهتاركِ بالوقت..”.
انفجر القهر في صدرها، و تكلمت بمرارة.
“لا.. لم أكن أنا من..”
وضع لوكاس قلمه بهدوءٍ مريب، وشبك أصابعه فوق المكتب.
كانت تلك الحركة وحدها كافية لتبث الرعب في أوصالها.
فابتلعت بقية كلماتها غصةً وخوفاً.
تابع ببرود يطعن القلب
“الحقيقة هي ما يُدوّن في التقارير يا آنسة أريا، وليس ما تسوقينه من حجج بالية. احتجاجاتكِ ليست سوى ضوضاء لا طائل منها. غادري المكتب”.
خرجت والدموع تنهمر كالسيل، والدوخة تعصف برأسها.
لم تعد تشعر ببرودة الأرض، بل بفراغ هائل يبتلع كيانها.
كان العالم بأسره يتواطأ ليجعلها “المذنبة” في حكاية كانت هي ضحيتها الوحيدة.
استندت إلى الجدار البارد في الممر الخالي، وأغمضت عينيها لتترك العنان لدموع حارقة تفر من جفنيها.
قادتها قدماها إلى ذلك المكان خلف المكتبة، حيث وجدت مقعداً تحت شجرة هرمة.
جلست وقد ضاقت بها السبل؛ فلا خيار أمامها سوى انتظار انقضاء الساعتين.
أرادت فتح كتابها، لكن غشاوة الحمى حجبت عنها الرؤية.
اتكأت على المقعد الخشبي لتريح رأسها المثقل بالذكريات.
لفت معطفها الصوفي حول جسدها المرتجف، بينما كان شعرها البني الطويل يداعب النسيم.
وفجأة، لاح طيف والدتها أمام عينيها..
تلك الليلة المشؤومة التي لم تبرح ذاكرتها.
حين رأت أمها تصرخ وتتخبط في نوبة جنون، تحطم كل ما يقع تحت يدها.
كل ما تذكره أريا وهي طفلة هي صرخة بقيت تتردد في أعماقها
“كيف يمكنك أن تخونني؟ كيف؟!”.
كانت الأم تبكي بحرقة، ولم يكن الأب في حال أفضل.
يقسم براءته ويحاول تهدئتها بلا جدوى.
غادرت الأم في تلك الليلة، مخلفةً وراءها طفلة وندبة لا تندمل.
تذكرت أريا كيف كانت تحتضن دميتها وهي تبكي ذعراً، وكيف حاول والدها مواساتها، لكنها لم تنم.
ظلت تنادي باسم أمها طوال الليل.
ومنذ ذلك الحين، لم ترها، وما يمزق قلبها حقاً هو أن أمها لم تسأل عنها يوماً.
مسحت دموعها ونظرت إلى الغيوم المتراكمة في السماء، وتساءلت بمرارة
“لو بقينا عائلة واحدة، كيف كانت ستكون حياتي؟ هل كنت سأعرف طعم السعادة كبقية الفتيات؟”.
لكن الإجابة الوحيدة كانت دموعاً لا تتوقف
انهمرت كشلالٍ من الأسى لا ينقطع.
التعليقات لهذا الفصل " 12"