في اليوم التالي ، دخل كاسيان غرفة العمليات بجانب هاملتون لإجراء عملية روتينية.
كان هاملتون يراقب أصابع كاسيان بفخر..
غير مدرك أن العقل الذي يحرك هذه الأصابع لم يعد ملكاً له.
“أداء ممتاز يا بني،”
همس هاملتون وهو يغسل يديه بعد العملية.
” أرأيت ؟ الحبوب الزرقاء تجعل تركيزك في قمة حدته.”
ابتسم كاسيان ابتسامة باهتة خلف قناعه الطبي.
“أنت محق يا بروفيسور. أشعر أنني ولدتُ من جديد.”
كان يقصد حرفياً أنه استيقظ من غيبوبة الأكاذيب.
بمجرد خروجه ، لم يتوجه كاسيان للاستراحة.
بل استغل انشغال بياتريس مع وفد الممرضات.
وتوجه إلى قسم “الأرشيف السري للمرضى” في المستشفى الملكي.
لم يبحث عن اسمه ، بل بحث عن “سجل الوفيات قبل أربع سنوات”.
توقف قلبه عندما وجد ملفاً يحمل اسمه القديم، وبجانبه ملاحظة بخط يد غريب:
“تم تأكيد الوفاة – الجثة مشوهة – تم الدفن في مدافن عائلة دي موران”.
“إذن جعلتني ميتاً في الأوراق ، بينما أنا عبدٌ في مختبرك،”
همس كاسيان وعيناه تقدحان شرراً.
في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات بياتريس تقترب.
بسرعة مذهلة ، أغلق السجل ووضع مكانه ملفاً آخر، ورسم على وجهه قناع الهدوء.
“كاسيان ؟ ماذا تفعل هنا ؟”
سألت بياتريس بريبة ، وهي تفحص تعابير وجهه.
استدار نحوها ببرود ، وأمسك بملف مريض عشوائي.
“كنت أراجع حالة المريض 402.. الدكتورة إيفانجلين كانت لديها وجهة نظر مثيرة للاهتمام ، وأردتُ التأكد من دقة ملاحظاتها المهنية.”
ضاقت عينا بياتريس عند ذكر اسم إيفانجلين.
“إيفانجلين مرة أخرى ؟ كاسيان ، لا تدع هذه الأرملة تشتت عقلك. إنها تطارد الأوهام.”
اقترب كاسيان منها ، و لمس كتفها بلطف مصطنع جعل قشعريرة تسري في جسدها.
“أوهامها لا تهمني يا بياتريس.. ما يهمني هو أن أكون الجراح الذي أراده والدكِ دائماً. أليس كذلك ؟”
“حسناً عزيزي ، لقد بذلت مجهوداً خرافياً اليوم،”
قالت بنبرة دافئة.
“ما رأيك لو نترك هذا الجو الكئيب ونتنزه قليلاً في شوارع العاصمة ؟ الجو رائع ، وأريد أن أريك جمال هذه المدينة التي ستصبح موطننا الدائم قريباً.”
كان كاسيان في السابق سيرفض متعللاً بالتعب أو بمراجعة الحالات
لكنه الآن بحاجة للخروج ، بحاجة لاستنشاق هواء العاصمة بعيداً عن مراقبة هاملتون اللصيقة.
و لعله يجد في الشوارع خيطاً يربطه بذكرياته المبعثرة.
أجاب بنبرة هادئة أدهشت بياتريس:
“فكرة ممتازة يا بياتريس. ربما التنزه هو ما أحتاجه فعلاً لتصفية ذهني. كما أنني بدأت أشعر بفضول غريب تجاه زوايا هذه المدينة.”
خرجا معاً ، يسيران في الشارع الرئيسي الذي تصطف على جانبيه المقاهي الراقية والمباني التاريخية.
كان كاسيان يسير بجانبها ، لكن عقله كان في مكان آخر.
كان يستدرجها في الكلام بذكاء ، محاولاً معرفة أي تفاصيل عن ماضيه دون أن يثير شكوكها.
“بياتريس،”
قال وهو يتظاهر بتأمل نافذة أحد المحلات.
“العاصمة تبدو مألوفة لي بشكل غريب، كأنني مشيت في هذه الشوارع من قبل. هل أنتِ متأكدة أنني لم أزرها قبل الحادث ؟”
ارتبكت بياتريس لثانية ، ثم ضحكت بتكلف:
“ربما لأن تصاميم المدن الكبرى تتشابه يا كاسيان . لا تشغل بالك بهذه التهيؤات ، فالمستقبل الذي سنبنيه هنا هو الأهم.”
بينما كانت بياتريس تتحدث عن خططها لحفل الزفاف..
كانت سيارة سوداء فخمة تمر ببطء بجانبهما بسبب زحام المشاة.
خلف الزجاج المعتم ، كانت السيدة هيلين تسند رأسها بتعب، وعيناها تراقب المارة بحزن.
بينما كان السيد أرثر يراجع بعض الأوراق الرسمية بجانبها.
فجأة ، تسمرت عينا هيلين.
شهقت بقوة ، وضربت على زجاج النافذة بيدين ترتجفان.
” توقف ! انظر هناك يا أرثر على الرصيف!”
فزع أرثر ونظر إلى زوجته:
“هيلين ! ما بكِ ؟ هل تشعرين بألم؟”
“إنه هو.. أرثر ، أقسم لك إنه كاسيان!”
كانت تشير بأصابع مرتعشة نحو الرجل الذي يقف بظهره على الرصيف.
“تلك الوقفة.. تلك الطريقة التي يضع بها يده في جيبه وهو يستمع.. إنه ابني ! كاسيان حي يا أرثر!”
نظر أرثر بسرعة في الاتجاه الذي تشير إليه ، لكن الزحام كان قد تحرك.
وابتعد كاسيان وبياتريس خلف أعمدة أحد المباني الكبيرة.
تنهد أرثر بعمق ، وضم يد زوجته الباردة وهو يشعر بتمزق في قلبه.
“هيلين.. يا عزيزتي،”
قال بصوت يقطر أسى:
“لقد عدنا للعاصمة منذ أيام ، وهذه المدينة كانت مسرحاً لحياة ابننا. ذكراه مطبوعة في كل ركن من ذاكرتكِ ، و العقل يخدعنا عندما يرفض القلب التصديق. كاسيان رحل في ذلك الحادث المروع بالجنوب.. وما رأيتِهِ ليس سوى طيف لرجل يشبهه، أو ربما مجرد رغبتكِ الصارخة في رؤيته.”
انهارت هيلين في مقعدها ، وانفجرت في نحيب صامت يمزق الصدر:
“لا يا أرثر.. الأم لا تخطئ في نبض قلب ابنها. لقد شعرت به ! كان قريباً جداً.. كأن روحي نادت روحه وسمعت النداء.”
أمر أرثر السائق بالتحرك وهو يهمس بمرارة:
” اهدئي.. غداً سنذهب لرؤية إيفانجلين ، ربما رؤية الحفيدة تمتص هذا الألم الذي يجعلكِ تتوهمين رؤية الموتى.”
على الرصيف ، توقف كاسيان فجأة.
شعر ببرودة مفاجئة تجتاح ظهره، وبغصة في حلقه لا تفسير لها.
التفت بسرعة نحو الشارع ، فرأى مؤخرة سيارة فخمة تبتعد.
شعر بقلبه يركض خلف تلك السيارة، كأن هناك خيطاً غير مرئي يسحبه بقوة.
“ما بك يا كاسيان ؟ لماذا توقفت ؟”
سألت بياتريس بقلق وهي تلاحظ شحوب وجهه.
نظر كاسيان إلى الفراغ ، ومسح جبهته التي تصببت عرقاً بارداً:
“لا شيء.. مجرد شعور عابر بأنني أضعتُ شيئاً لا يعوض ، للتو.”
التعليقات لهذا الفصل " 24"