في تلك اللحظة ، رأت إيفانجلين الانهيار في عينيه، أدركت أن الرجل الذي أمامها الآن ليس “وريث هاملتون”، بل هو ضحية مثلها تماماً.
رفعت يدها الواهنة ووضعتها على صدره ، لتشعر بتسارع نبضه الذي كان ينطق بالحقيقة أكثر من لسانه.
“لقد نسيتني يا كاسيان..”
قالت بنبرة عتاب جريح.
“نسيت وعودنا.. نسيت البيت الذي بنيناه معاً. كيف استطعت أن تنظر إليّ في المستشفى كغريبة ؟”
أغمض كاسيان عينيه بألم ، و انحنى حتى تلامست جبهته بجبهتها، وهمس بأنفاس محترقة:
“سامحيني.. كان عقلي ميتاً، لكن قلبي كان يصرخ في كل مرة أراكِ فيها ولم أفهم لماذا. الآن فقط بدأت الخيوط تتجمع.. تذكرت الخاتم، تذكرت همساتكِ قبل الحادث.. وتذكرت أنني كنت أحبكِ أكثر من حياتي.”
لم تتمكن إيفانجلين من الصمود أكثر؛ تلاشت كل حصونها، ودفنت وجهها في صدره.
و انفجرت في بكاء مرير وصاخب، بكاء الزوجة التي استعادت زوجها.
أحاطها كاسيان بذراعيه بقوة ، وضم إليهما إيلودي التي كانت تشد على ملابسهما بيديها الصغيرتين.
وكأنها تربط حطام هذه العائلة ببعضه البعض.
كان المشهد يضج بالشوق الجارف؛ عناق طويل اختلطت فيه دموعهما
وصمت لا يقطعه إلا شهقات الحنين.
في تلك الغرفة المتواضعة ، توقف الزمن.
لم يعد هناك “هاملتون”، ولا “بياتريس”، ولا ذاكرة مفقودة..
لم يكن هناك سوى رجل وامرأة وطفلة ، يعيدون بناء عالمهم المحطم تحت ضوء مصباح خافت.
رفع كاسيان رأسها برفق ، ونظر في عينيها بعمق وقال بوعد قاطع:
“لن يفرقنا أحد بعد الآن يا إيفي.. سأجعلهم يدفعون ثمن كل دمعة ذرفتيها، وثمن كل لحظة حُرِمتُ فيها من رؤية ابنتي وهي تكبر. أنا عدتُ.. وكاسيان الذي عرفوه قد انتهى الليلة.”
كانت الغرفة غارقة في سكون دافئ، لم يقطعه سوى أنفاس إيلودي المنتظمة وهي تغط في نوم عميق فوق صدر والدها.
وكأنها وجدت أخيراً المرفأ الذي كانت تبحث عنه في أحلامها.
ظلت إيفانجلين متكئة على كتف كاسيان ، يدها متشابكة بيده.
وكأنها تخشى أن تفلتها فيضيع مرة أخرى في زحام الأكاذيب.
لأول مرة منذ سنوات ، شعر كاسيان بقلبه يمتلئ بسعادة حقيقية ، سعادة لا تشوبها غيوم الضياع.
بدأت إيفانجلين تسرد له شريط حياتهما ؛ كيف اختارا معاً كل زاوية في هذه الفيلا.
وكيف تشاجرا بضحك على لون الأثاث ، ثم استرجعت ذكريات تخرجهما من الأكاديمية الطبية.
والوعود التي قطعاها تحت المطر في ليلة زفافهما.
مع كل كلمة ، كان الضباب الذي يحجب ذاكرة كاسيان يتلاشى، لتصبح المشاهد واضحة كضوء الفجر.
شدّ قبضته على خصرها أكثر، مستنشقاً عطرها الذي بدأ يعيد ترتيب شتات روحه.
“لقد كنتَ مغروراً جداً في الأكاديمية،”
همست إيفانجلين بابتسامة ممزوجة بدمعة ، ثم تابعت بلوم رقيق:
“لكنك كنتَ تحبني بجنون.. كيف استطعت أن تتركني كل هذه المدة يا كاسي ؟ أحبُّك ، لكنني لا أستطيع مسامحتك بسهولة على كل ليلة بكيتُ فيها دونك.”
ضحك كاسيان بخفوت ، ضحكة صافية نابعة من أعماقه ، وهو ينظر إلى ملامحها اللطيفة:
“اعذريني يا إيفي، لم أكن أنا من فعل ذلك. بياتريس لم تلمس قلبي يوماً، كان والدها يفرضها عليّ كجزء من ‘حياتي الجديدة’ التي صنعها لي. قلبي كان دائماً يرفضها، الآن فقط عرفتُ لماذا.. لأنه كان ملكاً لكِ منذ البداية.”
” لقد عادا إلى العاصمة ، لكن الحزن لم يترك وجهيهما يوماً. ما زالا يبكيان على موتك في كل مناسبة. لو رأياك الآن.. لا أعرف إن كانت قلوبهما ستتحمل صدمة الفرح.”
اشتعل الحزن في عينيه ، لكنه تحول سريعاً إلى تصميم فولاذي.
أدرك أن الخطر لا يزال يحيق بهم ما دام هاملتون يعتقد أنه يملك كاسيان.
” إيفي ، استمعي إليّ جيداً،”
قالها بنبرة جادة وحازمة.
“يجب أن تغادري أنتِ وإيلودي في الصباح الباكر. سأرتب لكما سيارة تنقلكما إلى قصر والديّ في الساحل. هناك ستكونان في أمان بعيداً عن أعين هاملتون ، حتى أنهي هذه اللعبة وأسترد حقي منه.”
انتفضت إيفانجلين بذعر ، وتشبثت بقميصه:
” لا ! لن أتركك ! بعد أن أخبرتني بكل ما فعله بك.. وكيف تلاعب بعقلك وحرمك منا.. أخاف أن يقتلك يا كاسيان ! هو وحش لا يرحم.”
أمسك وجهها بكفيه وطمأنها بنظرة واثقة:
” لا تخافي يا حبيبتي. هاملتون يظن أنه صنعني ، لكنه نسي أنني جراح ، وأنا أعرف تماماً أين أضع المبضع لأوجعه. سأكون بخير، وعدتُكِ أنني سأعود، ولن أخلف وعدي هذه المرة.”
نهض كاسيان ببطء ، وحمل إيلودي النائمة برفق شديد ليضعها على الأريكة.
غطاها بدفء وطبع قبلة حانية على جبينها الصغير، هامساً:
“أعدكِ يا صغيرتي ، لن تغيبي عن عيني مجدداً.”
التفت إلى إيفانجلين التي كانت تراقب رحيله بدموع تنهمر بصمت
خوفاً من أن يكون هذا الوداع هو الأخير.
ضمها إلى صدره بقوة تكاد تحطم أضلعها ، استنشق رائحتها للمرة الأخيرة قبل المعركة ، وهمس في أذنها:
” تذكري دائماً.. أنا كاسيان دي موران ، وزوجكِ ، ووالد إيلودي. لن يهزمني أحد الآن بعد أن وجدت طريقي إليكم.”
فصل نفسه عنها بجهد ، ونظر إليها نظرة أخيرة مليئة بالحب والوعد ، ثم خرج إلى عتمة الليل.
تاركاً خلفه قلبه ، ومتجهاً نحو “عرين الثعلب” ليضع نهاية لكل هذا الظلام.
التعليقات لهذا الفصل " 26"