انتفضت إيفانجلين من مقعدها، وأطلقت صرخةً مخنوقة وهي تضع يديها على بطنها بغريزة الأم الخائفة.
«إيفي!»
صاح كاسيان بذعر لم يعهده في نفسه من قبل.
ترك المقود وجسده كله يتجه نحوها.
أمسك وجهها بكلتا يديه ، كانت أصابعه ترتجف وهو يتفحص عينيها وبشرتها:
«هل أنتِ بخير؟ هل أصبتِ ؟ تكلمي معي، أرجوكِ!»
كانت تتنفس بصعوبة بالغة ، وصدرها يعلو ويهبط في نوبات ذعرٍ متلاحقة، عاجزة عن النطق.
ارتباك كاسيان وصل ذروته ، نسي تماماً الشخص الذي اعترض طريقهما
ونسى العالم خلف زجاج السيارة ؛ لم يكن يرى سوى “عالمه” الذي يوشك على الانهيار بين يديه.
وفجأة ، ظهرت عند نافذته.
امرأة بملابس متسخة، يكسوها الغبار، وشعرها الأشعث ينسدل على وجهها كستارٍ من البؤس.
لم تكن سوى بياتريس..
بدأت تضرب بقبضتها على الزجاج بقوة هستيرية ، وصراخها يخترق العزل:
«لماذا فعلت بي هذا ؟ لماذا تخليت عني؟ كنت السبب في تحطيم عائلتنا! ألم نمد لك يد العون ؟ ألم ينقذك والدي من الضياع؟»
أخذ كاسيان نفساً عميقاً ، عميقاً جداً لدرجة أنه شعر ببرد الشتاء يخترق رئتيه.
أنزل الزجاج ببطء ، وتحدث بصوتٍ خافت، لكنه يحمل نبرة مرعبة جعلت الهواء من حولهما يتجمد:
«عن ماذا تتحدثين ؟ أي مساعدة تلك التي تتوهمينها ؟ ألم تكتفي بالحقيقة التي سحقت أوهامكِ ، أم أنكِ اخترتِ الجنون ملجأً أخير؟»
لم تكن تسمع..
كانت غارقة في حقدها القديم، ونظراتها تشتعل بالسم وهي تشير بإصبعها نحو إيفانجلين:
«لقد تخليت عني أنا.. أنا خطيبتك! وهذه الحقيرة.. كيف تجرأتِ على أخذه مني ؟ كيف سرقتِ حياةً كانت ملكي ؟»
عند ذكر إيفانجلين ، انقطع خيط الصبر الأخير لدى كاسيان.
في لمح البصر ، امتدت يده وقبض على معصم بياتريس بقوة جعلتها تطلق صرخة ألم حادة.
سحبها نحو حافة النافذة ، وهسّ في وجهها كأنه ممسوس:
«إذا نطق لسانكِ باسمها مرة أخرى، أو وصفتِها بكلمة لا تليق.. سأجعلكِ تندمين على كل ثانية بقيتِ فيها على قيد الحياة. أقسم لكِ ، سأمحو أثركِ من هذه الأرض. افهمتِ ؟»
بدأت بياتريس تتلوى من الألم وهي تبكي بنحيبٍ عالٍ.
محاولةً تحرير يدها من قبضة كاسيان التي كادت تحطم عظام معصمها.
في تلك اللحظة، امتدت يد إيفانجلين المرتجفة ، ووضعتها فوق يد كاسيان.
« كاسي .. اتركها. أرجوك ، أنا لا أهتم لما تقول»
قالت إيفانجلين بصوتٍ هادئ حاول لملمة شتات الموقف ، وسحبت يده برفق عن معصم بياتريس.
أرخى كاسيان قبضته ، لكنه رمق بياتريس بنظرة جليدية ، طلقةٍ أخيرة من التحذير:
«تعرضي لطريقنا مرة أخرى، وسألحقكِ بوالدكِ في السجن قبل أن يغيب شفق هذا اليوم. كوني ممتنة لأنني لم أُلقِ بكِ خلف القضبان معه ، فجريمتكِ لم تكن أقل شأناً من جرائمه. ارحلي.. قبل أن أغير رأيي.»
تراجعت بياتريس برعب، وهي تمسك معصمها الأحمر وتنظر إليهما بعينين يملؤهما الانكسار والغل..
ثم استدارت وركضت هاربة وهي تنتحب بصوتٍ عالٍ.
التفت كاسيان فوراً نحو إيفانجلين.
الغضب الذي كان يملأ وجهه تبدد ليحل محله خوفٌ جارف.
سحبها نحو حضنه ، ودفن رأسه في عنقها وهو يمسح على ظهرها برفق
محاولاً تهدئة نبضات قلبها التي كان يشعر بها تضرب صدره.
«أنا بخير.. كاسي ، صدقني أنا بخير»
همست وهي تحاول تهدئته.
«لا، لستِ بخير»
قال بصوتٍ قاطع وهو يبتعد ليرى وجهها.
«نبضكِ مضطرب ، ووجهكِ لم يعد فيه قطرة دم واحدة. لن نذهب للمستشفى.. سآخذكِ الآن إلى عيادة طبيبة النساء. يجب أن نتأكد أن الصغير لم يتأثر بهذا الرعب.»
التعليقات لهذا الفصل " 34"