5
“ستانلي، هل تعرف مَن هي تلك المرأة التس تُدعى ماريان؟”
“ماريان؟”
التفت ستانلي برأسه نحو سيدة قصر إلمنهارت، التي اقتربت منه.
مَن تكون ماريان …؟
“هنا، امرأةٌ بهذا الطول تقريبًا، ذات شعرٍ أحمرٍ قصير، وعينين خضراوتين، وكانت ترتدي فستانًا ورديًّا اليوم.”
عندما رفعت إينيس يديها لتصف مظهرها، فهم أخيرًا ما تقصده وفتح فمه.
“آه، تقصدين المرأة التي تزور المكتب من حينٍ لآخر.”
من حينٍ لآخر؟
أثقلت كلمة ‘من حينٍ لآخر’ قلبها بثقل. فقبل أن تدرك ذلك، أصبحت المرأة التي تُدعى ماريان تزور قصر إلمنهارت بانتظام.
لاحظ ستانلي وجهها المصدوم، فتحدّث بسرعةٍ وأضاف.
“على حدّ علمي، إنها امرأةٌ تقوم ببعض المهام الجانبية نيابةً عن الدوق. غالبًا ما تنقل أخبارًا لا تُنشَر في الصحف اليومية. قصص النبلاء المخفيّة، أو أحداثٌ تحدث في الأحياء الفقيرة البعيدة عن هنا مثلًا.”
“كيف تعرف تلك المرأة كلّ هذا؟”
“ماريان امرأةٌ من حيٍّ ترفيهيٍّ شهيرٍ بالعاصمة. آه، بالطبع هذا لا يعني أبدًا أن الدوق يتردّد على مثل تلك الأماكن! سيدي الدوق شخصٌ نظيفٌ ودقيقٌ جدًّا في كلّ أموره، وهو يكره تلك الأماكن بشدّة.”
استمرّ ستانلي في الحديث مطوّلًا.
نظر إلى السيدة التي شحب وجهها كأنّها على وشك السقوط، فتابع بقلق.
“أستطيع أن أضمن لكِ أنها ليست علاقةً قد تشكّين فيها مطلقًا.”
“لكن لماذا يحتاج إلى مثل هذه المعلومات؟”
مهما فكّرت، لم تستطع أن تفهم. لماذا يدعو كاليان امرأةً بهذه الجرأة إلى القصر ويتحدّث معها؟ لم تستطع إينيس استيعاب الأم
“في إمبراطورية دلفيوس، المعلومات هي السُّلطة بحدّ ذاتها، سيدتي.”
أجاب ستانلي بصوتٍ منخفض.
“أراهن بكلّ ما أملك أن ماريان لا تزور قصر إلمنهارت وحده.”
تحوّلت نظرة كبير الخدم العجوز إلى نظرةٍ صارمة. لم تكن بحاجةٍ إلى كلّ ممتلكاته، لكنّها فهمت المعنى العام.
أومأت إينيس برأسها بعد لحظة.
“حسنًا، فهمت.”
كانت على وشك الاستدارة، لكنّها توقّفت فجأة.
المعلومات هي السُّلطة.
في هذه اللحظة، لم يكن كاليان وحده مَن يحتاج إلى المعلومات. كانت هي أيضًا بحاجةٍ إلى معلوماتٍ لمراقبة زوجها المُريب، وبحاجةٍ إلى حليفٍ يتحرّك نيابةً عنها.
التفتت إينيس إلى ستانلي مجددًا.
“ستانلي، هل يمكنكَ أن تجد لي شخصًا؟”
***
“رأيتُه بأمّ عينيّ. لقد مات فعلًا.”
“ما سبب الوفاة؟”
“غير معروف. أنا قادمةٌ للتوّ من مركز الشرطة. يبدو أنهم لا يولون اهتمامًا كبيرًا للتحقيق في وفاة رجلٍ عجوزٍ تافهٍ من الأحياء الفقيرة.”
رفعت ماريان ذقنها وأجابت.
نفخت على أظافرها، ثمّ نظرت إلى الدوق الشاب إلمنهارت، الذي كان جالسًا على مكتبه، وعيناه مثبّتتان على الأوراق.
“لماذا تهتمّ بهذا العجوز إلى هذا الحدّ؟”
“لا داعي أن تعرفي إلى هذا الحدّ.”
“إذا لم تخبرني، فلن أخبرك أنا أيضًا.”
“أنتِ تتمادين أكثر فأكثر.”
شعرت ماريان بشجاعةٍ من ردّه الودّي أكثر من المعتاد، فاقتربت من المكتب. جلست على حافته، والتفتت إليه، وقالت.
“دوقة إلمنهارت جميلةٌ جدًّا. تمامًا كما سمعتُ عنها.”
عندما ذكرت زوجته، تصلّب وجه الدوق.
هل لمستُ المكان الخطأ؟
ازداد فضول ماريان فقرّرت أن تختبر أكثر.
“يبدو أنكَ لم تخبرها عني؟ لقد بدت متفاجئة.”
“ولماذا قد أفعل؟”
“عادةً ما تتفاجأ السيدات النبيلات برؤيتي.”
رفع كاليان نظره عن أوراقه. هزّت ماريان كتفيها.
“هل صُدِمت إينيس؟”
“كثيرًا. هل يوجد امرأةٌ لن تُصدَم عندما ترى امرأةً شابّةً جذابةً جدًّا تتردّد على مكتب زوجها؟”
مع إجابتها، ارتخى وجه الدوق الشاب بطريقةٍ غريبة.
بدت عليه سعادةٌ ما، اشتعل غضب ماريان فجأة.
“لكنني أعتقد أن السيدة إلمنهارت كانت أكثر دهشةً من أيّ شخصٍ آخر. لقد منعني زوجها الموثوق به شخصيًا من تحيّتها.”
“ماذا تقصدين؟”
“عادةً عندما أُواجه السيدة، يفزع الزوج ويبدأ بالاعتذار فورًا. ليست ما تظنّينه، أنا فقط أُحاول الحصول على معلومات، لا تسيئي الفهم … هذا وذاك.”
“لا يختلق الأعذار إلّا الأشخاص الفاسدون حقًا.”
بدا كاليان وكأنه فقد اهتمامه، فأعاد نظره إلى الوثائق التي كان يحملها.
انحنت ميريان انحناءة عميقة، فدخلت في مجال رؤيته. قال كاليان بنبرةٍ منزعجة.
“لا تزعجيني وغادري الآن.”
“قدِّمني إلى السيدة. أُريد صديقةً جميلة.”
“لا تتحدّثي هراءً. أقدّمكِ أنتِ إلى إينيس؟”
“أنت لا تعاملني بشكلٍ مختلفٍ كثيرًا عنها. تجاهلها بهذه الطريقة هو نفس الشيء. فلم لا …”
لعن كاليان بصوتٍ خافتٍ ونهض. فزعت ماريان من حركته المفاجئة، واتّسعت عيناها ونظرت إليه.
“كفى يا ماريان.”
نظر إليها كاليان بعينين ذهبيتين غائرتين. مع هذا التعبير الجديد، أغلقت ماريان فمها بهدوء. كانت تعرف أنه شخصٌ بارد وجاف، لكن يبدو أنها أخطأت اليوم في لمسه.
“كنتُ أمزح، سيدي الدوق.”
“اخرجي. لا تأتي حتى أُناديكِ.”
“حسنًا.”
قفزت ماريان من على المكتب بطاعة. أمسكت بحقيبتها واتجهت مباشرةً نحو باب المكتب.
بفضل خبرتها الطويلة، كانت تعرف متى تضرب ومتى تنسحب. والآن كان وقت الانسحاب بالتأكيد.
وبينما كانت تفتح الباب على عجلٍ وتُوشك على المغادرة، دوّى صوتٌ مخيفٌ من خلفها.
“إذا اقتربتِ من إينيس.”
“لن أفعل.”
“ستكونين أنتِ أوّل مَن يموت.”
لم تكن هذه مزحة.
ابتلعت ماريان ريقها بصعوبة، وأمسكت بمقبض الباب.
كان شديد الحساسية في هذا الأمر. أقسمت ألّا تَذكُر زوجته أمام الدوق إلمنهارت مرّةً أخرى، وخرجت إلى الرّدهة.
“إذن وداعًا، سعادة الدوق.”
لم يُجب كاليان.
***
“دوقة إلمنهارت.”
“رايفن!!”
نهضت إينيس من مكانها فور رؤية الشاب الأنيق الذي أحضره ستانلي. استقبلته بابتسامةٍ مشرقة، ومدّت يديها بينما دخل غرفة الاستقبال بخجل.
“كيف حالك؟ لقد مرّ وقتٌ طويلٌ حقًّا!”
“أنا بخير. هل كنتِ بخير، سيدتي؟”
تحدّث رايفن، وهو ينتبه إلى ستانلي الواقف خلفه.
لاحظت إينيس نظرته فأشارت بعينيها، انحنى ستانلي وخرج من غرفة الاستقبال.
“رايفن، الآن نحن وحدنا. لذا توقّف عن استخدام هذا الأسلوب الرسمي!”
“لقد أصبحت نبرتكِ قاسية، سعادتكِ.”
“عندما أراك، أتذكّر الأيّام القديمة.”
ضحك رايفن بخفّةٍ وهزّ رأسه.
“ماذا لو سمع أحد؟”
“سيظنّ أنّ الدوقة سعيدةٌ جدًّا بلقاء صديقٍ قديم، أليس كذلك؟”
أمالت إينيس رأسها قليلًا، ونظرت إلى صديق طفولتها.
كان رايفن صديق طفولتها، وُلِد ونشأ في الحي نفسه. كان أقصر منها بكثيرٍ في الصغر، لكنّه الآن نما فجأةً وأصبح شابًّا وسيمًا.
شعرت بدغدغةٍ خفيفةٍ في صدرها، فمدّت يدها مازحةً وعبثت بشعره البنّي، ورفع رأسه ضاحكًا.
“الآن، أصبحتِ لا تستطيعيت الوصول إليّ حتى.”
“هل تتباهى لأن طولكَ زاد قليلًا؟”
“توقفي عن ذلك، إينيس. قد تؤذين نفسكِ.”
“حسنًا. كفى مزاحًا، تعال اجلس هنا، رايفن!”
جلس رايفن على الأريكة مع إينيس، ونظر إليها بعينين مندهشتين. لقد أصبحت صديقته القديمة الآن سيدةً نبيلةً في عائلة إلمنهارت.
وسط شعوره بالفخر كصديق، امتلأ فمه بشعورٍ مختلطٍ من الحزن والفرح. شعر وكأن نهرًا شاسعًا لا يمكن عبوره قد فصل بينهما.
“تبدين أفضل من ذي قبل.”
“شكرًا لك.”
“هذا جيد. لكن لماذا دعوتِني فجأة؟ أنا متأكّدٌ أنكِ لم تكوني تشعرين بالملل فحسب، أليس كذلك؟”
“آه، هذا …”
“انتظري لحظة.”
قبل أن تُكمِل، مدّ رايفن يده. حرّك أصابعه بعنايةٍ ليزيل خيطًا عالقًا في شعرها.
“لا تزالين فوضويّةً كما أنتِ.”
“لابدّ أنه عَلِق عندما عندما ارتديتُ ملابسي قبل قليل. إنها ملابسٌ جديدة، لهذا السبب.”
شعرت إينيس ببعض التأثّر، فتحدّثت بصوتٍ حزين.
لطالما اعتنى بها رايفن كأخٍ أكبر. وسط تعقيدات ومشاكل عمل زوجها ومستقبلها، جعلها لقاء صديقٍ قديمٍ تشعر بليونةٍ في قلبها.
أرادت أن تخبره بكلّ شيء، وأن يبحثا معًا عن حلّ.
“لماذا تبدين حزينةً هكذا فجأة؟”
لاحظ رايفن أن تعابير وجهها قد أصبحت حزينةً فجأة، فتحدّث بجدّية.
لم يستطع أن يضع يده الممدودة على يدها أو حتى أن يربّت عليها علنًا، فظلّت يده في الهواء دون وعي.
“ما الذي تفعلانه …”
كانت على وشك الردّ بابتسامةٍ ضعيفة، عندما انفتح باب غرفة الاستقبال فجأةً من الخلف.
اتّسعت عينا إينيس عندما رأت الشخص الذي اقتحم الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة.
“… كاليان؟”
“سمعتُ أنّ هناك زائرًا في القصر.”
ارتسمت ابتسامةٌ باردةٌ على وجهه عندما لاحظ إينيس ورايفن يجلسان متقاربين.
“لم أكن أعلم أنه رجل.”
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 5"