استمتعوا
“قف مكانك!”
بينما كان راينر يسير بهدوء في رواق القصر الإمبراطوري، دوّى خلفه صوتٌ عاجل.
توقّف راينر مطيعًا، ثم استدار لينظر إليها.
ركضت إليز نحوه غير عابئة بوقارها، حتى بلغت أمامه وهي تلهث.
“سيدتي الكبرى، أنسيتِ كيف يُمشى بوقار؟ إن تعثّرتِ في مثل هذا العمر وأنتِ تجرين هكذا فستقعين في مأزق عظيم. مع أنّني، بطبيعة الحال، لا أمانع ذلك.”
“أنتَ…!”
جزّت إليز أسنانها من حدّة كلماته اللاذعة.
لكن لم يكن هذا وقت توبيخ راينر على سلوكه المريب.
“أحقٌّ ما يُقال إن حفيدي هو إيفان مارتشي؟ كيف عرفتَ ذلك وأخفيتَه بإحكام—!”
“لم أُخفِه، بل لم يكن عليّ واجب أن أُعلنه فحسب.”
“ها، واجب تقول؟“
ازدادت إليز غيظًا من رباطة جأش راينر.
“ذلك الفتى حفيدي! الوريث الحقيقي لهايز! وهو ليس كأمثالك!”
أطلق راينر سخرية خافتة.
حين كان طفل خادمة، رفضتِ الاعتراف به وطردتِه، أليس كذلك؟
والآن تتقدّمين به لتطالبِي بحقوقك، يا للمفارقة.
كانت إليز تلهث بعنف، غير قادرة حتى على ترتيب شعرها المضطرب.
أهذا هو الوقار الذي طالما تباهت به كنبيلة عظمى؟
“سأذهب إليه حالًا. سآخذه إلى أراضي هايز وأرعاه بنفسي—”
“لا.”
رفع راينر يده ليوقفها، وكانت على وشك الاندفاع فورًا إلى إيفان.
كان يتوقّع تمامًا أن تتصرّف على هذا النحو.
“لا يمكنني أن أُريكِ إياه الآن. فهو لا يزال غير مؤهّل بما يكفي ليُعرض أمام السيدة الكبرى النبيلة.”
“ها! ومن يجرؤ على منعي من رؤية حفيدي!”
“قبل أن يكون حفيدكِ، هو ابني.”
“سأعود حالًا إلى جلالة الإمبراطور و… ماذا؟“
تجمّدت إليز في مكانها.
استدارت إليه بوجهٍ مذهول وقد انعقد لسانها.
“ما الذي… ماذا قلتَ؟“
“أرى من ملامحكِ الشاردة أنّ سمعكِ لا يزال سليمًا.”
اقترب راينر منها وهو يسخر.
“نعم، سأتبنّى إيفان مارتشي ابنًا لي. والإجراءات تتولّى زوجتي إعدادها بالفعل.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة ظافرة.
“سأُحسن تربيته حتى يحين الوقت المناسب لعرضه أمامكِ. وحتى ذلك الحين، ابقي في الإقطاعية بهدوء ولا تبرحي مكانك.”
“ها…”
“هل أرسل لكِ بعض خيوط الصوف إلى الإقطاعية حتى لا تشعري بالملل؟ لعلّكِ تنسجين وشاحًا لحفيدك.”
ربت راينر على كتف إليز برفق، ثم مضى متهاديًا.
ارتجف جسدها كله.
استدارت فجأة محاولة أن تصرخ.
“أنت—!”
“آه، سيدتي الكبرى.”
لكن في تلك اللحظة، ظهر ولي العهد نيكولاس.
اقترب منها مبتسمًا ببراءة واضحة.
“كنت أنوي تهنئتكِ، لكنكِ خرجتِ على عجل.”
“آه، يا سمو الأمير…”
“على أي حال، إنه لخبر سار أنكِ وجدتِ حفيدكِ. بعد رحيل الأخ غيلبرت، كم كان حزنكِ عظيمًا.”
“…أشكرك على لطفك.”
أمسك ولي العهد بإليز وتحدّث إليها مطولًا باسم التهنئة.
ولأنّه ولي العهد، لم تستطع أن تصرفه بسهولة.
لم تفعل سوى أن ترمق نهاية الرواق المظلم بنظرات قلقة.
كان راينر قد اختفى بالفعل في ذلك الظلام.
****
“سـ، سيدي إيفان!”
في اليوم التالي، في مكتب إيفان.
اندفع توماس إلى الداخل ووجهه شاحب كالموت.
قطّب إيفان حاجبيه.
“ما هذا الهياج الآن؟ يكاد رأسي ينفجر.”
“أسرع واخرج! لقد حدث أمر جلل!”
“وماذا هذه المرة؟ أي مصيبة لعينـة أخرى؟“
نهض إيفان شاتمًا.
“أيُّ نبيلٍ يريد فسخ عقده؟ أم جاء صحفيٌّ آخر ليفتعل مشكلة؟“
اتجه غاضبًا نحو الباب.
كان عازمًا على المواجهة أيًّا كان الطرف.
لكن لم يكن في انتظاره نبيل ولا صحفي.
“ما هذا…؟“
تجمّد إيفان وهو يرى عربة فاخرة مصطفّة أمام المبنى.
كانت عربة سوداء منقوشة بنقوش دقيقة، حتى مقابضها من ذهب خالص.
رغم تعامله مع كثير من النبلاء، لم يرَ مثلها قط.
حتى المارة وقفوا يحدّقون بدهشة.
ولم يكن هذا كل شيء.
“سيد إيفان، تفضل من هذا الطريق.”
نزل خادم يرتدي زيّ نبلاء، وانحنى له باحترام بالغ.
ارتبك إيفان من هذا التبجيل الذي لم يختبره في حياته.
“سنرافقك إلى منزل الدوق. تفضل بالركوب.”
“…”
“سيد إيفان؟“
“آه؟ ماذا؟“
مسح إيفان لعابه خلسة.
“ما هذا كله؟“
سأل بلهجة حادة متصنّعة.
“ألا يجدر بك أن تشرح أولًا من أنت ولماذا جئت؟“
“آه، عذرًا. يبدو أنك لم تسمع الخبر بعد.”
انحنى الخادم وناولَه صحيفة العدد الخاص بكلتا يديه.
تناولها إيفان بريبة.
برز العنوان العريض في الصفحة الأولى.
「إعلان صادم! دوق هايز. ‘إيفان مارتشي، الابن الخفي للدوق السابق… سنضمه إلى العائلة.’」
“ما… ما هذا؟“
فرك عينيه وأعاد القراءة.
كان اسمه واضحًا.
شعر أن رأسه فرغ من كل شيء.
“أنا… ابن دوق هايز السابق؟“
“نعم، سيد إيفان. التفاصيل سيشرحها الدوق بنفسه.”
فتح الخادم باب العربة بانحناءة.
تقدّم إيفان مذهولًا وصعد إليها مترنحًا.
ما إن تحرّكت العربة حتى قرص خده فجأة.
“آه! هذا حقيقي؟“
كان الألم يؤكد له الواقع.
‘أنا نبيل؟ بل من دم عائلة دوق؟‘
تسارع نبض قلبه بجنون.
عائلة هايز من أعظم نبلاء إمبراطورية ليستيا.
حتى نبلاء بريسن المتكبرون كانوا ينحنون أمامهم.
والآن، هو نفسه أصبح هايز.
“ها… هاها… هاهاهاها!”
انفجر ضاحكًا كالمجنون.
كم احتُقر بسبب نسبه.
في الميتم نال شفقة النبلاء، وفي الأكاديمية وقف خلفهم دائمًا.
وفي تجارته تملّقهم ليعيش.
والآن جاءته هذه الفرصة.
“نعم… لا أحد يُكتب عليه الهلاك.”
ابتسم ابتسامة خسيسة.
“سأحطم كل أولئك النبلاء الذين احتقروني.”
قبض على يده متخيّلًا أسماءهم.
‘انظروا! أنا وريث الدوق! كنتم تحتقرونني!’
ضحك وهو يلوّح بكفه في الهواء.
تخيّل صفع وجوههم المتذللة فأحسّ بالراحة.
حتى حادثة شاي المخمل لا بد أنهم أخفوها لأجله.
شعر بزهوٍ متعاظم.
“سأجعل كل من أهانني يزحف على ركبتيه ويضرب جبينه أرضًا طلبًا للعفو. وإن كان لهم بنات جميلات… فقد أتسامح قليلًا.”
تشابكت يداه خلف رأسه وهو يضحك بخبث.
بدا له كل هذا وكأنه مكافأة على حياته الشاقة.
****
وصلت العربة إلى الملحق في قصر هايز.
“ستقيم هنا مؤقتًا، وقد أُعدّ كل شيء لراحتك.”
“حسنًا… حسنًا.”
نزل متباهِيًا وهو يرفع رأسه.
“وأين أستطيع مقابلة عمي…؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 24"
التعليقات