5
“معذرةً، سأستعير يديكَ قليلًا.”
أمسكتُ بكفَّي الصغيرِ المتصلبتين؛ أردتُ أن أثبت له –وهو الغارق في ظنونه– أن يديَّ لا تضمران سوءًا ولا تخفيان خديعة.
كانت خطتي تقتضي أن أهزَّ الكرسيَّ بحركةٍ تبدو عفوية، لتسقط قطعةُ الحلوى من فوق المسند، ولكن….
“طاخ!”
انغرس مقدم حذائه الصلب في ركبتي فجأة.
“آه!”
خارت قواي من شدة الألم، وهويتُ ساجدةً قبل أن أسقط على الأرضِ بوقعةٍ مدوية.
“وا أسفاه…”
طفرت الدموعُ من عينيَّ إثر الوجع الذي سرى في ركبتي، شعرتُ وكأن الألم يتردد صداه في أعماق عظامي.
“لـ.. لقد حذرتُكِ، قلتُ لا تلمسيني!”
كنتُ أعلمُ يقينًا أنه لن ينطق باعتذار، لكنني لم أتخيل أن يثور غضبًا فوق فعلته، كمن يرتكب الخطأ ثم يرمي به غيره.
“أعتذرُ لأنني لمستُ جسدكَ دون إذن، لكن لم يكن هناك داعٍ لتلك الركلةِ القوية. كان من الممكن أن أُصاب بجروحٍ بليغة.”
تحدثتُ بصوتٍ هادئٍ ورزين، فجفلت أكتاف الصغير. بدا عليه الترددُ والارتباك، وكأن وخزَ الضمير قد بدأ يتسلل إلى قلبه.
تحركت شفتاه بارتجافٍ قبل أن يخرج منهما صوتٌ خافت:
“أعـ…”
أعتذر؟
“خادمةٌ دنيئةٌ مثلكِ، سواء أُصيبت أم لا، ليس أمرًا يعنيني في شيء.”
رمى كلماته الفظة تلك ثم شاح بنظره عني فورًا. لكنني حين رأيتُ عينيه الخضراوين تضطربان بغير هدى، أدركتُ أنه لا يعي ما يقول، وأن قلبه ليس بقسوة لسانه.
لماذا يصرُّ على نطق الكلمات البغيضة هكذا؟ هل الاعتذارُ صعبٌ إلى هذا الحد؟
نهضتُ وأنا أنفضُ الغبارَ عن ثيابي.
“أنتَ محقٌّ يا سيدي، أنا خادمة. لكنني بشرٌ مثلك تمامًا؛ أشعرُ بالألمِ حين أسقط، ويتمزق قلبي حين أسمع كلماتكَ القاسية.”
“… وماذا بعد؟ هل تريدين مني اعتذارًا؟”
هززتُ رأسي بخفةٍ ردًّا على نبرته الحادة:
“لا، فالاعتذارُ الذي يخرجُ قسرًا دون إيمانٍ بصاحبه، لا قيمة له.”
كنتُ أقرأ ما وراء ملامحه؛ أعلمُ أنه يشعر بالندم. فالأطفالُ كالكتاب المفتوح، لا يجيدون حبك الأكاذيب أو مواراة مشاعرهم. وهذا الصغيرُ لم يكن استثناءً.
كانت زوايا فمه المزمومِ مرتخيةً بحزن، وعيناه الخضراوان غارقتين في عتمةِ الذنب. تهربه من ملاقاة عينيَّ وعبثُ أصابعه ببعضها، كلها علاماتٌ تخبرني بمدى ضيقه من نفسه.
‘لكنه يجدُ غصّةً في الاعترافِ بضعفه وندمه.’
لو قبلتُ اعتذارًا أجوفَ الآن، سيكرر فعلته لاحقًا متذرعًا بكبريائه. لذا، آثرتُ الصمت.
“حين تشعرُ بصدقٍ أنك مدينٌ لي بالاعتذار، قدّمه لي حينها.”
تردد الصغيرُ لبرهة، ثم أغمض عينيه بقوةٍ وصاح:
“أنا…. أنا كنتُ سأعتذرُ لكنكِ أنتِ من رفضتِ! لا تأتي لاحقًا لتشتكي!”
أجبته بابتسامةٍ عريضة: “حاضر، كما تأمر.”
“والآن، دعنا نُتمُّ ما بدأناه من سحر.”
نظر إليَّ بذهولٍ وهزَّ رأسه بإنكار:
“لا حاجة لي به، لا تلمسيني فحسب.”
“لماذا تمقتُ لمستي إلى هذا الحد؟”
“…….”
“سيدي الصغير؟”
أظلمت ملامحه شيئًا فشيئًا، ثم لوى فمه بمرارةٍ وتمتم بصوتٍ واهن:
“… لأنني قذر.”
“ماذا؟ قذر؟ هذا مُحال يا سيدي! يديَّ نظيفتان تمامًا، وقد قلمتُ أظافري بعناية.”
مددتُ يدي أمامه لأريه نظافتهما.
“ومن قال إنكِ أنتِ القذرة؟”
“إذًا مَن؟”
“لستِ أنتِ… بل أنا.. أنا القذر.”
“ماذا؟ وكيف تكون أنت….”
انقطعت كلماتي حين أدركتُ الأمر. صحيح، لم أقم بجعله يغتسل بعد.
“أعتذرُ منك، كنتُ أنوي مساعدتكَ في الاغتسال بعد تناول الدواء…”
ما إن بدأتُ في تبرير موقفي حتى تحول وجهه الكئيب إلى ذهولٍ تام.
“أيُّ هراءٍ تقولين! ولماذا تغسلينني أنتِ؟”
“سؤالٌ غريب، لأنني خادمتك بالطبع.”
“أيتها الحمقاء! أنتِ امرأةٌ وأنا رجل.”
“أوه، لا تقلق بشأن ذلك. فأنا لا أراكَ رجلًا على الإطلاق، بل طفلٌ صغير.”
إن رؤية طفلٍ يصغرني بأربع سنواتٍ كرجلٍ لهي جريمةٌ بحد ذاتها.
“… ماذا؟”
“لقد اعتنيتُ سابقًا بطفلٍ في مثل عمرك تمامًا؛ كنتُ أحمّمه وألبسه ثيابه. لذا، أنتَ بالنسبة لي مجردُ صغيرٍ يحتاجُ للرعاية، وسأقوم بخدمتكَ في ملبسكَ ومغتسلكَ بكل سرور.”
شرحتُ الأمر باستفاضةٍ لأزيل سوء الفهم، لكن ملامحه ازدادت تجهمًا. تُرى، هل زلَّ لساني بما يسوؤه؟
“إذًا، أنتِ تظنين أنني مجردُ طفلٍ يشبه أخاكِ؟”
“كلا! ليس كذلك بالطبع. أنتَ هو سيدي الصغير.”
ظل يرمقني بنظرةٍ حادةٍ تنمُّ عن عدم الرضا، ثم تنهد بعمق.
“لا حاجة لي بمساعدتكِ في الاغتسال، يمكنني فعل ذلك وحدي، وكذلك ارتداء ثيابي.”
“ولكن… سمعتُ أن النبلاءَ يحظون بخادماتٍ يقمن على شؤونهم الخاصة.”
“أنا لا أحتاجُ لذلك. ثم إن…”
استجمع أنفاسه وقال بوجهٍ تملؤه الحسرة:
“لقد رأيتِ وجهي، وتعلمين يقينًا أنني قذر.”
أملتُ رأسي وتفرستُ في وجهه بعناية. على خلاف أطفال القرية، كان يبدو نظيفًا حتى في الصباح الباكر؛ فبالرغم من أنني لم أحضر له ماء الغسيل بعد، إلا أن بشرته كانت ناعمةً ونقية.
“لا أرى شيئًا؛ لا آثار للنوم في عينيك، ولا أثرَ لشيءٍ آخر.”
“… ليس هذا ما أقصده.”
“إذًا ماذا؟”
سألتُه ببراءة، فضرب وجنته بضيق:
“هذا ما أقصده! ليس وجهي فقط، بل جسدي أسوأ من ذلك بكثير.”
حينها فقط، أدركتُ ما كان يرمي إليه.
‘إذًا، لهذا السبب رماني بالساعة ودفعني بعيدًا.’
اعتصر قلبي ألمًا عليه. أيُّ محنةٍ مرَّ بها هذا الصغيرُ ليوقنَ –وكأنه أمرٌ مسلمٌ به– أنه قذر؟
“لستَ قذرًا يا سيدي، أنتَ فقط… مريض.”
ضحك الصغيرُ ضحكةً مريرةً لا تليق بطفولته.
“لا يهمُّ ما هي الحقيقة، ففي أعين الآخرين، لستُ سوى كائنٍ مقززٍ يثيرُ القرف.”
“كلا، أبدًا….”
“هذا ما قاله الخدمُ الآخرون أيضًا؛ قالوا إنه ليس مقززًا، وليس مخيفًا…”
أغمض عينيه بقوةٍ وارتجفت يداه كأنه يستحضر ذكرياتٍ مؤلمة.
“قالوا ذلك بألسنتهم، لكنهم كانوا يفرّون من لمستي. كانوا يفركون أيديهم بعنفٍ بعد لمسي كأنهم لمسوا جيفة، ويلبسون القفازات خشية العدوى.”
أنهى كلامه بصوتٍ متهدجٍ يغالب البكاء، ثم صوب نظره نحوي. كانت عيناه الخضراوان اللامعتان بالدموع تفيضان بالريبة.
“أنتِ مثلهم تمامًا، كنتِ تحدقين في وجهي لأنكِ تجدينه غريبًا ومقززًا.”
“كلا! حقًا إنما كنتُ أنظرُ إليك لأن…”
تلعثمتُ في الدفاع عن نفسي؛ فقد تذكرتُ وصية “ليسا”.
> 1. إياكِ والحديثَ عن مظهر السيد الصغير.
وكان ما أريد قوله يتعلق بمظهره تمامًا! لذا عجزتُ عن الكلام. فلو أخطأتُ، قد أُطرد من عملي في طرفة عين.
لكن، وقع بصري على وجهه الذي بدا وكأنه سينفجرُ بكاءً في أي لحظة. كان يبدو كحيوانٍ صغيرٍ منبوذٍ لا يثق بأحد. لم أستطع الصمود أمام هذا المشهد الأليم.
“كنتُ أنظرُ إليك لأنكَ جميلٌ جدًّا.”
“…. أنا جميل؟ أتهزئين بي الآن؟”
“لا، بل هي الحقيقة. شعركَ البني الناعم كخبزٍ طازجٍ جميلٌ جدًّا، وعيناك تلمعان كالجواهر، كأنك أميرٌ خرج من بين صفحات القصص.”
ردَّ عليَّ بنبرةٍ يملؤها الشك:
“كاذبة، لا يمكن لأميرٍ أن يحملَ هذه القذارة على وجهه.”
“بلى، موجود! في إحدى القصص التي قرأتها في صغري، كان هناك أميرٌ أصابته لعنةُ ساحرة، فظهرت على جسده نقوشٌ سحرية.”
“… حقًّا؟”
في الواقع، كانت كذبةً بيضاء. ربما قرأتُ شيئًا مشابهًا، لكنني لم أملك كتابًا كهذا في منزلي قط. ومع ذلك، شعرتُ أن هذا هو السبيل الوحيد ليصدقني.
“نعم، صدقني. وإن أردت، سأحضره لكَ حين أخرج في عطلتي.”
حين تحدثتُ بثقة، لانت نبرته قليلًا وسأل:
“وماذا حدث لذلك الأمير في النهاية؟”
ابتسمتُ باتساعٍ وأنا أجيبه. فما عساه أن يكون مصيرُ أميرٍ ملعونٍ في الحكايات؟
“يلتقي بأميرةٍ حسناء، فتُفكُّ اللعنةُ ويعيشان في سعادةٍ وهناء.”
فالنهايات السعيدة هي القاعدةُ دائمًا!
التعليقات لهذا الفصل " 5"