كانت الممرات المؤدية إلى أسفل المستشفى الملكي تضيق كلما نزل كاسيان درجات السلم الحجري.
لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه المكتومة وصوت ارتطام نعل حذائه بالأرضية الرطبة.
في يده ، كان يقبض على المفتاح الفضي الذي سلله من درج هاملتون
ذلك المفتاح الذي طالما رآه معلقاً في رقبة البروفيسور كأنه يحمل سراً لا يجب كشفه.
وصل إلى الباب الخشبي الثقيل المصفح بالحديد.
أدخل المفتاح، فصدر صريرٌ حاد كأنه صرخة تحذير.
دخل كاسيان وأشعل قنديلاً زيتياً صغيراً ، فبدأ الضوء يرقص على الجدران المليئة بالرفوف.
وجد “أرشيفاً من الجلد والورق” في ركنٍ منعزل.
صندوقاً خشبياً محفوراً عليه عبارة:
” القطاع الجنوبي”.
فتح الصندوق ، ووقع بصره على “رقٍّ جلدي” مطوي بعناية.
فتحه ليرى رسماً تشريحياً دقيقاً لدماغٍ بشري.
لكن ما أرعبه هو وجود إبرة فضية دقيقة مغروزة في الورق عند منطقة “الحصين” و”الفص الصدغي”.
وبجانبها ملاحظة بخط هاملتون المهتز من الحماس:
[ اليوم الثالث بعد الحادث : المريض (كاسيان) استيقظ. كما توقعت، تسببت الإصابة في خللٍ مؤقت ، لكنني استغللتُ الفرصة لإجراء ‘تعطيل انتقائي’ للوصلات العصبية المسؤولة عن الهوية الشخصية. إنه لا يتذكر اسمه ، لكن حين رأى المشرط، استجابت ‘الذاكرة الإجرائية’ لديه بكفاءة مرعبة ؛ تحركت أصابعه بعفوية الجراح الفذ. لقد نجحتُ ! سأقوم بمحو ما تبقى من رواسب الصور الذهنية لزوجته ومنزله القديم باستخدام ‘التحفيز الكيماوي الموضعي’ ؛ سأترك له العلم كآلة طبية باردة ، وأنزع منه الذاكرة الإنسانية. سأجعل من منافسي الشرس في الجنوب.. أعظم إنجازاتي المطيعة في العاصمة.]
وتحت الورقة ، وجد كاسيان خاتم زواج ملطخ بدم جاف.
كان هاملتون قد احتفظ به ليس كذكرى ، بل كـ “وثيقة إدانة” يخبئها
ليتأكد أن هذا الجراح لن يستجيب أبداً لرموز ماضيه.
شعر كاسيان ببرودة تجتاح أطرافه؛ لم يكن هاملتون قد أنقذه بدافع عمله الإنساني.
بل كان “سارق أرواح” ينتظر سقوط منافسيه ليحولهم إلى دمى مخبرية.
في تلك الأثناء ، بعيداً عن عفونة القبو
كانت شمس الغروب تلقي بظلالها البرتقالية على حديقة إيفانجلين.
كانت تجلس على مقعد خشبي، وبين يديها “دفتر اليوميات”..
الذي لم تتوقف عن الكتابة فيه منذ أربع سنوات.
كانت إيلودي تجلس عند قدميها، منشغلة بجمع زهور الياسمين المتساقطة.
رفعت الطفلة رأسها وقالت:
“أمي.. هل تعتقدين أن المسافرين في البحر يضيعون لأنهم ينسون الطريق، أم لأن البحر يمسح آثار أقدامهم ؟”
توقفت ريشة إيفانجلين عن الكتابة.
نظرت إلى ابنتها وقالت بصوت هادئ:
“أحياناً يمسح الناس آثارهم بأنفسهم يا إيلودي ، وأحياناً تسرق العواصف بوصلاتهم.”
وضعت إيلودي زهرة ياسمين في حجر أمها وقالت:
“لقد صنعتُ بوصلة جديدة! خالة مارثا أعطتني خيطاً أزرق ، وربطته في الحصان الخشبي. إذا شمّ أبي رائحة الياسمين ورأى الخيط الأزرق، سيعرف أننا هنا.. أليس كذلك ؟”
ابتسمت إيفانجلين بمرارة ، ومسحت على شعر ابنتها.
كانت تشعر بغصة في حلقها ؛ فهي لا تريد أن تكسر قلب ابنتها.
لكنها في كل مرة ترى فيها “كاسيان الجديد” في العاصمة.
تشعر أن الفجوة بينهما أصبحت أعمق من البحر نفسه.
كتبت إيفانجلين في دفترها تلك الليلة:
[عزيزي كاسيان.. ابنتك تبني لك جسوراً من الياسمين ، بينما أنت تبني قلاعاً من الجليد مع امرأة سرقت حياتنا. هل سأنتظر طويلاً قبل أن يذوب هذا الجليد ، أم أنني سأضطر لحرق القلعة بمن فيها لأستعيدك؟]
خرج كاسيان من القبو ، يغلق الباب خلفه بحذرٍ يضاهي حذر اللصوص.
كان يشعر بثقل “الخاتم” في جيب معطفه، كأنه قطعة جمر تحرق جلده.
في نهاية الممر الطويل ، كان البروفيسور هاملتون واقفاً.
يراجع بعض الأوراق تحت ضوء مصباح جداري.
رفع هاملتون رأسه ، وبدت نظارته الطبية تعكس الضوء كعينَي حيوان مفترس يراقب فريسته.
“كاسيان ؟ ظننتك في غرفتك تراجع أبحاث الغد،”
قال هاملتون بنبرة أبوية هادئة ، لكنها الآن بدت في أذن كاسيان كفحيح الأفاعي.
توقف كاسيان ، شعر بتقلص في عضلات معدته.
لكنه استدعى كل بروده المهني الذي “صنعه” له هذا الرجل.
“كنتُ أبحث عن بعض المراجع القديمة في المكتبة ، يا بروفيسور. يبدو أن الأرق عاد ليزورني.”
ابتسم هاملتون ببرود ، وأخرج من جيب صديريته علبة معدنية صغيرة، قدم له قرصين أزرقين.
“هذا هو ‘علاجك’ المعتاد يا كاسيان. جرعة إضافية الليلة لتهدئة تلك النبضات المتسارعة في صدغك. أنت تعلم أن عقلك الثمين يحتاج للراحة ليظل مبضعك حاداً.”
تناول كاسيان القرصين بهدوء ، ووضعهما في فمه أمام عيني البروفيسور.
ثم تظاهر بابتلاعهما مع رشفة ماء من كوب قريب.
“شكراً لك يا بروفيسور ، أنت دائماً تهتم بأدق تفاصيلي.”
ثبّت كاسيان نظره في عيني هاملتون، باحثاً عن ذرة ندم.
فلم يجد سوى فخر “الصانع” بدميته.
أجاب كاسيان بصوت خالٍ من التعبير:
“أنت محق.. الماضي ليس سوى ركام.”
بمجرد أن أغلق كاسيان باب غرفته بالمزلاج
أخرج القرصين من تحت لسانه بقرف ، وألقى بهما في سلة المهملات.
“منوم مغناطيسي للذكريات..”
همس لنفسه وهو يمسح فمه.
“كنت تخدرني لتسرقني يا هاملتون.”
أخرج الخاتم ووضعه تحت ضوء المصباح الشاحب.
مرر كاسيان الخاتم في إصبعه ؛ انزلق بسلاسة مذهلة ليستقر في مكانه كأنه جزء من جسده.
“إنه لي..”
همس بصوت متهدج.
“لكن.. أين هي ؟”
بدأت الأسئلة تنهش عقله كالنصال:
إذا كان هذا خاتم زواج، فأين زوجته؟
كانت هناك همسات عن طفل قادم في ذكرياتة..
هل فُقد ذلك الجنين أيضاً ؟
أم أن هاملتون محا عائلتي بالكامل ليصنع مني “الجراح المثالي” ؟
أغمض عينيه بقوة ، فهاجمه صداع حاد في صدغه
لكن هذه المرة ، وبدون تأثير الحبوب الزرقاء.
بدأت الصور تتسلل عبر شقوق الضباب:
رأى قاعة محاضرات قديمة في الأكاديمية الملكية ..
وجه امرأة يبتسم له خلف أكوام من الكتب الطبية..
ضحكة خافتة تحت مطر خفيف يوم تخرجهما..
ثم مشهد يدين تتشابكان وهما يتبادلان وعوداً أبدية.
كانت الصور لا تزال مهتزة ، لكن شعور “الأمان” الذي صاحبها كان حقيقياً لدرجة الألم.
استقام كاسيان في جلسته ، ونظر إلى المرآة بملامح حادة لم تكن موجودة قبل ساعات.
لم يعد “المريض المطيع”..
بل أصبح الجراح الذي بدأ يخطط لعملية استئصال لأكبر ورم في حياته:
هاملتون..
“سأستمر في شرب سمك وتمثيل دور التائه،”
قال لنفسه وهو يشد قبضته.
“سأجعلك تعتقد أنك انتصرت ، بينما سأكون أنا من يشرح تاريخك القذر قطعة قطعة.. حتى أعرف أين دفنت حياتي.”
التعليقات لهذا الفصل " 23"