استمتعوا
ما إن أنهت سيسيليا كلامها حتى رفعت فنجان الشاي، وارتشفت منه بهدوء.
كان راينر يحدّق في تلك الحركة بعينين حادّتين.
لم تكن حكاياتٍ يمكن لامرأةٍ تعيش متطفّلة في منزل أسرة نبيلة صغيرة أن تختلقها وحدها.
“إن كان لا يزال يصعب عليك تصديق كلامي، فابدأ بالتحقّق من وفاة دوق هايز أولًا. عندها ستعرف سريعًا إن كنتُ صادقة أم أنّ ما قلته ليس سوى لغوٍ فارغ.”
بل وأكثر من ذلك، كانت تشير إليه بثقة بما ينبغي عليه فعله.
عجز راينر عن أن يحدّد كيف يجب أن يتعامل مع هذه المرأة.
“هذا كلّ ما لديّ لأقوله.”
نهضت سيسيليا على مهل، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة.
كانت ابتسامة من يمسك بورقة النصر.
“حين تتأكّد من صحّة كلامي، يمكننا عندها أن نعود للحديث عن صفقتنا. سأقيم في فندق سيمور، فإن راودك خاطر الحديث، فتعال متى شئت.”
****
“هوو…….”
ما إن خرجت من قصر الدوق حتى أطلقت سيسيليا زفرةً عميقة.
كادت لا تتذكّر ما الذي تفوّهت به قبل قليل.
أن تتحدّث بتلك الجرأة أمام راينر!
كان سلوكًا يستحيل أن تتخيّله في حياتها السابقة.
‘لا بدّ أنّ راينر الآن غارق في التفكير.’
لم ينهض راينر من مقعده حتى بعد أن تجاوزت سيسيليا العتبة.
ولم يكن بوسعها أن تعرف إن كان ذلك الصمت يعني قبوله لعرضها أم لا.
‘……سينجح الأمر. إنها مقامرة بدأتُها بالفعل. فلأثق بحدسي.’
أومأت سيسيليا برأسها بعزم، ثم أدارت ظهرها ومضت دون تردّد.
****
وفي اليوم التالي.
انطلقت عربة راينر هايز مرّة أخرى نحو إقطاعية هايز.
“كثرة رؤية الوجوه الوضيعة توشك أن تحطّ من كرامتي.”
استقبلت إليز راينر بوجهٍ بارد حين التقته في الإقطاعية.
لم تحاول حتى إخفاء ضيقها من زيارته.
وهكذا كانت دائمًا منذ البداية.
صحيح أنّها جلبت ابن زوجها غير الشرعي مراعاةً لأعين الناس، لكنّها لم تمنحه يومًا ذرة مودة.
بل على العكس، لم تتردّد في إظهار أقبح ما فيها أمامه.
‘إنك صورة طبق الأصل عن أمّك! يا له من دمٍ وقحٍ ودنس!’
لم يكن ما سمعه منها يومًا سوى الشتائم والتوبيخ.
تدفّقت الذكريات القديمة إلى ذهن راينر، فضغط بأصابعه على طرف عينه.
كلّ شيء في هذه اللحظة كان مثيرًا للاشمئزاز.
ومع ذلك، كان لا بدّ من التحقّق.
فإن كان كلام سيسيليا فانينغ صحيحًا، فسيكون مفتاحًا لقلب الموازين رأسًا على عقب.
“جئتُ اليوم لزيارة أخي.”
“……ماذا؟“
للحظة، ارتجف بريقٌ غير مألوف في عيني إليز.
ولم يفُت ذلك راينر.
“بوصفي أخاه الأصغر، يؤرّقني أنّني لم أقم بزيارته زيارةً تليق به. سأطمئن عليه ثم أغادر فورًا، فلا داعي لأن تقلقي―”
“لا، لا حاجة لذلك!”
ما إن نهض راينر من مكانه حتى سارعت إليز لتقف في طريقه.
كان وجهها متماسكًا ظاهريًا، غير أنّ قبضتيها المرتجفتين فضحتا اضطرابها.
“غيلبرت يحتاج إلى راحةٍ تامّة. وجود رجلٍ وضيعٍ مثلك لن يفيده بشيء.”
“آه، أهذا كذلك.”
تأمّلها راينر لحظة، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة.
كان غيلبرت نسخةً طبق الأصل عن أمّه.
لم يكن يحتمل وجود أخٍ غير شقيق أصغر منه بعشر سنوات، وكان يتأجّج غيظًا على الدوام.
وحين كانت إليز تعذّب راينر، كان يقف إلى جوارها ضاحكًا، يزيدها تحريضًا.
ومع تقدّم راينر في العمر وبروزه في البلاط الإمبراطوري والمجتمع الراقي، انقلبت غيرة غيلبرت إلى حقدٍ أعمى.
وفي مسألة أنّ راينر لن يكون نافعًا لحالة غيلبرت الصحيّة، لم يكن لراينر اعتراض.
طبعًا، إن كان غيلبرت حيًّا أصلًا.
“من يدري؟ لعلّ رؤيتي تُغضبه إلى حدّ أنّ الجثة الممدّدة تنهض فجأة.”
“……مـ، ماذا؟“
تجمّد وجه إليز عند تهكّمه.
“جـ، جثة؟ احذر كلامك. غيلبرت―”
“نعم، نائم بسبب المرض.”
قالها راينر بنبرة تحمل معنى مزدوجًا، ونهض ببطء.
لم يكن بحاجةٍ إلى دخول غرفة نوم غيلبرت أصلًا.
ردّة فعل إليز كانت كافية لتكشف كلّ شيء.
‘لو كان غيلبرت حيًّا، لعرضته أمامي بكلّ فخر، طالبًا منّي ألّا أتوهّم شيئًا.’
بل وكان ليسخر منّي حتى وهو طريح الفراش.
لكنّ إليز الآن لم تستطع التفوّه بكلمة، واكتفت باللهاث.
وعند رؤية الثعلبة العجوز يتآكلها الغيظ، ارتسمت على شفتي راينر ابتسامة نصر.
“إذًا، سأغادر الآن.”
انحنى لها انحناءة خفيفة، ثم اتّجه نحو الباب.
وعند العتبة، أمسك بالمقبض والتفت إليها.
“بالمناسبة، يا سيدتي الكبرى.”
كانت إليز تطحن أسنانها وهي تحدّق فيه.
“بهذا الارتجاف في يديك، هل تستطيعين حقًّا شرب الشاي على مهل؟“
“أنت……!”
همّت إليز بالوقوف، لكن راينر ابتسم ببرود وغادر.
***
“سيدي راينر.”
ما إن خرج من القصر حتى كان هاري في انتظاره.
كان قد عاد للتوّ من المستشفى العام تنفيذًا لأمر راينر.
“تحقّقتُ من سجلّ ولادة المرأة المدعوّة سيلا. وكما قالت الآنسة فانينغ، فقد أنجبت ابنًا قبل اثنين وعشرين عامًا.”
“……حقًّا؟“
“نعم. وقد ذكرت حينها أنّ والد الطفل نبيل، لكن الجميع ظنّها تهذي من شدّة الحمّى.”
ناول هاري ملفّ الأوراق.
ضيّق راينر عينيه وهو ينظر إلى شهادة الميلاد التي كُتب عليها اسم ‘إيفان‘.
“وهل تعلم إليز بالأمر؟“
“يبدو أنّها لا تعلم بعد. شدّدنا الكتمان على طاقم المستشفى. الأوراق التي بين يديك هي الأصل، وقد تأكّدت بنفسي من حرق جميع النسخ.”
أومأ راينر برأسه تقديرًا لدقّة هاري.
كاد كلّ ما صبر عليه طوال هذه السنين يضيع هباءً لولا ذلك.
ولم يكن أمامه إلّا الاعتراف بأنّ الفضل كلّه يعود إلى سيسيليا فانينغ.
“……”
جلس راينر في العربة، يحدّق في قصر هايز الذي أخذ يبتعد شيئًا فشيئًا.
وكان عقله الآن غارقًا في الفضول حول امرأة واحدة.
‘سيسيليا فانينغ…… ترى، ما حقيقتها؟‘
****
وبعد يومين، قصد راينر فندق سيمور.
وحين رأته سيسيليا في الردهة، هتفت في سرّها فرحًا.
‘أسرع ممّا توقّعت.’
كونه أتى بنفسه يعني أنّه تحقّق من كلّ شيء.
أن يُنجز ذلك خلال يومين فقط، كان مدعاة للإعجاب حقًّا.
لكنّ سيسيليا لم تُظهر شيئًا، واكتفت بابتسامة خفيفة وهي تسأله.
“ما الذي جاء بك إلى هنا، يا سيدي؟ لا تقل إنك جئت لتشرب الشاي معي فحسب.”
“……”
رغم علمها بسبب مجيئه، تظاهرت بالجهل.
نظر إليها راينر بعينين باردتين.
“كيف عرفتِ؟“
“ماذا تقصد؟“
“عنّي، وعن إليز هايز، وعن غيلبرت.”
كان يراقبها بنظرةٍ نافذة.
“لقد شدّدت السيّدة الكبرى الكتمان إلى أقصى حدّ. ومع ذلك لم أستطع أن أتصوّر كيف وصلتِ إلى تلك المعلومات.”
‘آه، هذا ما يشغلك.’
ولم يكن غريبًا.
فما تعرفه لم يكن مجرّد إشاعات عابرة.
هزّت سيسيليا رأسها مبتسمةً ابتسامة غامضة.
“لا أستطيع إخبارك بذلك. فأنت لم تقدّم لي شيئًا بعد.”
ثم قبضت شفتيها قليلًا ورفعت فنجان الشاي.
كانت إشارةً لطيفة تعني الرفض.
‘وفوق ذلك، لا يمكنني شرح الأمر أصلًا.’
من سيصدّق أنّني قُتلت على يد روزينا، ثم فتحت عيني لأجد نفسي في الماضي؟
لو قلت ذلك، لاعتُبرت مجنونة وزُجّ بي في مصحّ عقلي.
“حسنًا، إذًا سأطرح سؤالًا واحدًا فقط.”
أمام حزمها، تنفّس راينر بعمق وأرخى رباط عنقه قليلًا.
“لماذا سلّمتِني تلك المعلومات؟ لو تجاهلتِ خيانة إيفان مارتشي وبقيتِ صامتة، لكنتِ اليوم دوقة.”
كان يريد أن يفهم نواياها.
لماذا اختارت هذا الطريق الشائك بدل الطريق الأسهل؟
لم يكن الغضب من خيانة الخطيب تفسيرًا كافيًا، فالثمن الذي تخلّت عنه كان فادحًا.
ففي مجتمع بريسن الأرستقراطي، نادرًا ما تُفتعل فضيحة علنية بسبب عشيقة الزوج.
إلّا إن كانت امرأة مثل إليز، تُفرغ غضبها في الخفاء.
“دوقة…….”
وضعت سيسيليا فنجانها، وقد ارتسمت على وجهها مرارة خفيفة.
كما قال راينر، حين أصبحت دوقة في حياتها السابقة، لم تكن تشكو من شيء.
لكن الواقع كان مختلفًا.
برود زوجها المتزايد وضغط إليز المستمر لإنجاب وريث أنهكاها يومًا بعد يوم.
ثم انتهى بها الأمر مقتولةً على يد روزينا.
كان لقب الدوقة مجرّد قشرةٍ براقة.
“ذلك ليس ما أحتاجه.”
قالت سيسيليا، وهي تشدّ ظهرها باستقامة.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 7"
شكرا على الترجمه ✨
شرب الشاي؟ 😂
ظنيت يمكن احزن عليه (غيلبيرت) لكن طلع مثل امه، ناه بداهيه
وضيعه؟!!! لكِ بالمثل!