استمتعوا
“ثلاثة آلاف كرون؟!”
اتّسعت أفواه زوجي الفيكونت أوزبورن دهشةً من ضخامة المبلغ، إذ كان أكبر مما توقّعا.
فثلاثة آلاف كرون تُعادل أجور خَدَم أسرة الفيكونت لستة أشهر كاملة، وهو مبلغ طائل.
وفوق ذلك، كانوا قد بدّدوا أموالهم أصلًا في الترف والإسراف.
وكانت الديون المستحقّة عليهم كثيرة إلى حدّ أنهم لم يملكوا نقدًا جاهزًا يُذكر.
لكن، وكما قال ماركيز روكويل، لم يكن للمحكمة أدنى اهتمام بظروفهم.
“مهلة دفع التعويض أسبوعان. وإذا تجاوزتم المهلة المحدّدة، فستُحكم عليكم بعقوبة الاعمال الشاقة.”
منذ ذلك اليوم، أخذ كلاود يجوب منازل جميع الأسر النبيلة التي له بها صِلات، سعيًا لتأمين المال.
“آه، يؤسفني ذلك، لكنّ الكونت لدينا في الإقطاعية حاليًا، ولن يعود قبل الشهر القادم.”
“نودّ حقًا مساعدتك، لكن أوضاعنا هذه الأيام ليست جيّدة…”
“السيّد يقول إنّ مقابلتك صعبة. نعتذر، ايها الفيكونت.”
غير أنّ أحدًا لم يمدّ له يد العون.
إذ كانوا يخشون أن يُصيبهم غضب البلاط الإمبراطوري إن ارتبطوا بأسرة أُدينت في المحكمة المركزية.
“اللعنة! تبًّا!”
حين رُفض طلبه حتى في المكان الذي علّق عليه آخر آماله، أطلق كلاود شتيمة غليظة وركل حجرًا بقدمه.
هل سيُساق هكذا بلا حيلة إلى معسكر الأعمال الشاقة؟
بالنسبة لرجل عاش متكئًا فقط على كبريائه بصفته نبيلًا، كان الموت أهون عليه.
‘إذًا… لا مفرّ من ذلك، أليس كذلك؟‘
توقّف كلاود عن السير.
لقد بقيت ورقة أخيرة كان قد أقسم ألا يستخدمها حفاظًا على كرامته.
“ماذا؟ أبي؟ ماذا قلتَ الآن؟“
لم تُصدّق روزينا أذنيها حين سمعت كلام والدها بعد عودته إلى المنزل.
فقد كانت تظنّ أن مسألة التعويض شأن يخصّ والديها وحدهما، ولن يطالها منها شيء.
“اطلبي من إيفان أن يدفع التعويض بدلًا عنّا. فهو رجل أعمال، لا بدّ أنّ لديه مالًا نقديًا.”
“أبي!”
انتفضت روزينا غاضبة عند سماع كلامه.
وكانت تشعر أصلًا بأن موقف إيفان ازداد برودًا منذ صدور حكم المحكمة.
ولو فتحت معه موضوع المال بهذا الشكل الثقيل، فلا شكّ أنّ العلاقة ستزداد سوءًا.
“نعم، افعلي كما قال والدكِ يا روزي. نحن عائلة، ومن الطبيعي أن نتكاتف في مثل هذه الأوقات.”
لكن هذا لم يكن مهمًا بالنسبة لزوجي الفيكونت.
فإن لم يُدفع التعويض، فالأعمال الشاقة بانتظارهم، فهل ثَمَّ ما هو أهم؟
بل إنهما كانا يريان أنّهما الخاسران الأكبر.
“هل أعطيه ابنتي، ثم أتحسّب لثلاثة آلاف كرون؟ سيَرِث اللقب مستقبلًا، وعلى ذلك الوغد إيفان أن يدفع أكثر.”
“بالتأكيد. هذا صحيح تمامًا.”
“هاه…”
عضّت روزينا على شفتيها بقهر.
لكنها لم تستطع الاعتراض.
فهي أيضًا لم يكن لديها أي سبيل لتأمين هذا المبلغ الضخم.
‘لم أكن أعلم أنّ منزلنا بلغ هذا الحدّ من الفقر…’
وبالطبع، لم تدرك حتى النهاية أنّ أحد أسباب هذه الكارثة كان إسرافها هي.
طوال ذلك الوقت، كانت تقف أمام إيفان بكل ثقة، مستندةً إلى وجاهة أسرة الفيكونت وثروتها.
وحين تخيّلت أنّ كل ذلك ينهار دفعة واحدة، شعرت بحرارة تسري في وجهها.
أمسكت روزينا رأسها بكلتا يديها وهمست.
‘لماذا تعقّدت الأمور فجأةً إلى هذا الحد؟‘
****
في نهاية المطاف، تولّى إيفان دفع غرامة الثلاثة آلاف كرون كاملة.
وبعد أن انتهت جميع الإجراءات، غادر إيفان المحكمة المركزية وملامح الضيق تكسو وجهه.
تبعته روزينا بخطوات متردّدة.
“إيفان، شكرًا لك حقًا. كنتُ قلقة جدًا، ووجودك طمأنني.”
“…”
لم يُجب إيفان بشيء، واكتفى بالمضيّ قدمًا وشفتيه مطبقتان.
ثلاثة آلاف كاون.
كان قد استخدم أموال الشركة على عجل، لكن كلّما فكّر بالأمر ازداد غيظًا.
‘الناس ينتفعون من أصهارهم… فما الذي جنيتُه أنا؟‘
وبينما كان الغضب يلتهم صدره، كانت روزينا إلى جانبه تتدلّل.
“لا تقلق كثيرًا بشأن المال! والداي سيسدّدانه حتمًا.”
… أجل، بالطبع.
كتم إيفان سخريةً مُرّة.
فقد تحرّى بنفسه عن الوضع المالي لأسرة أوزبورن، ولم يكن جيّدًا على الإطلاق.
ومع ذلك، لم تُقلع العائلة عن إنفاقها المتفاخر.
وكان هذا أحد أسباب تأجيله المتكرّر لدخول منزل الفيكونت.
وفوق ذلك، لم يعد في المنزل خَدَم، فلا بدّ أنّ الفوضى تعمّ المكان.
كلّما فكّر بالأمر، ازداد اختناقًا.
‘آه… لو لم يكن هناك طفل، لكنتُ أنهيتُ كل شيء منذ زمن.’
تنفّس إيفان بعمق مرارًا.
روزينا، التي كانت يومًا محبوبة إلى حدّ لا يُطاق، باتت الآن لا تُحتمل.
‘لكن إن طلبتُ الانفصال، فسيُقيم والداها الدنيا مجددًا.’
فمشكلته الحقيقية لم تكن روزينا، بل والديها.
فهما، على أي حال، عضوان أصيلان في المجتمع النبيل.
وشركاء إيفان في أعماله هم أولئك النبلاء أنفسهم.
وفي مثل هذا الوضع، إن انتشرت إشاعة تقول إنه “جعل آنسة نبيلة حاملاً ثم تخلّى عنها“، فسينتهي كل شيء بالنسبة له.
‘كان عليّ أن أتشبّث بسيسيليا آنذاك مهما كان الثمن. بلا أصهار مزعجين، وبلقب كونت يكون لي.’
لكن ما جدوى الندم الآن؟
فحقيقة أنّ خياره الوحيد هو روزينا جعلت صدره يضيق أكثر.
توقّف عن السير وأطلق زفرة عميقة.
“إيفان، ما بك؟ ها؟ هل تشعر بتعب؟ هل نذهب إلى منزلنا ونتناول العشاء؟“
اقتربت روزينا منه دون أن تدرك ما يجول في صدره.
ومع كل اقتراب منها، ازدادت ملامح إيفان تصلّبًا.
****
“حسنًا، اصطفّوا. في صفّ.”
حديقة دوقية هايز.
كانت ويندي تُسلّم خَدَم أسرة الفيكونت أوزبورن، المصطفّين في خطّ واحد، أظرفة رسائل واحدًا تلو الآخر.
وكان داخل كل ظرف خطاب توصية كتبه راينر بنفسه.
يتضمّن ضمان خبراتهم ومكانتهم باسم دوق هايز.
وما إن قرأ الخَدَم محتواه، حتى ارتسمت على وجوههم ملامح الارتياح والفرح.
“بهذا، لن تكون هناك أي مشكلة في العمل القادم! سنختار أي مكان نريده.”
“يا إلهي، توصية من دوق هايز! يا له من حظّ!”
“كان تحمّل ذلك الجحيم المسمّى أوزبورن أمرًا يستحق.”
كان الجميع في غاية الحماس.
حتى من كانوا متشكّكين في البداية، صُدموا حين تأكّدوا أنّ الخطاب كُتب فعلًا باسم راينر.
شدّت إحدى الخادمات الظرف إلى صدرها وسألت.
“ويندي، كيف علم الدوق بأمرنا وساعدنا؟“
“أمم… هذا…”
حكّت ويندي خدّها بتوتّر.
فحتى هي لم تصدّق الأمر حين أخبرتها سيسيليا أول مرة.
‘الدوق هايز سيساعدنا؟ حقًا؟‘
فمعظم النبلاء الذين عرفتهم ويندي لم يعاملوا الخَدَم كبشر.
وحتى حين يكون الخادم هو الضحية، كانوا ينهون الأمر بطرده كرهًا للإزعاج.
وأولئك الذين كانت معيشتهم مرهونة بالعمل، لم يكن بمقدورهم قول أي شيء.
ومع ذلك، ها هو دوق عظيم يضمن مكانتهم وخبراتهم دون أي مقابل.
راينر، النبيل العظيم؟
بدت صورته في نظر ويندي كأنها من أساطير قديمة.
‘وفوق ذلك، لبّى طلب آنستي ودعاني أنا أيضًا إلى الدوقية… يبدو أنّ الدوق يُحبّ آنستنا حقًا.’
لم تكن ويندي تعلم، ولو في الحلم، أنّ زواج سيسيليا وراينر كان زواج عقد.
لذا شعرت فقط بالفخر.
في تلك الأثناء، شدّت الخادمة التي نفد صبرها من صمت ويندي ذراعها برفق.
“أنتِ تعرفين شيئًا، أليس كذلك؟ هيا، أخبرينا.”
“أمم…”
لكن لم يكن بوسعها أن تخبر الخَدَم بأن سيسيليا هي من تحرّكت لأجلهم.
فهوية سيسيليا ما زالت سرًّا تامًا.
رفعت ويندي كتفيها وتداركت الأمر قائلة.
“ليس الأمر كذلك. خالتي تعمل هنا، فسمع الدوق القصة وساعدنا فحسب.”
“ومع ذلك…”
“حسنًا، عليّ أن أنهي أعمال التنظيف الآن، عودوا جميعًا.”
ارتبك الخَدَم من الجواب غير المقنع، لكنهم لم يسألوا أكثر، وغادروا حاملين خطاباتهم.
وحين غادرت آخر خادمة، هرعت ويندي إلى داخل الدوقية.
“آنستي! آه، أقصد سيدتي!”
كانت سيسيليا في غرفتها تُطرّز.
وما إن رأت ويندي، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة.
“هل انتهيتِ من كل شيء؟“
“نعم! الجميع كانوا سعداء للغاية. شكرًا جزيلًا لكِ، سيدتي.”
وانحنت ويندي بعمق نيابةً عن الجميع.
نهضت سيسيليا على الفور وأمسكت بيد ويندي لتنهضها.
“لا داعي لكل هذا. بل أنا من أدين لكم بالكثير.”
“آنستي…”
احمرّت عينا ويندي على الفور.
لم تنسَ سيسيليا الخَدَم الذين عاملوها بلطف في منزل أوزبورن قديمًا.
“أنا سعيدة لأنني استطعتُ ردّ جزء يسير. وأيضًا…”
ابتسمت سيسيليا بابتسامة مازحة.
“كان شعورًا منعشًا أن أوجّه ضربةً لمنزل أوزبورن في هذا الوقت.”
ضحكت ويندي بخفّة ودموعها تترقرق.
لكن سرعان ما خبا وجهها من جديد.
“لكن، سيدتي…”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 15"