مُقَدِّمَة:
يُقال إنَّ النِّسيانَ نِعمة ، لَكنَّه حينَ يكونُ مَصنوعاً بِمباضِعِ الغَدر، يَتَحوَّلُ إلى زِنزانَةٍ لا جُدرانَ لَها.
في مَمراتِ القَلقِ الباردَة ، كان يَمشي كَظِلٍّ لا يَعرِفُ صاحِبَه.
أربعُ سَنواتٍ سَقَطت مِن تَقويمِ عُمرِهِ كأوراقِ خريفٍ صَفراء ، لم يَبقَ مِنها سِوى بَياضٍ مُوحِشٍ يَمْتَدُّ في رَأسِه.
لم يَكُن “كاسيان” يَبْحَثُ عن أسماءٍ أو تواريخ ، بل كان يَبْحَثُ عن “ذاتِه” التي تَبخَّرَت بينَ أنابيبِ الاختبارِ ودِفءِ المَنازِلِ المَهجورة.
كان يَعتقِدُ أنَّهُ صَفحَةٌ بَيضاء، حتى جاءَت تِلكَ اللَّحظَة..
لَحظةٌ لم تَكُن في الحُسبان، حينَ صافَحَ الهواءُ عَبَقاً مألوفاً ، رائِحَةً تَعرِفُها رُوحُهُ وتَجْهَلُها حَواسُّه.
رائِحَةُ ياسمينٍ حَزينَةٍ ، كأنَّها تَحْمِلُ في طَيَّاتِها عِتابَ سِنينِ الانتظار.
في تِلكَ الغُربَةِ المُرَّة ، كانَ يَقِفُ بينَ عالمين:
عالَمٍ يُريدُ مَحوَه ، وقَلبٍ يَرفُضُ أن يَنصاع.
ومِن بَعيد ، كانَ يتردَّدُ صدى صَوتٍ يَمزِّقُ سكونَ ليلِه ، يُنادِيهِ بِاسمٍ نَسِيَتْهُ أذُناه ، لَكنَّ دَمَهُ كانَ يَجْري بِه.
هِيَ لَيست قِصَّةَ رَجُلٍ استعادَ مَاضِيه، بل قِصَّةُ حُبٍّ رَفَضَ أن يَكونَ مَاضِياً.
قِصَّةُ تِلكَ التي حَارَبَت النِّسيانَ بِالوفاء ، والرَّجُلِ الذي أثبَتَ أنَّ العقلَ قد يَخون، لَكنَّ النَّبضَ لا يَنسى مَجراه.
التعليقات لهذا الفصل " 1"