على عكس ما كان عليه صوتها قبل قليل، فقد جاء الآن حادًّا ووقورًا، فتجمدت روزينا بلا حراك، وكأنها واقفة في قمة جبل ثلجي قارس، ترتعش من البرد.
ارتفعت زاوية فم سيسيليا بسخرية وحنكة.
“لم أتوقع أبدًا أن نصبح عائلة هكذا، أليس كذلك؟“
مدّت يدها لتلمس كتف روزينا ببطء، ومع ابتسامتها المستمرة شدّت أظافرها بقوة وكأنها تغرزها في الجلد.
“آه!”
تجهمت روزينا من الألم وحاولت سحب جسدها لا إراديا، لكن سيسيليا زادت من قوة قبضتها وأحكمت إمساكها.
ترددت أصوات الحاضرين من حولهما متحيرة.
“يا إلهي، زوجة دوق هايز… إنها الانسة سيسيليا؟“
“حقًا؟ إذن أصبحت الآن أم خطيبها؟ وبينها وبين تلك العشيقة علاقة حماة وكنة؟“
“شش! انتبهي، الجميع يسمع. على أي حال، هي الآن الزوجة الوحيدة لدوقية العاصمة.”
غاصت كلماتهم في أذن روزينا، واصطبغ وجهها بالبياض.
فقبل دقائق قليلة، كانت هي بطلة هذا الحفل. أما الآن، فانتهت مشاعر الانتشاء وكأنها تحطمت على صخرة مع ظهور سيسيليا.
“حسنًا، لنبدأ التحيات. هناك العديد من الشخصيات التي يجب أن أقدمها.”
اقترب حينها راينر ومدّ يده لـسيسيليا، فتخلصت روزينا أخيرًا من قبضتها.
لكنها لم تكن مستعدة لإطلاقها، فهناك الكثير من الأسئلة التي ترغب في طرحها.
“انتظري لحظة!”
مدّت روزينا يدها بسرعة لمحاولة الإمساك بـسيسيليا،
“توقفي.”
لكن راينر حال دونها هذه المرة، ووجه إليها نظرة حازمة.
“سنكمل الحديث لاحقًا، فستلتقين بها كثيرًا فيما بعد.”
“لكن…!”
“زوجتي الآن يجب أن تتواجد مع ضيوف الدوقية المهمين. على عكسك.”
وخز كلام راينر الساخر قلب روزينا بعمق، لكن الزوجين تجاهلاها ومضيا قاصدين وجهتهما، بينما ارتعشت روزينا من الإهانة بكل جسدها، حتى أدركت الحقيقة. كل هذا ليس مزحة ولا كابوسًا، فـسيسيليا أصبحت حقًا حماتها.
“ها…”
أطلقت روزينا ضحكة فارغة، حين ظهر إيفان أمامها بنظرة غبية، يحدق في ظهر الزوجين بصمت.
رغبت في الصراخ من شدة الغضب، لكنها تمالكت نفسها لأن الحاضرين كانوا يرمقونها من بعيد، فشدّت روزينا قدم إيفان تحت فستانها بشدة.
“آه، آه!”
“ماذا تنظر هكذا بلا حراك؟“
“آه، ليس هكذا… لقد ضغطت على قدمي—”
انطلقت دموع إيفان من الألم بسبب كعب حذائها العالي، وغليت دماء روزينا غضبًا.
حتى مع تجاهل راينر وسيسيليا لها بشكل صارخ، لم يجرؤ هذا الرجل على النطق بكلمة واحدة.
“آه، لا أطيق رؤيتك!”
دفعت روزينا إيفان بكتفها وغادرت المكان بغضب.
****
“ها…”
بعد قليل، خرجت سيسيليا إلى الشرفة، متجنبة أنظار الحاضرين، بينما ما زال صوت الموسيقى والضحك يتدفق من الداخل.
جلست بهدوء، وهي تستمع وتفكر. لم تصل إليها تفاصيل الحديث، لكنها استطاعت تخيل محتواه بدقة.
‘كلهم بالتأكيد متحمسون للحديث.’
كانت الليلة تدور حول سيسيليا وإيفان وروزينا، وعلاقاتهم العائلية الجديدة، وكان الحديث عن زفافها وإيفان يعود إلى الواجهة بين الحاضرين.
غدًا ستتنافس الصحف في جميع أنحاء بريسين لكتابة مقالات عنها، وستحاول كشف كل تفاصيل ماضيهم لجذب القراء، لكن سيسيليا كانت مستعدة لذلك منذ البداية.
“لكن التعب لا مفر منه.”
خلعت حذاءها واستندت على الأريكة لتتنفس بهدوء، محاولة أخذ قسط من الراحة، بينما كانت خططها للمستقبل تدور في ذهنها باستمرار.
‘قد يكونوا مرتبكين من المفاجأة الآن، لكن إيفان وروزينا لن يظلّا ساكنين. يجب أن أكون مستعدة للتصرف أيضًا…’
شَحَب حاجباها من التفكير العميق، حينها جاء صوت مفاجئ.
“ها أنتِ! لقد بحثت عنك طويلاً.”
دخل إيفان مسرعًا، يلهث، واقفًا أمامها.
“انتِ،ألا تريدين قول شيء لي؟“
قول شيء؟
تجهمت سيسيليا من وقاحة هذا الرجل، الذي لم يكن مرحبًا بها، بل تجاوز حدود الأدب.
“لا شيء.”
أجابت بهدوء وهي تنحني لتضع قدميها داخل حذائها الموضوع أسفل الأريكة.
كان مجرد النظر إلى ذلك الوجه يثير لديها اشمئزازًا، وأرادت الهروب فورًا من هذا المكان.
لكن إيفان كان أسرع خطوة.
فركل حذاءها بقدمه وأزاحه إلى أحد الأركان
“ماذا تفعل؟“
حدّقت سيسيليا بدهشة في الحذاء المتباعد ونظرت إلى إيفان بغضب.
‘يا له من جبان.’
لم يستطع أن ينبس بكلمة وهو بجانب راينر، أما الآن فقد اقترب إيفان بسرعة من سيسيليا.
“فسّري لي ما يحدث.”
“ماذا تقصد؟“
“ماذا؟! كيف أصبحت زوجة دوق هايز؟!”
ارتفع صوت إيفان، متخبطًا بين الغضب وعدم القدرة على الصبر، وهو يتجول أمام سيسيليا.
“هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا. أنتِ أصبحتين والدتي القانونية؟ هذا مستحيل!”
“لماذا يكون مستحيلًا؟ أنت من وقع على أوراق التبني بالموافقة.”
“ذلك…!”
فقد إيفان كل ما يمكنه قوله، وشدّ قبضته بعنف.
لكن سيسيليا وقفت بثبات رغم أنها حافية القدمين، وكأن الأرض تحتها تمنحها ثباتًا.
قالت ساخرَة.
“إيفان، أن تعامل والدتك هكذا؟ يبدو أنك بحاجة لتعليم آداب السلوك مجددًا. هكذا ستلطخ اسم هايز.”
تغيّر وجه إيفان، مليء بالذهول والارتباك.
هل عليه حقًا أن يعيش من الآن فصاعدًا مع سيسيليا كوالدة له؟
هل هي حقًا زوجة راينر هايز؟
المرأة التي دخل معها قاعة الزفاف؟
“هذا مستحيل…”
ارتجفت قبضته. وخطر بباله فجأة احتمال وحيد. لابد أن سيسيليا لها سبب واضح لهذا التصرف.
“سيسيليا، أنتِ، لا تقولين…”
اقترب إيفان خطوة أخرى، فتجهمت سيسيليا ورفعت رأسها لتحدّق به.
“هل هذا لأنك لم تنسيني بعد؟ لتبقى بقربي حتى بهذه الطريقة؟“
“… ماذا قلت؟“
ضحكت سيسيليا ضحكة خفيفة من فرط الاستغراب.
كيف يمكن لعقله أن يذهب إلى مثل هذه التخيلات؟
لقد أدهشها خياله الواسع.
“هذا هراء!”
لم تكن تصدق ما تسمعه، ومع ذلك فسّر إيفان صمتها بشكل خاطئ، معتقدًا أنه أصاب الهدف.
تلألأت عيناه بحماس خاطئ.
“علمت أنَّك لم تنسيني بعد. لقد كنتِ مغرمة بي تمامًا.”
“ها…”
“حسنًا، تحت سقف واحد، علاقة سرية ليست سيئة أبدًا. فعلاقتنا كانت خاصة جدًا، أليس كذلك؟“
ابتسم إيفان ابتسامة مريبة ومدّ يده نحو سيسيليا.
‘يا لهذا الرجل المجنون…’
كانت سيسيليا على وشك أن تقتلع دبوس شعرها وتغرسه في يده فورًا، لكن حينها جاء صوت حاد من باب الشرفة.
“إيفان!”
كانت روزينا، واقفة عند الباب، متوترة، تقترب منهما.
“ما هذا… ماذا تفعلون الآن؟“
“رو، روزي!”
وقف إيفان حائرًا أمام روزينا، يحاول الدفاع عن نفسه.
“انتظري لحظة، هناك سوء فهم! لا يحدث شيء—”
“لا شيء؟ تظنني غبية؟“
صاحت روزينا بغضب.
فحتى مجرد حقيقة أن سيسيليا أصبحت زوجة الدوق كانت صادمة، أما أن تكون مخطوبة له وتلتقي مع زوجها سرًا فهذا أكثر من احتمالها.
تملكها الغيرة والغضب، فانتفضت عيناها.
“اهدئي، روزي! كل شيء يسمع داخل القاعة!”
“دعهم يسمعون! أرني ماذا تفعل هنا الآن!”
دقّت روزينا على الحاجز وصرخت بأعلى صوتها، فتجمع الناس على الشرفة واحدًا تلو الآخر.
“ما الذي يحدث… يا إلهي.”
توجهت أنظار المتفرجين نحو إيفان وروزينا وسيسيليا، وتغيّرت الأجواء فجأة.
“إيفان، كيف تجرؤ! وكم مرّ منذ ولادة جيريمي!”
“روزي، أرجوك! لم يحدث شيء!”
جلست روزينا على الأرض تبكي بحرقة، بينما أصبح إيفان عاجزًا عن الرد.
أما سيسيليا فتابعت المشهد بصمت، تفكر.
‘لو تدخّلت، ستزداد سوءًا الأمور.’
فقد تكونت في أذهان الناس بالفعل سيناريوهات مختلفة، ولم تكن بحاجة لإضافة المزيد من الخيال.
وعندما ارتفعت الأصوات قليلاً، جاء صوت منخفض وحازم، فخفت الضوضاء فورًا.
التعليقات لهذا الفصل " 28"
التعليقات