0 - المُقدمة
المـقدمة
“أسمعتِ الخبر؟ يقولون إن الكونت ألديون قد تزوَّج من خادمة!”
“يا للهول! أيعقل أن يتزوج الكونت الشامخ، ذو الكبرياء والأنفة، من خادمة؟”
“هذا ما حدث بالفعل…. حقًا لا أحد يدري كيف تتبدل الأيام.”
ضجت القرية بأكملها لخبر زواج الكونت ألديون؛ ذلك الرجل الذي كان يرى في التعالي على من هم دونه حقًا مكتسبًا. كيف له أن يختار شريكة حياته من عامة الشعب، بل ومن طبقة الخدم؟
“لهذا السبب تتسابق الفتيات للعمل في بيوت النبلاء، فكم خادمة أصبحت اليوم سيدة قصر؟”
“صدقتِ، في غابر الأمان كان هذا أضغاث أحلام لا تتحقق.”
أومأتُ برأسي في صمتٍ موافقةً على حديثهما.
نعم، لم يكن هذا ممكناً قبل سنوات قليلة، حين كان النبلاء لا يرتضون بغير أقرانهم أزواجاً.
لكن رياح التغيير بدأت تهب على العصر؛ فأنشئت الأكاديميات التي تجمع النبلاء والعامة تحت سقف واحد، ووصل فارس من عامة الشعب إلى منصب قائد الحرس الإمبراطوري. بل إن الثورات في الممالك المجاورة قد أطاحت بنظام الطبقات تماماً.
أما في إمبراطورية هيرسيان حيث أعيش، فما زال النظام الطبقي صامداً بجذوره، وإن بدأت أركانه تتزعزع مؤخراً، خاصة بعد ذيوع خبر علاقة الإمبراطور ليونهارت هيرسيان بامرأة من العامة، لتزهر قصص “الحب العابر للطبقات” وتنتشر كالنار في الهشيم.
“ألا يوجد شاب وسيم من طبقة راقية هنا؟”
“لماذا؟ هل تنوين التسلل إلى منزله كخادمة وإيقاعه في شباككِ؟”
فجأة، تحولت أنظار الفتاتين اللتين كانتا تثرثران وهما تقطفان التوت البري نحوي.
“ماري، لِمَ أنتِ صامتة هكذا منذ البداية؟”
“صحيح، لقد كنتِ كثيرة الثرثرة قبل قليل، ما بالكِ سكنتِ فجأة؟”
رسمتُ على وجهي ابتسامة باهتة وأجبت.
“آه، لستُ مهتمة كثيراً بمثل هذه الأحاديث.”
“يا للعجب! كيف لا تهتمين لقصص مشوقة كهذه؟”
“لحظة.. ماري، ألم تقولي ذات مرة إنكِ عملتِ خادمة لدى عائلة هاميلتون؟”
حبستُ أنفاسي بغتة.
لقد أخبرتُ السيدة أنيسا فقط بهذا الأمر، كيف وصل الخبر إلى مسامع (لورا) الثرثارة؟
“صحيح! سمعتُ ذلك أيضاً. وقيل إنكِ لم تكوني مجرد خادمة للأعمال الشاقة، بل كنتِ الوصيفة الخاصة بالسيد الشاب، أليس كذلك؟”
بدا الفضول جلياً في سؤال آنا أيضاً؛ يبدو أن ماضيّ لم يعد سراً يقتصر على لورا.
وعندما أومأتُ برأسي مؤكدة، تعالت صيحاتهما المندهشة في آن واحد.
“يا إلهي! كم أنتِ محظوظة! لقد كنتِ تلازمين الشاب ريكاردو هاميلتون ليل نهار!”
“حقاً، إني أحسدكِ! لقد رأيتُ صورته في الصحف، كان فاتناً لدرجة خلتُها تمثالاً منحوتاً بدقة. أخبرينا، كيف يبدو على الواقع؟ هل هو بجمال صوره تماماً؟”
“وهل حدث بينكما أي شيء؟”
“مستحيل ألا يحدث شيء، وماري بهذا الجمال!”
انهالت عليّ الأسئلة كالسيل حتى شعرتُ بالدوار.
لهذا السبب بالتحديد طلبتُ من السيدة أنيسا كتمان الأمر.
“ماري، لا تقفي هكذا كالصنم، تكلمي!”
وتحت إلحاحهما الشديد، تنهدتُ بعمق واستحضرتُ صورة السيد ريكاردو في ذهني.
لقد مرت ثلاث سنوات منذ غادرتُ قصر هاميلتون، ومع ذلك، لا تزال ملامحه مطبوعة في مخيلتي كأنني رأيته بالأمس.
شعره البني الفاتح الذي يتبعثر بعفوية كل صباح.
بشرته البيضاء الملساء كقطعة خزف.
عيناه الزمرديتان اللتان تشعان بريقاً كأن نجوماً قد تفتتت بداخلهما.
جسر أنفه المستقيم الذي يرسم منحنىً رقيقاً.
شفتاه الناعمتان…. وخط فكه الحاد الذي ينم عن رجولة، ومنكباه العريضان.
“إنه في الحقيقة أوسم بكثير مما تبدو عليه صوره في الصحف.”
“يا إلهي! كما توقعت!”
“يا للروعة!”
تحدثتُ بهدوء، فانطلقت صيحاتهما كفتيات صغيرات غارقات في الأحلام. ظننتُ أن الأمر سينتهي عند هذا الحد، لكن..
“إذن يا ماري، ألم يحدث بينكما أي شيء؟”
لقد كانتا مثابرتين بشكل مزعج.
“لم يحدث شيء…. لا شيء على الإطلاق.”
“حقاً؟”
“حقاً. وكيف يعقل أن يحدث شيء؟ السيد ريكاردو هو وريث عائلة هاميلتون العريقة وسيكون له شأن عظيم في إدارة شؤون البلاد، أما أنا فمجرد خادمة تقوم بالأعمال البسيطة.”
“أوه، ماري! ألا ترين كم من الخادمات سحرن قلوب الأسياد هذه الأيام؟”
لمعت عينا لورا وهي تتحدث عن الحب الذي يتجاوز الفوارق الطبقية وكأنه ذروة الرومانسية، لكنني هززتُ رأسي نفياً.
فحتى للحب الذي يتجاوز الحدود…. حدوداً لا يتخطاها.
عائلة هاميلتون تحمل دماءً ملكية، ورغم أن هيبتها قد خدشت قليلاً بسبب بعض الأحداث، إلا أنها لم تسقط أبداً.
ريكاردو هاميلتون، الابن الوحيد لدوق قوي يحظى بحظوة لدى الإمبراطور؛ لا يمكن لرجل بمكانته أن يرتبط بخادمة نكرة.
….هكذا يجب أن تكون الأمور.
“سيتزوج السيد من آنسة من عائلة نبيلة تليق به. وبالتأكيد، قد نسي أمري تماماً الآن.”
من الطبيعي أن يُنسى أمر خادمة تركت العمل ورحلت.
لكن، لماذا أشعر بهذا الضيق والوحشة حين أتخيل أنه قد نسيني حقاً؟
“ربما هو مجرد اعتياد…. فقد خدمته منذ صغرنا….”
وبينما كنتُ أحاول إقناع نفسي بهذا العذر المنطقي، فاجأني صوت عرفته أذناي جيداً:
“لم أنسَ.”
ارتجف جسدي لسماع ذلك الصوت المألوف والغريب في آن واحد، وسقطت السلة من يدي بذهول. صرخت لورا وآنا من المفاجأة، ثم انحنتا برؤوسهما بسرعة هائلة فور رؤية الطارق.
أما أنا، فأنزلتُ نظري ببطء لأرى حبات التوت وهي تتناثر على الأرض بوضاعة. تدحرجت حبة منها حتى استقرت عند مقدمة حذاءٍ لامع.
مدّ صاحب الحذاء يده، التقط حبة التوت، ووضعها في فمه ببرود.
شهقتُ برعب وصحتُ لا إرادياً.
“سيدي الشاب..؟!”
إنه ريكاردو هاميلتون.
كان واقفاً أمامي بشحمه ولحمه. رغم مرور ثلاث سنوات، كانت ملامحه هي ذاتها التي في ذاكرتي، بل ربما ازداد نضجاً ووسامة.
“مرحباً ماري…. مضى وقت طويل.”
أهو حقاً السيد ريكاردو؟ كيف وجد هذا المكان؟ وهل تعلم السيدة ريانه بوجوده هنا؟
تسمرتُ مكاني وأنا أتأمل عينيه الخضراوين اللتين تلمعان تحت ضوء الشمس، قبل أن أستجمع شتات نفسي وأقول:
“لورا، آنا…. هل يمكنكما تركنا قليلاً؟ أود التحدث مع السيد.”
“آه.. نعم، طبعاً.”
“اقضيا وقتاً ممتعاً.”
انصرفت الفتاتان بنظرات تملؤها الريبة والفضول، وما إن تأكدتُ من ابتعادهما حتى صرختُ في وجهه:
“سيدي! كيف تأكل شيئاً سقط على الأرض؟!”
كانت هذه أول جملة أنطق بها بعد فراق دام ثلاث سنوات.
“لقد قطفتِها بيدكِ يا ماري، سيكون من الهدر أن أتركها.”
أهذا عذرٌ يقال الآن؟
“لماذا أتيتَ إلى هنا؟”
حاولتُ جاهدة أن تكون نبرتي باردة، لكن جوابه جاء دافئاً لدرجة مربكة.
“أتيتُ لأنني اشتقتُ إليكِ…. يا ماري.”
اشتقتَ إليّ؟
خفق قلبي بعنف وكأنه يريد الخروج من صدري. اهدأ.. لا تضطرب…. ليس الأمر كما تظن.
زممتُ شفتي لأمنعها من الابتسام وقلتُ بهدوء مصطنع:
“لم أعد خادمتك الآن يا سيدي، لذا أرجوك…. ارحل.”
“أرفض.”
“لا تكن عنيداً، لم تعد طفلاً…. إلى متى ستظل تلاحقني هكذا؟”
توقعتُ أن يشتعل غضباً أو يتذمر كعادته، لكن الرجل الذي أمامي اكتفى بابتسامة واثقة وقال بنبرة رخيمة:
“طوال العمر.”
“ماذا؟”
لم أصدق ما سمعته، فسألتُه مستنكرة، ليعيد قوله بتأكيد أكبر.
“طوال…. العمر. سأجدكِ أينما ذهبتِ.”
“….كفَّ عن قول هذه الأشياء المخيفة.”
“مخيفة؟ أليس من المفترض أن تفرحي لأن رجلاً بوسامتي يلاحقكِ؟”
بهذا الصلف والاعتزاز بجماله، تأكدتُ أنه السيد ريكاردو الذي أعرفه. لم يكن بمقدور أحد أن ينكر وسامته، لكنني لم أستسلم لهذا السحر.
“لقد تعلمتُ أن من يلاحق شخصاً رغم رفضه يُعد مطارداً خطيراً يجب الإبلاغ عنه.”
“ومن علمكِ هذا؟”
“السيدة ريانه.”
“أمي من قالت ذلك؟”
“نعم. لذا يا سيدي، توقف عن مطاردتي وعُد من حيث أتيت.”
“هذا محال. إذا عدتُ الآن، فقد أموتُ هزلاً من شوقي إليكِ يا ماري.”
وضعتُ يدي على جبيني وأنا أراه يتصنع الضعف والمسكنة. لو استمر هذا الحوار هنا، فستنتشر الشائعات في القرية قبل غروب الشمس؛ من “ماري وريكاردو على علاقة” إلى “ماري ستصبح الدوقة القادمة”.
تنهدتُ وقلتُ له هامسة:
“اتبعني.”
***
بينما كنا نسير نحو حقل القصب النائي حيث يقل المارة، كنتُ ألتفتُ بين الحين والآخر لأتأكد من أنه يتبعني. وفي كل مرة، كانت تلتقي عيناي بعينيه الخضراوين اللتين تضيقان بابتسامة حانية.
لم يتغير شيء…..
تلك النظرة الدافئة التي لا يمنحها إلا لي، وتلك الابتسامة العريضة….
إن المودة التي أشعر بها في حضوره لم تكن بالنسبة لي مجرد حلاوة صافية، بل كانت ممزوجة بمرارة الواقع.
“سيدي، أنا…..”
لن أعود إلى ذلك القصر، لذا ارحل فحسب.
وقبل أن أكمل جملتي التي أعددتُها، شعرتُ بذراعيه تلتفان حولي من الخلف في عناق مفاجئ.
“سيدي، أخبرتُك أن هذا لا يجوز.”
كررتُ الكلمات ذاتها التي قُلتها آلاف المرات من قبل، وحاولتُ الإفلات من بين يديه. أو هكذا ظننتُ أنني أستطيع.
رغم أنه لم يبدُ وكأنه يبذل جهداً كبيراً، إلا أن قبضته كانت راسخة كالجبل.
من أين أتته كل هذه القوة؟!
شعرتُ بصلابة ذراعيه من فوق القماش، وبكفّه التي أصبحت ضخمة بما يكفي لتطويق ذراعي بالكامل. الصبي الذي كان يخسر أمامي في مصارعة الأيدي ويغادر متذمراً لم يعد له وجود.
“لقد اشتقتُ إليكِ حقاً…. ماري.”
كان صوته عذباً ورقيقاً، يشوبه ارتعاش خفيف كأنه على وشك البكاء، مما لجم لساني عن الرد.
“أتذكرين حين قلتُ لكِ قديماً…. أنني سأظل أطرق باب قلبكِ حتى تفتحيه لي وتصبحي ملكي؟”
“نعم، وقلتُ لكَ حينها إنني لستُ باباً يُطرق، بل إنسانة لها إرادة.”
ضحك بخفة وكأنه يستعيد تلك الذكرى الجميلة.
“صحيح. ماري ليست جماداً، بل إنسانة. لذا…. قررتُ أن أتوقف عن المحاولة.”
توقف قلبي عن الخفقان فجأة عند سماع تلك الكلمات. شعرتُ وكأن الزمن قد تجمد.
إذن، لقد جاء ليقول وداعاً.. هذا هو الصواب.
وبينما كنتُ أحاول جاهدة التظاهر بالثبات، تابع بصوتٍ يقطر عسلاً، لا يشبه أبداً صوت رجلٍ ينوي التخلي عن حبه:
“بما أن ماري لن تأتي إليّ…. فسأكون أنا من يسقط في شباككِ.”
Chapters
Comments
- 3 منذ 8 ساعات
- 2 منذ 8 ساعات
- 1 منذ 10 ساعات
- 0 - المُقدمة منذ 12 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 0"