ارتميتُ فوقَ سريري الواسعِ الوثيرِ في غرفتي، وهتفتُ بملءِ فمي:
“لقد كان قرارُ مجيئي إلى عائلةِ هاميلتون صائبًا حقًا!”
كنتُ أحملُ همَّ كيفيةِ تنظيفِ هذا القصرِ الشاسعِ بمفردي، لكنَّ مخاوفي تلاشت هباءً.
— تنظيفُ المبنى الملحقِ تتولّاهُ خادماتٌ متخصصاتٌ يأتينَ بصفةٍ دوريةٍ. لذا عليكِ الحذرُ كي لا تصادفي أحداً من الخدمِ أثناءَ تواجُدِهم هنا.
— أما الغسيلُ، فما عليكِ سوى وضعُه في السلالِ، وسنتولى أنا أو رئيسُ الخدمِ أمرَه.
استعدتُ كلماتِ السيدةِ ليسا وأنا أشعرُ بفيضٍ من الامتنانِ.
أيعقلُ ألّا يكونَ لي عملٌ سوى رعايةِ السيدِ الصغيرِ؟ هل يُسمحُ لي حقًا بالاستمتاعِ بهذا القدرِ من الراحةِ في العملِ؟
‘وفوقَ هذا، يبدو أنني أصبحتُ على وفاقٍ مع السيدِ الصغيرِ، وهذا أمرٌ يبعثُ على الارتياحِ.’
بفضلِ تلك الخدعةِ، أو بالأحرى “السحرِ” الذي أريتُه إياه، بدا وكأنَّ السيدَ الصغيرَ قد فتحَ لي أبوابَ قلبِه قليلًا، وإن ظلَّت كلماتُه جافةً كالعادةِ. لكنني كنتُ واثقةً أنني إذا ما اعتنيتُ به جيدًا، فسيلينُ جانبُه لا محالةَ.
هكذا كنتُ أعتقدُ…
ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تداعى ذلك الاعتقادُ.
***
طن… طن…
ما إن وطئتْ قدمايَ غرفتي حتى رنَّ الجرسُ بصوتِه الرخيمِ.
“مرةً أخرى؟”
تنهدتُ بعمقٍ، ثم عدتُ إلى غرفةِ السيدِ الصغيرِ.
طرقٌ… طرقٌ—
“سيدي، أنا ماري.”
ما إن قرعتُ البابَ وذكرتُ اسمي حتى جاءني الردُّ فورًا:
“ادخلي.”
“حاضر يا سيدي، سأدخلُ.”
بالنظرِ إلى المرةِ الأولى التي أحضرتُ فيها الطعامَ واضطررتُ للتسللِ عبر النافذةِ لأنه لم يفتحِ البابَ… كان هذا تقدماً هائلاً. لقد غدوتُ ممتنةً لمجردِ استجابتِه لطرقي وإذنِه لي بالدخولِ.
كانت غرفةُ السيدِ الصغيرِ غارقةً في الظلمةِ كالعادةِ؛ فالمبنى الملحقُ يقعُ في منطقةٍ ظليلةٍ لا تكادُ تزورُها الشمسُ، فضلاً عن تلك الستائرِ الضخمةِ التي كانت تُسدَلُ دائمًا لتخفيَ النوافذَ الكبيرةَ.
‘إغلاقُ النوافذِ هكذا باستمرارٍ لن يكونَ مفيداً لصحتِه.’
قبل أيامٍ قليلةٍ، سألتُه إن كان بإمكاني فتحُ النوافذِ، لكنَّ رفضَه كان قاطعاً:
— الضوءُ يؤلمُ عينيَّ ويؤذي بشرتي، أنا أكرهُه.
قالت السيدةُ ليسا إنَّ التعرضَ لأشعةِ الشمسِ قد يساعدُ في تحسنِ حالتِه، ولكن أمامَ إصرارِه المستميتِ على الرفضِ، لم يكن أمامي سوى إبقاءِ الستائرِ مغلقةً.
دلفتُ إلى الغرفةِ التي تُنيرُها أضواءٌ خافتةٌ، فاستقبلني السيدُ الصغيرُ وهو يتكئُ بظهرهِ على أريكةٍ مريحةٍ.
“بماذا تآمرني هذه المرةَ؟”
“ناوليي ذلك الكتابَ.”
“أيُّ كتابٍ تقصدُ؟”
“ذاك.”
أشارَ بيدهِ نحو كتابٍ موضوعٍ على الطاولةِ دون أن يكلفَ نفسَه عناءَ النظرِ إليه.
لقد استدعاني من أجلِ كتابٍ لا يبعدُ عنه سوى خطوةٍ واحدةٍ، بل كان يكفي أن يمدَّ يدَه ليمسكَ به!
نظرتُ إلى وجهِه الهادئِ وشعرتُ برغبةٍ في التذمّرِ من ثقالتِه. وبدا وكأنه شعرَ بنظراتي المتوقدةِ فالتفتَ نحوي بطرفِ عينِه.
سرعان ما أخفيتُ تعابيرَ وجهي.
“ماذا تفعلين؟ ناوليني إياه.”
“آه، حاضر. سأحضرهُ فوراً.”
رسمتُ ابتسامةً مصطنعةً على وجهي وأعطيتُه الكتابَ.
“هل من شيءٍ آخرَ؟”
سألتُه وأنا أرجو في داخلي أن تكونَ الإجابةُ “لا”، فجاءَ ردُّه غيرَ مكترثٍ:
“كلا، لا شيءَ.”
“حقاً؟”
“أجل.”
“حقاً… حقاً؟”
بدا عليه الضيقُ من إلحاحي، فقطبَ حاجبيهِ بشدةٍ.
“قلتُ لا شيءَ. لِمَ تكررينَ السؤالَ؟”
لم أستسلم، بل نظرتُ إليه بتحدٍّ وأجبتُه:
“لأني أخشى أنك بمجردِ عودتي إلى غرفتي، ستسحبُ حبلَ الجرسِ مرةً أخرى! أتعلمُ كم مرةً رننتَ الجرسَ اليومَ؟”
ارتسمت على شفتيهِ ابتسامةٌ ماكرةٌ ومستفزةٌ.
“عشرُ مراتٍ؟”
أجل، هذا صحيحٌ.
منذُ أن أحضرتُ له وجبةَ الإفطارِ وحتى اللحظةِ، سحبَ هذا السيدُ المشاكسُ الحبلَ أكثرَ من عشرِ مراتٍ، وكانت حججُه متنوعةً للغايةِ:
— افتحي النافذةَ.
— الجوُّ باردٌ، أغلقيها.
— أسدلي الستائرَ.
— أصبحَ المكانُ مظلماً، أشعلي الضوءَ.
لم يكن الأمرُ رعايةً بقدرِ ما كان تدريباً لحيوانٍ أليفٍ!
والمشكلةُ الأكبرُ أنَّ هذه العادةَ لم تكن وليدةَ اليومِ؛ ففي اليومِ الأولِ استدعاني مرتينِ، وفي اليومِ التالي خمسَ مراتٍ، وفي الذي يليهِ عشرَ مراتٍ!
وهكذا استمرَّ العددُ في الازديادِ حتى صارَ اليومُ كلهُ عبارةً عن رنينِ أجراسٍ متواصلٍ بعدَ مرورِ أسبوعٍ على عملي.
في البدايةِ، كنتُ أفرحُ لمجردِ أنَّ السيدَ الصغيرَ يحتاجُ إليّ، لكنَّ تكرارَ هذه النداءاتِ العبثيةِ بدأ يثيرُ حنقي.
“هل فعلتُ شيئاً أزعجَكَ؟”
“كلا، لا شيءَ محددٌ.”
“إذاً، لِمَ تفعلُ هذا؟”
“ماذا أفعلُ؟”
“أنت تسحبُ حبلَ الجرسِ طوالَ اليومِ.”
عندما واجهتُه وأنا أكادُ أنفجرُ غيظاً، أجابني ببرودٍ وهدوءٍ تامٍّ:
“أستدعيكِ حين أحتاجُ إليكِ. ألسْتِ خادمتي؟”
لم يكن كلامُه خاطئاً. فأنا خادمتُه، ومن واجبي أن آتيَ كلما احتاجني.
…ولكن، أليس هذا كثيراً؟!
“إذا كنتَ بحاجةٍ لشيءٍ، فاطلبهُ دفعةً واحدةً. لِمَ تتعمدُ سحبَ الحبلِ في اللحظةِ التي أصلُ فيها إلى غرفتي؟”
بدا وكأنه يفكرُ في الأمرِ لبرهةٍ، ثم تمتمَ بكلماتٍ خافتةٍ:
“لأنني أكرهُ ذهابَكِ إلى غرفتكِ.”
***
“عفواً؟ ماذا تقصدُ بذلك؟”
لم يستطع ريكاردو الإجابةَ على سؤالِ ماري فوراً، فهو نفسُه لم يكن يدركُ تماماً لِمَ يكرهُ غيابَها.
لكنَّ شيئاً واحداً كان متأكداً منه.
“أشعرُ بالانزعاجِ حين تعودينَ إلى غرفتكِ.”
فما إن تنتهي ماري من عملِها وتغادرُ المكانَ، حتى يتسللَ إليه ضيقٌ غريبٌ. يشعرُ وكأنه يجبُ أن يستدعيَها لتبقى بجوارِه فوراً.
لذا، كان يختلقُ شتى الذرائعِ لسحبِ الحبلِ. وبمجردِ أن يراها تركضُ نحوهُ، يتلاشى ذلك الضيقُ كالثلجِ تحتَ أشعةِ الشمسِ.
لكنَّ المشكلةَ تكمنُ في أنه بمجردِ وصولِها، لا يجدُ ما يطلبُه منها حقاً، فيأمرُها بالقيامِ ببعضِ المهامِ التافهةِ ثم يصرِفُها، ليعودَ الضيقُ من جديدٍ.
تنهدت ماري وقالت:
“إذاً، هل أبقى بجوارِكَ هنا بدلًا من الذهابِ إلى غرفتي؟ لكي أكونَ مستعدةً لمساعدتِكَ في أيِّ وقتٍ.”
أجاب ريكاردو دون ترددٍ.
“كلا، لا أريدُ ذلك.”
“ماذا؟ ولِمَ؟”
“لا أدري، هكذا فحسب.”
“ما معنى ‘لا تدري’؟ فكرْ قليلًا في السببِ.”
كان يكرهُ غيابَها، لكنَّ وجودَها المستمرَّ بجانبِه كان يزعجُه أيضاً.
وإذا اضطرَّ لاختيارِ سببٍ…..
“أشعرُ بعدمِ الارتياحِ بوجودكِ.”
بوجودِ ماري، كان يشعرُ بالارتباكِ. كانت عيناهُ تتجهانِ نحوها رغماً عنه، وحتى حين يحاولُ غضَّ بصرِه، تظلُّ حواسُه مشدودةً ومنتبهةً لكلِّ حركةٍ تقومُ بها.
‘لا بأسَ، من الطبيعي أن يشعرَ المرءُ بعدمِ الارتياحِ بوجودِ الغرباءِ.’
كان ريكاردو يعتبرُ عائلتَه محصورةً في والدتِه ليانه، ورئيسةِ الخادماتِ ليسا، ورئيسِ الخدمِ هولنت.
أما ماري، فقد كانت بالنسبةِ له “غريبةً”.
ولكنها كانت غريبةً من نوعٍ خاصٍّ؛ فهي لم تكن كباقي الخدمِ الذين رآهم، وكان يرغبُ في بقائِها بجوارِه لأطولِ فترةٍ ممكنةٍ.
كائنٌ أبعدُ من أن يكونَ عائلةً، وأقربُ من أن يكونَ مجردَ غريبٍ.
ماىي كانت كينونةً جديدةً ومبهمةً في حياتِه.
“إذاً، هل أنتظرُ خارجَ البابِ؟”
“كلا.”
“ولِمَ ترفضُ هذا أيضاً؟!”
“لأنَّ الجوَّ باردٌ.”
“…… عذراً؟”
تقعُ عائلةُ هاميلتون في الجزءِ الشماليِّ من إمبراطوريةِ هيرسيان، لذا كانت الحرارةُ منخفضةً حتى في فصلِ الربيعِ، فما بالكِ والآنَ نحنُ في أواخرِ الخريفِ والشتاءُ على الأبوابِ.
“لا أريدكِ أن تقفي في الرواقِ الباردِ فتُصابي بنزلةِ بردٍ.”
“هل….. هل أنت تقلقُ عليَّ الآنَ؟”
نظرت إليه بعينينِ متلألئتينِ يملؤُهما الأملُ.
ارتبكَ ريكاردو من ردةِ فعلِ ميري غيرِ المتوقعةِ، فقالَ أولَ ما طرأ على بالِه:
“مـ… ما هذا الهراءُ؟ أخشى إن أُصبتِ بالبردِ أن تنقلي العدوى إليّ. فهل ستتحملينَ مسؤوليةَ مرضي؟”
أومأت ماري برأسِها قائلةً: “معكَ حقٌّ، سيكونُ مرُضكَ مشكلةً كبيرةً.”
تنفسَ الصعداءَ لأنها صدقت تبريرَه.
***
“هل يمكنني الانصرافُ الآنَ؟”
“كلا.”
منعني السيدُ الصغيرُ بحزمٍ حين هممتُ بالذهابِ.
“لقد قلتِ إنَّ الذهابَ والإيابَ مجهدٌ، لذا ابقي هنا.”
“ولكنكَ قلتَ إنَّ وجودي يزعجُكَ.”
“…… سأتدبرُ أمري، اجلسي هنا فحسب.”
يا له من مزاجٍ متقلبٍ!
جلستُ القرفصاءَ بوضاعةٍ على الأرضِ بجانبِ الأريكةِ، فبدت علاماتُ الاستياءِ واضحةً على وجهِه.
“لِمَ تجلسينَ هناك؟”
“لا يمكنني الجلوسُ على نفسِ المقعدِ معكَ يا سيدي.”
“ولِمَ؟”
“لأني مجردُ خادمةٍ وأنتَ سيدي.”
خلالَ الأيامِ الماضيةِ، تعلمتُ من السيدةِ ليزا أصولَ التعاملِ وآدابَ الخدمِ.
أنَّ على الخادمِ ألّا يأكلَ أمامَ سيدِه.
وألّا يجلسَ في حضرِتِه.
وأنه يجبُ مناداتُه بلقبِه لا باسمِه.
كان هناك الكثيرُ مما أجهلُه، ولأكونَ خادمةً تليقُ بعائلةِ هاميلتون، بذلتُ قصارى جهدي لإتقانِ تلك القواعدِ الأساسيةِ.
“وماذا في ذلك؟”
ماذا في ذلك؟! ألا يعرفُ السيدُ الصغيرُ هذه القواعدَ لصغرِ سنِه؟
حين شرحتُ له ما تعلمتُه من السيدةِ ليزا، سألني بنبرةٍ يملؤُها الضجرُ:
“ألسْتِ خادمتي أنا؟”
“بلى، أنا خادمتُكَ.”
“إذاً عليكِ سماعُ كلامي أنا، لا كلامِ ليسا.”
بدا كلامُه منطقياً في تلك اللحظةِ.
لذا، قفزتُ بسرعةٍ وجلستُ فوقَ الأريكةِ.
“أحسنتِ. أنتِ ملكي، لذا لا تسمعي إلا لقولي من الآنَ فصاعداً.”
“حاضر يا سيدي.”
حينها فقط، ارتسمت على وجهِ السيدِ الصغيرِ ابتسامةُ رضا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"