استمتعوا
“ماذا؟ سفينتَين… سفينتَين شراعيتَين؟“
“نعم، لنُضاعف كميات شاي المخمل التي نستوردها على نحوٍ كبير.”
اتسعت عينا توماس دهشةً من تعليمات إيفان الجريئة.
أليس هو نفسه من كان يتنهد قبل أيامٍ معدودة متحسرًا على ضياع ثلاثة آلاف كرون؟
إن إطلاق سفينةٍ شراعية واحدة يتطلب رأس مالٍ يفوق ذلك بكثير،
فكيف باثنتين؟
حاول توماس، على استحياء، أن يهدّئ حماس مديره المتقدة.
“سيدي، إن في ذلك كلفةً باهظة. سفينةٌ واحدة الآن تكفي. إن بالغنا فقد يصبح الأمر خطرًا…”
“خطر؟ وأيُّ خطرٍ تتحدث عنه؟ نحن نحتكر شاي المخمل. ألم ترَ بنفسك؟ السعر كما نقول نحن.”
“لكن…”
“كفى. نفّذ ما قلتُه.”
كان صوته حاسمًا لا يقبل جدالًا.
فانحنى توماس أخيرًا وانسحب.
نظر إيفان إلى ظهره بازدراءٍ ونقر بلسانه.
‘تُرى كيف يعيش المرء ضيّق الأفق هكذا؟ لذلك سيبقى طوال عمره يعمل تحت إمرة غيره.’
ثم عاد إليه ذلك التبسم الواثق.
كان وجهه مشبعًا بالثقة.
‘مشروع شاي المخمل هذا سيواصل وضع بيضٍ من ذهب لي. لن يفشل أبدًا.’
****
「حمّى شاي المخمل تزداد اشتعالًا مع مرور الوقت」
「آنسات نبيلات يصطففن منذ الفجر لشراء أوراق الشاي」
「إيفان مارتشي يتعهد بزيادة كميات التوريد من شاي المخمل」
عبست ويندي وهي تقرأ الصحيفة في غرفة سيسيليا.
نجاح إيفان يعني، في نهاية المطاف، أن روزينا تنعم بالرخاء كذلك.
بل ويُقال إن منزل الفيكونت أوزبورن بدأ يستعيد استقراره ويعيد توظيف الخدم بفضل نجاحه.
شعرت ويندي بحرقةٍ في صدرها.
“سيدتي، كيف ينجح أمثال هؤلاء؟ إن العالم حقًا غير عادل!”
رفعت سيسيليا رأسها من خلف مكتبها.
كانت ويندي ما تزال تغلي غضبًا.
فضحكت سيسيليا بخفة.
“ويندي، ما كل هذا الغضب؟ إنك لطيفةٌ حتى في غضبك.”
“وكيف لا أغضب؟ أولئك الأشرار الذين آذوكِ يجنون أموالًا طائلة!”
ولوّحت بقبضتها نحو صورة إيفان في الصحيفة.
“كيف لرجلٍ خان خطيبته مع صديقتها أن…”
ثم خفضت صوتها، وألقت نظرةً حذرة على سيسيليا.
“آسفة يا سيدتي، لساني يسبقني.”
“لا بأس. أليست تلك هي الحقيقة؟“
هزّت سيسيليا كتفيها بلا اكتراث.
في الحقيقة، كان الأمر قد تجاوز الخيانة إلى القتل، لكنها لم تتخيل شكل ويندي لو علمت.
‘ربما تنفجر غضبًا إن أخبرتها.’
فويندي كانت لتصدّق حتى لو أخبرتها أنها عادت من الماضي.
‘من الذي كسر هذا الكأس؟ ويندي، هل هو أنتِ؟‘
‘أعتذر سيدتي الفيكونتيسة، لقد كان خطئي.’
‘هاه، سيسيليا، هل هو أنتِ مجددًا؟ حقًا فتاةٌ لم تتربَّ على شيء!’
جاءت ويندي إلى منزل أوزبورن خادمةً في سنٍّ صغيرة جدًا، وكثيرًا ما أخطأت بسذاجة.
وكانت سيسيليا هي من تتحمل اللوم والضرب بدلًا عنها.
ولهذا ظلت ويندي تتبعها كظلٍّ لا يفارقها.
‘آنسة سيسيليا، أريد أن أكون خادمتكِ الخاصة. سأعمل لأجلكِ وحدكِ.’
ولأجل تلك الويندي، قررت سيسيليا أن يبقى أمر حياتها السابقة سرًّا إلى الأبد.
فتحت الدرج بهدوء وأخرجت شيئًا.
ولمّا بدأت تكتب، اقتربت ويندي تتأمل بفضول.
اتسعت عيناها.
“سيدتي، أتنويْن الخروج إلى المجتمع بنفسكِ أخيرًا؟“
كان ما أخرجته دعوةً لصالونٍ اجتماعي، تُقام الفعالية باسم دوقة هايز.
أخيرًا!
أترغب سيسيليا في أن تُذلّ منزل أوزبورن في المجتمع؟
تلألأت عينا ويندي حماسةً.
“همم، لستُ أدري.”
جاء ردّ سيسيليا فاترًا.
مالت ويندي رأسها حيرةً.
“إن كنتِ ستقيمين صالونًا، فلا بد أن تلتقي بسيدات المجتمع.”
“صحيح… إن أقيم هذا الصالون فعلًا.”
“ماذا تعنين؟“
لم تفهم ويندي.
صالونٌ قد يُقام أو لا يُقام؟ فلمَ كتابة الدعوات إذن؟
“ستعلمين قريبًا.”
ابتسمت سيسيليا ابتسامةً ذات مغزى.
كان في ذهنها مخططٌ متكاملٌ لإسقاط حمّى شاي المخمل.
‘إيفان مارتشي…’
نظرت إلى صورته في الصحيفة.
رجلٌ أحبّته يومًا بصدق، أما الآن، فلم يبقَ في قلبها نحوه سوى البغض.
أطبقت شفتيها.
‘استمتع ما استطعت، إيفان. فلن تتاح لك مثل هذه الأيام طويلًا.’
قريبًا، سيهبّ إعصارٌ عاتٍ في فناجين شاي نبلاء بريسن.
****
أثار خبر صالون دوقة هايز ضجةً في أوساط المجتمع.
“سيُقام صالون؟ لمن؟“
“لدوقة هايز! يبدو أنها ستكشف عن نفسها أخيرًا!”
“يا ترى، هل وصلتنا الدعوة؟“
تعلّقت الأنظار بمنزل هايز.
وانتظرت السيدات الدعوات بشغفٍ ظاهر، حتى إن قائمة المدعوين بدأت تتداول سرًا.
ولم يكن هذا وحده موضع الحديث.
“هل سمعتم؟ يُقال إن الدوقة طلبت كميةً كبيرة من شاي المخمل من أجل الصالون.”
“حقًا؟ لم أذقه بعد. أيمكن أن نتذوقه بفضلها؟“
“منزل هايز مذهل حقًا.”
اجتمع الغموض حول الدوقة مع جنون شاي المخمل، فبات الجميع يترقب يوم الصالون.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت شعبية الشاي إلى عنان السماء.
نظر إيفان إلى رزم الطلبات المتكدسة وكاد يقفز فرحًا.
“سيدي! الطلبات اليوم ثلاثة أضعاف الأمس!”
“كما أمرت، استأجرنا سفينتين إضافيتين!”
“تم تسليم الكمية كاملة إلى الدوقة أمس بأمان!”
جلس إيفان رافعًا قدميه على المكتب، يتلقى التقارير بتعالٍ.
بمجرد ذكر دوقة هايز، بدا وكأن قيمة الشاي تضاعفت مرات.
حسب الأرباح في ذهنه وضحك بخبث.
‘يجب أن نُحكم قبضتنا على تلك المرأة كعميلةٍ دائمة. مجرد اسمها يُحدث كل هذا…’
كان واثقًا من قدرته على كسبها.
فقد أتقن مجاراة أهواء النبلاء.
وظنّ أن الدوقة، مهما علت، لن تختلف عن غيرها أمام الهدايا الثمينة والمديح المعسول.
المشكلة كانت في كيفية لقائها.
فهي لم تخرج بعد من قصرها، ولم تصله دعوة الصالون.
‘لو حضرتُ الصالون فقط، لوجدتُ فرصة…’
ومع ذلك، فهو موزّع الشاي.
أليس له حقٌّ في لقائها؟
‘سأبني صلةً وثيقةً وأستنزف تلك الثروة إلى الأبد.’
يُقال إن ثروة منزل هايز تكفي لشراء نصف إمبراطورية ليستيا.
كان يشعر وكأنها ملكه بالفعل.
ارتفعت زوايا فمه دون وعي، وخرجت منه همهمةُ لحنٍ خفيف.
وفي ذروة أحلامه السعيدة—
“سـ، سيدي!”
دخل توماس شاحب الوجه.
قطّب إيفان حاجبيه.
“ما هذا الهلع؟ ألستَ مشغولًا؟“
“ليس ذلك… أظن أنه ينبغي أن تخرج لحظة…”
وأشار إلى الباب.
كانت صناديق شاي المخمل المرسلة إلى منزل هايز مكدّسة هناك.
“ما هذا؟ لماذا عادت؟ ألم تُسلّم كما ينبغي؟!”
اندفع إيفان نحو الباب صارخًا، خشية أن تنهار ثقته بالدوقة.
وكاد يأمر بإعادة إرسالها—
“آه، نلتقي مجددًا، سيد إيفان مارتشي.”
حيّاه هاري بابتسامةٍ ملتوية وهو يقف بجانب الصناديق.
تذكره إيفان من قبل، وظنّ أنه جاء بسبب تأخيرٍ ما.
“أعتذر، يبدو أن خطأً وقع من جانبنا. سنعيد الإرسال فورًا—”
“لا داعي لذلك. لقد جئنا لإرجاعها جميعًا.”
“…ماذا؟ إرجاعها؟“
شكّ في سمعه.
لكن كلمات هاري التالية كانت صاعقةً أشد.
“نعم. فقد تذوّقت الدوقة هذا الشاي، وسقطت مغشيًا عليها على الفور.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 20"