استمتعوا
في داخله، كان هناك زرُّ أكمامٍ واحدٌ يلمع بلمعانٍ خافت.
كان هذا هو الأثرَ الوحيد الذي خلّفته والدة إيفان.
لكن سيسيليا أدركت الآن أنّه ليس مجرّد تذكارٍ عادي.
「غ.هـ」
كانت أحرفُ دوق هايز، غيلبرت هايز، محفورةً على زرّ الأكمام.
إنّه الشيء الذي تركه هديةً للخادمة التي كانت عشيقته.
وتلك الخادمة كانت هي أمَّ إيفان الحقيقيّة.
‘في حياتي السابقة، بفضل هذا، استطاع إيفان أن يثبت أنّه ابنُ الدوق.’
لكن في هذه الحياة، لم يكن بوسعها أن تشاهد ذلك المشهد بعينيها المفتوحتين.
وضعت سيسيليا زرَّ الأكمام بحذرٍ داخل ثوبها.
كانت تنوي التفكير على مهلٍ في كيفيّة الاستفادة منه.
‘هل جمعتُ كلّ شيء الآن؟‘
تفحّصت سيسيليا الحقيبة للمرّة الأخيرة، ثم أغلقتها بهدوء.
وكان ذلك حين همّت بالنهوض من مكانها.
“سيسيليا! أيتها اللعينة! أين أنتِ؟! اخرجي حالًا! لن أدع هذا يمرّ اليوم!”
اقتحمت تريشا، الفيكونتيسة أوزبورن ووالدةُ روزينا، الغرفةَ دافعةً الباب.
وتبعتها روزينا من خلفها مباشرة.
صفعة!
“كيف تجرؤين على طعننا في ظهورنا وأنتِ لا تعرفين فضل من ربّاكِ؟! يا لكِ من حقودة!”
تقدّمت تريشا بخطواتٍ سريعة، وصفعت خدَّ سيسيليا دون تردّد.
أمسكت سيسيليا خدَّها، ثم أعادت توجيه بصرها.
وعند رؤية المرأتين ترتجفان من شدّة الغضب، خرجت منها ضحكةٌ ساخرة من دون قصد.
‘فضل التربية؟‘
رغم أنّهما ربّاها مع تمييزٍ صارخ لصالح روزينا، وكانا يقمعانها في كلّ مرّة.
لم يكن زوجا الفيكونت أوزبورن يومًا من الأشخاص الذين يحيطون سيسيليا بدفءٍ أو عطف.
كانا، دون تردّد، يمنعان الطعام عن طفلةٍ لم تتجاوز الخامسة، ويضربانها بالسياط لأتفه الأسباب.
حينها، كانت سيسيليا تظنّ أنّها المخطئة فحسب.
لكنّها الآن عرفت الحقيقة.
كانا خائفين.
خائفين من أن تطالب سيسيليا يومًا ما باستعادة ميراث والديها.
“من الأساس، لم يكن ينبغي لنا أن نأتي بشيءٍ مثلك—”
صفعة!
قبل أن تُكمل تريشا كلامها.
كانت هذه المرّة يدُ سيسيليا هي التي انهالت على خدّها.
استدار رأس تريشا التي كانت تشير بأصابعها وتتناثر من فمها قطراتُ اللعاب.
واحمرّ خدّها على طول أثر كفّ سيسيليا.
سُمِع صوتُ روزينا وهي تلهث من شدّة الصدمة.
“ليا! مـ، ماذا فعلتِ الآن—”
صفعة!
ومع صوتِ تمزّقٍ حادٍّ آخر، استدار وجهُ الفيكونتسة إلى الجهة المقابلة.
“يا إلهي، يبدو أنّ هذه الفتاة قد جُنّت!”
“كـ، كيف تجرؤين!”
صرخت روزينا، بينما اندفعت تريشا بوجهٍ متّقدٍ بالغضب.
لكنّ سيسيليا لم تكن تنوي تلقّي الضرب هذه المرّة.
ففي لحظة، أمسكت بذراعيهما وأخضعتهما.
لم يكن بوسع الأمّ وابنتها من عائلة أوزبورن مقاومة سيسيليا، لطول قامتها وقوّتها.
“اتركيني! أطلقي سراحِي!”
تخبّطت تريشا بشكلٍ مشين، وشعرها مبعثر.
لكن كلّما فعلت ذلك، شدّت سيسيليا قبضتها أكثر.
ثم فتحت فمها بنظرةٍ باردة.
“بدلًا من رفع صوتك، تعلّمي كيف تُربّين ابنتكِ جيّدًا.”
“ماذا قلتِ؟! كيف تجرؤين على ضربِ من يكبركِ سنًّا مرتين—”
“هذا محسوبٌ أيضًا عن نصيب روزينا، أو هل أضربها بدلًا من ذلك؟“
أشارت سيسيليا بذقنها نحو روزينا.
وعندها تصلّب وجهُ روزينا.
بدت سيسيليا وكأنّها ستضربها حقًّا، سواء كانت حاملًا أم لا.
فبادرت روزينا إلى تغيير موقفها على عجل.
“ليـ، ليا……. لماذا تفعلين هذا فجأة؟“
قالت روزينا بصوتٍ باكٍ، مليءٍ بالشفقة.
وامتلأت عيناها الواسعتان بالدموع.
“إن كنتِ قد شعرتِ بالأذى، كان يمكننا أن نتحدّث مسبقًا، أليس كذلك؟ لماذا في مكانٍ يعجّ بالناس هكذا…….”
حاولت روزينا، كعادتها، أن تستدرّ التعاطف مستخدمةً دموعها كسلاح.
وكان قلبُ سيسيليا يلين دائمًا أمام هذا المشهد.
لكنّها لم تعد تقبل أن تُعامل كحمقاء بعد الآن.
“آه، ذاك؟ فعلتُه عمدًا.”
“……ماذا؟“
“التصنّع هو تخصّص عائلتكم، أليس كذلك؟ كنتُ أشعر بالاشمئزاز، وجاءتني فرصةٌ مناسبة لا أكثر.”
فتحت روزينا فمها من شدّة الصدمة، وعجزت عن الكلام.
لم يسبق أن سمعت من سيسيليا مثل هذه الإهانات في حياتها.
فهي كانت دائمًا تضحك بغباء وتلبّي كلّ طلباتها!
ألقت سيسيليا ذراع الفيكونتسية جانبًا كما لو كانت ترمي شيئًا.
“هل ستواصلون الشجار؟ إذًا لنذهب معًا إلى الساحة، أليس من الأفضل أن يكون هناك متفرّجون؟“
“أنتِ، أنتِ……!”
“أمّي! هل أنتِ بخير؟“
تمايلت تريشا وهي تمسك مؤخرة عنقها.
أسرعت روزينا لتسند أمّها، لكن سيسيليا لم تمنحهما نظرةً واحدة، بل التقطت حقيبة أمتعتها واتّجهت بهدوء نحو المدخل.
“إلى أين تظنّين نفسكِ ذاهبة؟! روزينا! اتّصلي بالمنزل فورًا! سأرسلها إلى الماركيز ديلان!”
صرخت تريشا خلفها بأعلى صوتها.
كان الماركيز ديلان رجلًا فاسقًا يشتهر بولعه بالنساء، رغم تجاوزه السبعين.
وقيل إنّه يبحث حاليًّا عن زوجةٍ سادسة.
وكانت تلك زيجةً ينفر منها جميع نبلاء ليستيا ممّن لديهم بنات.
“يبدو أنّكِ واهمة! عائلتنا ما زالت وصيّتكِ القانونيّة! لذا سأعرضكِ فورًا على منزل الماركيز! فهذا المقام أيضًا أعلى ممّا تستحقّين!”
كان سبب ذكر اسم منزل الماركيز ديلان واضحًا.
كانا يعتزمان بيع سيسيليا، وجني المال مقابل ذلك.
حتّى في مثل هذا الموقف، كان التفكير في الحسابات أوّل ما يخطر لهما، وذلك أمرٌ يليق تمامًا بعائلة أوزبورن.
“هيه! إلى أين تذهبين! لم أنتهِ من الكلام بعد!”
تجاهلتهم سيسيليا وخرجت من الباب.
لم تكن لكلماتهم، وهم ليسوا بشرًا في نظرها، أيُّ قيمةٍ تستحقّ الردّ.
وما إن خرجت، حتّى واصلت السير دون تردّد.
‘فلأقم في فندقٍ في الوقت الراهن.’
لحسن الحظ، كانت تملك بعض المال الذي ادّخرته منذ طفولتها.
كانت قد جمعت سرًّا القطع النقديّة القليلة التي كان زوجا الكونت أوزبورن يلقيانها لها تفضّلًا.
ورغم أنّه لا يُقارن بميراث والديها، فإنّه يكفي للإقامة في فندقٍ لبعض الوقت.
‘المشكلة فيما بعد ذلك.’
خرجت بحماس، لكن.
كما قالت الفيكونتيسة، كانت سيسيليا قانونيًّا ما تزال تحت وصاية عائلة أوزبورن.
ومهما بلغت سنّ الرشد، فإنّ مسألة الزواج تحديدًا لا يمكن أن تتحرّر تمامًا من سلطة الوصيّ.
‘إن بدأ الحديث عن زواجٍ مع منزل الماركيز ديلان، فسيصبح الأمر مزعجًا.’
فمواجهةُ عائلةٍ نبيلة دون أيّ سندٍ ليست بالأمر السهل لآنسةٍ غير متزوّجة.
فالمجتمع النبيل يدور دائمًا حول العائلات.
‘ماذا أفعل…….’
كانت سيسيليا تفكّر طوال طريقها إلى الفندق.
ما تحتاجه الآن هو درعٌ متين، لا تجرؤ عائلة أوزبورن ولا منزل الماركيز ديلان على الاقتراب منه.
****
بعد ثلاثة أيّام من الفوضى التي رافقت زفاف سيسيليا.
وصلت عربةٌ واحدة أمام قصر دوق هايز.
كانت العربة التي أقلّت راينر، العائد من إقطاعيّة العائلة.
“مرحبًا بعودتك، السيّد راينر.”
نزل راينر من العربة، وأومأ برأسه إيماءةً خفيفة لمساعده هاري الذي خرج لاستقباله.
أضاءت شمسُ الظهيرة خطّ فكّه الحادّ، وكأنّه منحوتٌ بإزميل، وأنفه العالي المستقيم.
حتّى شعره الأسود الداكن، الذي تلاعب به نسيم الربيع بخفّة، ظلّ مرتّبًا بلا أدنى فوضى.
وقف راينر على الأرض بساقيه الطويلتين، ونزع القفّازين اللذين كان يرتديهما ببطء.
وبرغم ما اتّسم به هذا الفعل البسيط من أناقةٍ ورقيّ، كان وجهه متجمّدًا بصلابة.
كان كذلك دائمًا في الأيام التي يعود فيها من إقطاعيّة هايز.
“هل السيّدة العجوز بخير؟“
“للأسف، ما تزال تمشي على قدميها بكلّ صحّة.”
عند سؤال هاري، عبس راينر وفكّ رباط عنقه قليلًا.
كانت تلك لحظةً نادرة يُظهر فيها مشاعره، هو المعروف بانضباطه.
ولم يكن ذلك مستغربًا.
فالعلاقة بينه وبين إليز كانت في أسوأ حالاتها.
‘يا له من ابن غير شرعي ووضيع، وما أكثر ما يحاول التمسك باسم عائلة هايز وكأنه كلب يصر على بقائه!’
كان يُعرف راينر علنًا على أنّه الابن الأصغر المتأخّر للدوقة الكبرى إليز.
لكنّ الحقيقة كانت مختلفة.
لقد وُلد من علاقةٍ غير شرعيّة بين دوق هايز السابق وعشيقته ماريانا.
إليز، التي كانت فخورةً بذاتها كنَبيلةٍ وامرأة، لم تستطع تقبّل خيانة زوجها.
فحتّى لو كان جميع رجال العالم يتّخذون عشيقات، لم يكن ينبغي لزوجها أن يفعل ذلك.
وكان أن تصبح موضع سخرية الناس بسبب هذا الأمر عارًا يفوق الموت في نظرها.
ذلك الغضب واليأس توجّها كاملين نحو العشيقة الشابّة لزوجها.
وفي النهاية، لقيت ماريانا حتفها في حريقٍ غامض.
ومنذ ذلك الحين، مارست إليز العنف اللفظي والجسدي على راينر حين دخل قصر الدوق.
“إن كان الأمر شاقًّا عليك، فما رأيك ألا تزوروها لبعض الوقت؟“
اقترح هاري، المساعد الوفيّ، بحذر.
فبعد أن صنع إنجازاتٍ في الحرب وأصبح أقرب المقرّبين لوليّ العهد، لم يعد راينر بحاجةٍ فعليّة إلى لقب دوق هايز.
وبين الميراث الذي ناله من الدوق السابق ومكافآت الحرب، لم يكن ينقصه المال أيضًا.
وكان هاري يشعر بالاستياء من اضطرار راينر لتحمّل الإهانات غير الضروريّة بزيارة إليز.
“وهل أذهب لأنّي أحب ذلك؟ أذهب ليري شيوخ هايز.”
لكنّ راينر رفع يدًا واحدة، رافضًا نصيحة مساعده.
فالسبب الوحيد الذي جعله يحافظ ظاهريًّا على واجب الابن تجاه إليز هو.
لقب دوق هايز.
كان الحريق الذي أودى بحياة أمّه ماريانا من فعل إليز بلا شكّ.
لكن لم يكن هناك سوى قرائن، لا أدلّة.
ولكشف الحقيقة، كان عليه أن يرتقي إلى منصبٍ أعلى منها ليضغط عليها.
“أخي لن يصمد طويلًا. إلى ذلك الحين، يجب ألّا أمنح تابعي هايز أيّ ذريعة للإمساك عليّ.”
ولحسن الحظ، لم يكن لغيلبرت، ابن إليز، أيُّ وريث، وكان مريضًا يكتفي بالحفاظ على مكانته.
ولذا، كان راينر المرشّح الأبرز لتولّي الدوقيّة التالية.
وحتّى يحين ذلك الوقت، لم يكن أمامه سوى خفض رأسه، والتعامل بصبرٍ مع تلك العجوز القبيحة.
وكان من الضروريّ أيضًا تجنّب أيّ فضيحةٍ لا داعي لها.
“بالمناسبة، هناك ضيفٌ ينتظرك الآن في غرفة الاستقبال.”
عند سماعه هذا التقرير، توقّف راينر عن السير.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 5"