في الساعة الرابعة فجراً ، حيث العاصمة غارقة في صمتٍ مريب.
كان كاسيان يقف عند الزاوية الخلفية لمنزله.
خرجت إيفانجلين وهي تحمل إيلودي النائمة ، والارتباك والخوف يرتسمان على وجهها.
اقترب كاسيان منها، وضع يده على كتفها ليهدئ من روعها.
” إيفي ، استمعي إليّ..”
همس كاسيان وهو ينظر في عينيها اللتين لم تعرفا النوم.
“أريان سيأخذكما الآن. الطريق إلى الساحل سيستغرق ساعات، والدي في انتظاركما..”
تشبثت إيفانجلين بيده بقوة، ودموعها تحرق وجنتيها:
“كاسي ، عدني أنك لن تتأخر.. قلبي يخبرني أن هاملتون لن يتركك ترحل بسهولة.”
طبع كاسيان قبلة سريعة وحارة على جبينها، ثم نظر إليها بوعدٍ قاطع:
“هاملتون يظن أنه يملك عقلي، لكنه لا يعرف أن روحي معكِ. سأنهي كل شيء بسرعة ، و أعود إليكما .”
مع حلول الساعة الثامنة صباحاً ، كان كاسيان يسير في ممرات المستشفى بكل ثبات.
وكأن شيئاً لم يكن..
وجد هاملتون واقفاً أمام لوحة العمليات الكبرى ، وبجانبه بياتريس التي بدت متأنقة بشكلٍ مبالغ فيه.
“صباح الخير يا بروفيسور،”
قال كاسيان بنبرة هادئة ومثالية ، وهو يرتدي قفازاته الجراحية ببطء.
“أتمنى أن يكون كل شيء جاهزاً لعملية اليوم.”
نظر هاملتون إليه برضا تام ، وربت على كتفه:
“كاسيان ، أنت اليوم تجعلني فخوراً. العالم كله سيتحدث عن ‘جراح هاملتون المعجزة’. بياتريس أصرت على الحضور لتدعمك.”
ابتسم كاسيان لبياتريس ابتسامة غامضة ، ثم التفت لهاملتون وقال:
“بما أن الجراحة ستبدأ في الظهيرة، سأقضي الساعات القادمة في مكتبي لمراجعة المخططات التشريحية. أريد هدوءاً تاماً، لا أريد أن يزعجني أحد.”
كانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها الخطة فعلياً.
بمجرد دخوله المكتب وإغلاقه للباب، لم يفتح الكتب ، بل بدأ في التحرك كشبح.
كان يعلم أن مكتب هاملتون المتصل بالمشفى يحتوي على “السجل السري”..
و هو دفتر صغير يوثق فيه هاملتون تجاربه غير القانونية والصفقات التي عقدها لمحو هوية كاسيان.
استغل كاسيان وجود هاملتون في اجتماع مع مجلس الإدارة، وتسلل عبر الممر الداخلي للمكتب.
باستخدام مهارته الجراحية في الدقة ، استطاع فتح القفل الحديدي البسيط للدرج.
وهناك ، وجد ما يبحث عنه تقرير أصلي مختوم يشرح كيف تم تزييف موته.
وضع كاسيان التقرير في جيبه الداخلي ، وأغلق الدرج كما كان.
في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات تقترب من الباب..
صوت حذاء بياتريس ذو الكعب العالي.
“كاسيان ؟ هل أنت هنا ؟”
نادت من خلف الباب.
حبس كاسيان أنفاسه لثانية واحدة.
استدار ببرود وجلس خلف مكتب هاملتون ، و أمسك بأحد التقارير الطبية الملقاة فوق المكتب وكأنه يقرأها بتركيز.
فتحت بياتريس الباب ودخلت ، كانت نظراتها مليئة بالفضول والريبة:
“كاسيان ؟ ماذا تفعل هنا في مكتب والدي ؟ أخبرتني أنك ستكون في مكتبك تراجع المخططات.”
رفع كاسيان عينيه إليها ببطء، وبابتسامة هادئة وواثقة لا تشوبها شائبة، قال:
“كنتُ أبحث عنكِ يا بياتريس.. أخبرني السكرتير أنكِ ربما تركتِ لي ورقة هنا بخصوص عشاء الليلة. وبما أن والِدكِ في الاجتماع ، انتهزتُ الفرصة لألقي نظرة على هذه التقارير المعقدة.. إن عبقرية والِدكِ لا تتوقف عن إبهاري.”
ارتاحت ملامح بياتريس قليلاً، واقتربت منه بابتسامة غنج:
“لقد أصبحت مهووساً بالطب أكثر من اللازم. والدي ينتظرك في قاعة العمليات بعد قليل، الجميع هناك، حتى كبار الأطباء من العاصمة جاءوا ليشهدوا ‘مهاراتك ‘.”
انتهت الجراحة بنجاح باهر.
في قاعة الاحتفالات الكبرى بالمستشفى الملكي..
كانت كؤوس العصير تلمع تحت الثريات والضحكات تملأ المكان.
وقف هاملتون، مرتدياً وشاح التكريم، وبجانبه بياتريس التي كانت تنظر لكاسيان بفخر وكأنه ملكها الخاص.
وقف البروفيسور “ميلر” ليعلن:
” اليوم ، لا نحتفل فقط بنجاح عملية معقدة ، بل نحتفل بعبقرية البروفيسور هاملتون الذي اكتشف وصقل موهبة تلميذه النابغة كاسيان. سيدي هاملتون، الكلمة لك.”
اعتلى هاملتون المنصة بغرور ، وقال:
“كاسيان ليس مجرد تلميذ ، إنه المعجزة التي أعدتُ صياغتها من الصفر. لقد منحته العلم، ومنحني هو الولاء المطلق.”
تقدم كاسيان للمنصة وسط تصفيق حار.
طلب الهدوء بيده ، وبدلاً من شكر هاملتون ، أخرج من معطفه “الرق الجلدي” ووضعه على طاولة الخطابة.
” أشكرك يا بروفيسور هاملتون على حديثك عن ‘صياغتي من الصفر’.. لكن دعنا نري السادة الأطباء كيف كانت تلك الصياغة تتم في الأقبية المظلمة.”
فتح كاسيان الرق ، وبدأ يقرأ بخط هاملتون الواضح الذي يعرفه كل الأطباء الحاضرين:
” المريض كاسيان استيقظ.. سأقوم بمحو ما تبقى من رواسب الصور الذهنية لزوجته ومنزله.. سأجعله آلة طبية مطيعة’.”
ساد صمت جنائزي.
تراجع هاملتون خطوة للخلف، واصطدم بالمنصة.
تابع كاسيان بقوة:
“العملية التي شهدتموها اليوم لم تكن بفضل تعليم هذا الرجل ، بل بفضل ‘الذاكرة الإجرائية’ التي لم يستطع غسيل دماغه محوها. هذا الرجل لم ينقذني ، بل قام باختطافي كيميائياً، وزور وفاتي ، واحتفظ بخاتم زواجي الملطخ بدمي كجائزة.”
في تلك اللحظة، دخل رجال الشرطة الذين استدعاهم أريان مسبقاً بناءً على إشارة كاسيان.
تقدم المفتش نحو هاملتون المذهول.
صرخ هاملتون بارتباك:
” إنه يهذي ! إنه مريض نفسي عالجته !”
رد كاسيان ببرود الجراح:
” الخط لا يكذب يا هاملتون ، والختم الذي على هذه الورقة هو ختمك الشخصي الذي لا يملكه غيرك. القانون لا يحاكم الهذيان ، بل يحاكم ‘تجارب الترويض’ التي وثقتها بيدك.”
بينما كان الحراس يقتادون هاملتون مكبلاً وسط ذهول النخبة.
انهارت بياتريس التي لم تستوعب “المشهد”..
خلع كاسيان معطفه الطبي الأبيض .
و التفت إلى أريان الذي كان يقف عند الباب ، وقال بصوت مليء بالشوق:
“أريان.. هل السيارة جاهزة ؟ لقد انتهت الجراحة ، و حان وقت العودة إلى عائلتي.”
التعليقات لهذا الفصل " 27"