استمتعوا
“إنّما أريد سياجًا يحميني بأمان، ريثما أنفّذ انتقامي.”
“……انتقام؟“
كانت كلمةً قاسية على نحوٍ لافت أن تخرج من فم امرأةٍ واهنة المظهر.
وحين قطّب راينر حاجبيه بنظرة متعجّبة، أومأت سيسيليا برأسها.
“نعم. إيفان مارتشي، وروزينا أوزبورن، بل وعائلة أوزبورن الفيكونتيه بأسرها. سأردّ إليهم ما ألحقوه بي. وخلال ذلك، أريدك أن تصبح دوقًا وتحمني.”
“……هاه.”
كما شعر من قبل، لم تكن هذه المرأة تعرف المراوغة في كلامها.
وهو ما يعني في الوقت ذاته أنّ هدفها واضح كلّ الوضوح.
“إذًا، ماذا سأجني أنا من هذا؟“
“لقب دوق هايز، والانتقام من الإساءات التي ذقتها على يد إليز هايز طوال تلك السنوات. و…….”
توقّفت سيسيليا لحظة، وألقت نظرةً حولها.
وحين تأكّدت من خلوّ المكان من المتنصّتين، انحنت بجذعها قليلًا وهمست بصوتٍ خفيض.
“الحقيقة الكاملة حول وفاة السيدة ماريانا.”
“……!”
ارتسمت الصدمة على وجه راينر.
كان تعبيرًا لم يُرَ عليه من قبل، هو الذي اعتاد الهدوء ورباطة الجأش.
“كيف عرفتِ ذلك……؟“
“بالطبع، لا أملك اليقين التام. لكنني أستطيع مساعدتك.”
إنّ كشف حقيقة وفاة ماريانا كان يعني، في جوهره، إسقاط إليز.
وفي حياتها السابقة، كانت إليز قد أغرقت سيسيليا بالألم، ثم حاولت في النهاية التخلّص منها بأبشع صورة.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن تكون إليز ضمن أهداف انتقام سيسيليا.
“…….”
عجز راينر عن الكلام.
شعر وكأنّ ضعفًا أخفاه عن الجميع قد كُشف فجأة، فلم يملك سوى الارتباك.
ومع ذلك…… لسببٍ ما، بدا له أنّه يستطيع الوثوق بسيسيليا.
لم يكن الأمر لمجرّد أنّها أخبرته مسبقًا بموت غيلبرت فحسب.
في عينيها الهادئتين، كان ثمّة موجٌ عميق يتلاطم، يحمل عزيمة لا تقبل التراجع.
“……حسنًا. فلنمضِ على ما تريدين.”
بعد برهةٍ من التفكير، عدّل راينر جلسته وجلس باستقامة.
“ما الذي ينبغي عليّ فعله؟“
تمّ الأمر.
قبضت سيسيليا على طرف ثوبها بقوّة، لكنّ ملامحها ظلّت ثابتة.
“بادئ ذي بدء، كما قلتُ، تزوّجني. وبعد ذلك…….”
تعمّدت التمهّل قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ذات مغزى.
“حين تصبح دوقًا، اتّخذ إيفان ابنًا بالتبنّي.”
“……ماذا قلتِ؟ إيفان مارتشي ابنًا بالتبنّي؟“
انفجر راينر ضاحكًا بسخرية، وكأنّه سمع اقتراحًا عبثيًّا.
كان في السادسة والعشرين من عمره، ولا يفصله عن إيفان سوى أربع سنوات.
أن يصبح أبًا له؟ فكرة لا تستحقّ حتى الضحك.
ثم إنّ ثمّة مشكلةً أكبر من ذلك.
“أن أتّخذ خطيب زوجتي السابق ابنًا لي؟ ستقيم جميع صحف الفضائح في بريسن الدنيا ولا تقعدها.”
كان زواجه من سيسيليا وحده كفيلًا بإثارة ضجّة عارمة.
قطّب راينر حاجبيه، غير أنّ سيسيليا اكتفت بهزّ كتفيها بهدوء.
“إن تركته وشأنه، فسيغدو إيفان ابن أخيك. أترغب حقًّا في منح السيدة الكبرى فرصة للهجوم المضاد؟“
بعد فقدانها لابنها الوحيد غيلبرت، لا بدّ أنّ إليز تبحث بكلّ ما أوتيت من قوّة عن حفيدها الذي طردته.
وحين تعثر على إيفان، فلن تتردّد في استخدام أيّ وسيلة لانتزاع لقب الدوق منك.
“من الأفضل أن تجعله، اسمًا على الورق، وريثك. عندها لن تترك للسيدة الكبرى أيّ مجال للتدخّل.”
أمام هذا المنطق المحكم، لزم راينر الصمت.
غاص في تفكيره، وأخذ يطرق بإصبعه ببطء على مسند الكرسي.
“أفلا يكون القضاء على إيفان مارتشي خيارًا أفضل؟ لن نحتاج حينها إلى خطوة محفوفة بالمخاطر كهذه.”
بدا له ذلك الطريق أبسط وأكثر حسمًا.
فبزوال إيفان، يزول الخطر من جذوره.
وتُترك روزينا، وقد فقدت أب طفلها، لتغرق وحدها في أعباء التربية.
وسيكون في ذلك قدرٌ من الانتقام العاطفي.
“لا.”
لكنّ سيسيليا هزّت رأسها بحزم.
“إنهاء الأمر على هذا النحو سهلٌ أكثر مما ينبغي.”
بردت نبرتها وتصلّبت ملامحها.
لو كان القضاء على إيفان وحده كافيًا، لكانت فعلت ذلك بيدها منذ زمن.
لكنّ ما أرادته سيسيليا حقًّا لم يكن كذلك.
“سأضيّق الخناق على إيفان وروزينا، ببطء، وبلا هوادة، حتى النهاية. إلى أن يتوسّلا عند قدميّ طالبين الموت.”
“…….”
كان حقد سيسيليا، الساعي إلى سقوطٍ كامل لا رجعة فيه، يتدفّق إلى راينر دون مواربة.
حدّق فيها طويلًا.
لم يكن غضبًا يمكن تفسيره بمجرّد نزوة عاطفية. كان أعمق وأثقل.
ما الذي أشعل هذا اللهيب في داخلها؟
“ما الذي حدث بينك وبينهما بالضبط؟“
لم تُجب سيسيليا عن سؤاله.
لم يكن فقط لأنّه قد لا يصدّقها، بل لأنّ استحضار نهاية حياتها السابقة كان مؤلمًا بذاته.
“لا أستطيع إخبارك الآن. لكن بدلًا من ذلك…….”
حوّلت سيسيليا مجرى الحديث بهدوء.
“سأمنحك الشركة التي يديرها إيفان مارتشي. مكافأةً على صبرك.”
“…….”
نظر إليها راينر بعينين غارقتين في التأمّل.
لم يكن يعرف السبب، لكنّه كان متيقّنًا من أنّها تتجنّب الحديث عمّا يربطها بإيفان وروزينا.
“لا حاجة. متجر صغير كهذا.”
اتّكأ راينر بكسل على مسند الكرسي.
كان قد راكم من الثروة ما يكفيه.
ولو طمع في أعمال إيفان، لأقام شركةً أكبر منها بلا عناء.
“عوضًا عن ذلك، فليكن الثمن هو سماع قصّتك.”
“هذا…….”
“بالطبع، حين تكونين مستعدّة.”
اتّسعت عينا سيسيليا دهشةً.
تأمّل راينر عينيها الخضراوين اللامعتين كزمردٍ صافٍ، وأومأ برأسه إيماءةً خفيفة.
“سأستوفي مكافأة صبري في ذلك الوقت، دون نقص.”
****
في هذه الأثناء، كان إيفان يفرك جبينه بوجهٍ متجهم.
“روزينا، أرجوكِ، كفى.”
“ماذا؟ إيفان، هل قلتَ لي كفى؟“
تشوّه وجه روزينا غضبًا.
منذ انهيار زفاف سيسيليا قبل أيّام، لم تكفّ عن الإلحاح على الزواج، بينما كان إيفان يختلق الأعذار تلو الأخرى.
كاد التكرار يبعث الغثيان في نفسه.
“لم يمضِ شهر على تلك الفضيحة. ماذا سيقول الناس إن أعلنتُ زواجي بك فورًا في مثل هذا الوضع؟“
لو كان لديكِ عقل، لفكّرتِ قليلًا.
كاد يوبّخها، ثم اكتفى بهزّ رأسه صامتًا.
فمنذ ذلك اليوم، وهو يعاني نظرات الناس اللاسعة.
وبالنسبة لرجل أعمال مثله، كانت السمعة حياةً أو موتًا.
فكيف يتزوّج روزينا، بطلة الفضيحة؟
من يدري ما الذي سيتناقله الناس بعد ذلك.
‘يا للهول. فظيع.’
ارتعش جسد إيفان ارتعاشةً مبالغًا فيها.
كلّ ما يريده الآن هو أن يختفي بهدوء تحت السطح، بعيدًا عن الأنظار.
لكنّ روزينا لم تكن تشاركه الرأي.
“وقد أصبح الحال على ما هو عليه، فلن يجد أيّ منّا شريكًا آخر. فما المشكلة في الإسراع؟ أتريدني أن أرتدي فستان الزفاف وبطني منتفخة؟“
رفعت روزينا صوتها وقد استبدّ بها القلق.
كان جسدها يتغيّر يومًا بعد يوم.
وما دامت ستلد على أيّ حال، فقد أرادت أن تقف أمام الجميع مرفوعة الرأس.
أرادت أن تكون بطلة أجمل حفل زفاف في حياتها، ولو مرّة واحدة.
وقبل كلّ شيء، أرادت أن تُثبت للجميع، ولسيسيليا على وجه الخصوص، أنّ إيفان بات رجل روزينا أوزبورن.
‘صحيح أنّ مكانته ليست مثالية، لكنّه ليس خيارًا سيّئًا على أيّ حال.’
وسيم بما يكفي، الأوّل على دفعته في الأكاديمية، وصاحب عمله الخاص.
كان إيفان مارتشي عريسًا مطلوبًا إلى حدٍّ لا بأس به في بريسن.
ولهذا بالذات، لم تشأ روزينا أن تتركه لامرأةٍ أخرى، فحاولت تزويجه بسيسيليا.
أمّا الآن، وقد آل الأمر إلى هذا، فقد أرادت أن تتباهى به على الملأ، وتمحو إهانة الأيام الماضية.
‘هاه، حين رفضت الزواج لانني عامّي، متى كان ذلك؟‘
نظر إيفان إلى روزينا بوجهٍ متجهّم.
كان يعلم جيّدًا أنّها، قبل انكشاف حملها، كانت تذهب إلى لقاءات تعارف مع نبلاء آخرين.
لكنّ روزينا، وكأنّ شيئًا لم يكن، تشبّثت بذراعه بوجهٍ بريء.
“إيفان، ليس لدينا وقت. لنذهب غدًا إلى الكاهن و―”
“آه، روزينا!”
انفجر إيفان أخيرًا وقد نفد صبره.
ارتجفت روزينا دهشةً، فتنفّس إيفان بعمق وقال بحدّة.
“لم أقل إنني لن أتزوّجك. قلتُ انتظري. لماذا تُلحّين إلى هذا الحدّ؟“
“أُلحّ؟ أتراني أتدلّل كطفلة؟“
“نعم! سئمتُ هذا، فتوقّفي! ليا لم تفعل ذلك قطّ―”
“ماذا؟ ليا؟“
ما إن خرج اسم سيسيليا من فمه، حتى تحوّل بريق عيني روزينا إلى شراسة.
“ماذا قلتَ الآن؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 8"
البطله عرفت كثير اشياء!!