3
صعد كاليان، بعد أن انتهى من تناول طعامه للتوّ، إلى الطابق العلوي، مرّر يده بين خصلات شعره وتبدو عليه علاكات التعب.
“هـ… هل انتهيتَ من الطعام بهذه السرعة؟”
سألت إينيس بتردّد، وهي تخفي التقويم الذي وضعته خلف ظهرها.
كان الشعور بالتوتر والخوف ينتابها لأنّهما وحدهما في الغرفة دون ستانلي أو الخادمات.
من الناحية الزمنية، لم يكن من المحتمل أن يؤذيها، لكن مواجهة شخصٍ يُخفي حقيقةً مرعبةً كانت تجعلها تشعر بعدم الارتياح.
“بسبب أحدٍ ما، فقدتُ شهيتي.”
أنا … هل يقصدني أنا؟
وقفت إينيس في مكانها، ترمش بفراغٍ فقط. عبس كاليان وناداها.
“لا تقفي هكذا، تعالي هنا وفكّي لي بعض الأزرار. يبدو أنّ الخيط تشابك، إنه يخنقني.”
“آه، لحظةً من فضلك.”
مدّت إينيس يديها، وأرخت أصابعها لتخفف توترها، ثمّ اقتربت منه.
عندما اقتربت المسافة، انحنى كاليان، الذي كان أطول منها بكثير، ومدّ عنقه نحوها.
ركّزت إينيس نظرها على زرّ القميص الذي اقترب فجأةً أمام عينيها.
في الوقت ذاته، انبعث من جسده رائحة عطرٍ ثقيلةٍ وقويّة، ممزوجةٌ بدفء جسده.
كانت رائحةً آسرةً جدًّا، تمامًا على النقيض من رائحة الدم الخفيفة الباهتة التي تذكّرتها.
شعرت إينيس للحظةٍ أن ذهنها قد تشتّت، فرفعت يدها دون وعي.
تحت القميص الأبيض المكوىّ بإحكام، ظهر عنقٌ طويلٌ ذو عروقٍ بارزة، وحنجرة واضحة المعالم. عندما رأت ذلك، أخذت إينيس نفسًا عميقًا بحذر.
ماذا… ماذا طلب مني أن أفعل؟
“ماذا تفعلين؟”
بينما كانت عيناها ترمشان في حيرة، هبط صوته المنخفض فوق كتفها.
جعلها ذلك الصوت تشعر وكأنّ شعيرات جسدها كلّها انتصبت.
فوجئت إينيس ووضعت يدها فجأةً على مؤخرة عنقه.
“طلبتُمنكِ فقط أن تفكّي الزرّ العلوي للقميص، أنتِ تخنقينني أكثر.”
“آه…! آه! آسفة.”
حرّكت إينيس يدها بسرعةٍ نحو أزرار القميص.
كان خيطٌ بارزٌ من فتحة الزرّ ملتفًّا بشكلٍ معقّدٍ حول الزرّ الصغير.
أمالت رأسها بعنايةٍ وأخرجت الزرّ من الخيط.
وبقليلٍ من القوّة، انفكّ الزر المتشابك. فكّته وأخفت يديها بسرعةٍ خلف ظهرها.
“انتهيت.”
“…..”
بدلًا من الرّد، رفع كاليان يده ومسح منطقة عنقه.
كانت تلك المنطقة الذي لامستها أنفاس إينيس.
قلب عينيه بهدوء، ناظرًا إليها وهي لا تزال واقفةً بالقرب منه.
شعرت إينيس بعدم الراحة فتراجعت خطوةً إلى الوراء وفتحت فمها.
“هل ترغب في الاستحمام؟ لقد أخبرتُ الخادمات مسبقًا بتحضير ماء ساخن.”
“أنتِ؟”
“أنا؟”
كان سؤالًا غير متوقّع.
عندما فتحت إينيس عينيها بدهشة، رفع كاليان يديه وفكّ باقي أزرار القميص وهزّ رأسه.
“… إذا انتهيتِ فابتعدي، هذا ما قصدتُه.”
“آه … نعم.”
ابتعدت إينيس بسرعةٍ عن طريقه وانحنت برأسها. ربّما لأنّها تعرف سرّه، فقد كان ذهنها مشتّتًا منذ فترة.
ظلّت واقفةً في مكانها تسمع صوت كاليان وهو يدخل الحمّام المتصل بغرفة النوم.
هل سيذهب ليقتل أحدهم؟ أم أنّه سيأمر شخصًا آخر بالقيام بذلك؟
كان عقلها مشوّشًا ومرتبكًا، وهي تفكّر في الحقيقة غير المستقرّة.
***
في تلك الليلة، فتحت إينيس عينيها في ظلامٍ دامس.
أدارت نظرها قليلاً، فرأت كاليان يتنفّس بانتظامٍ وهو نائمٌ بعمق.
خفضت نظرها لترى جسده العاري تحت الغطاء، ثمّ أدارت رأسها مذعورة.
“……”
لم تكن علاقتهما الزوجية متكرّرةً جدًّا.
لكن في ليلة عودته من رحلة عملٍ تستمرّ أكثر من أسبوع، كان كاليان دائمًا يمسك بها ويعذّبها لفترةٍ طويلة.
كانت هذه الرحلة أطول من المعتاد، فكان العذاب أطول أيضًا.
تحرّكت إينيس ببطءٍ شديد، وأطلقت تنهيدةً خفيفةً حتّى لا توقظه.
في الأيام العادية، كانت تغفو بعمقٍ بمجرّد أن يتركها، ولا تستيقظ إلّا في ظهيرة اليوم التالي.
لكن اليوم كان مختلفًا.
تمسّكت بوعيها بكلّ قوتها حتى نام كاليان تمامًا.
فكرة أن تكون هذه الليلة أوّل جريمة قتل جعلت النوم مستحيلاً.
‘هو نائم حقًّا، أليس كذلك؟’
أدارت إينيس رأسها ببطءٍ ونظرت إلى كاليان، الذي لا يزال نائمًا بعمق. كان من الصعب حقًا تصديق كيف يمكنه ارتكاب جريمة قتلٍ بوجهٍ ملائكيٍّ كهذا.
استدارت إينيس مرّةً أخرى وجلست ببطء.
حسنًا، ماذا أفعل الآن؟
في مكتب الطابق الثالث بقصر إلمنهاردت، إذا تم دفع رفّ الكتب الخلفي، سيظهر مكانٌ سرّي.
كان ذلك هو المكان الذي وجدت فيه دليلًا على أنّ زوجها قاتلٌ متسلسل، وكذلك نوعٌ من المقرّ السرّي الذي يخطّط فيه لجرائمه بهدوء.
قبل عودة كاليان من الرحلة، تسلّلتُ إلى هناك عدّة مرّاتٍ سرًّا، لكن لم يكن هناك شيءٌ بعد.
ربما بدأ التخطيط الجدي للقتل بعد عودته من إيرينبيرت.
لذلك، إذا ذهبتُ الآن، قد أجد شيئًا.
‘إذا وجدتُ دليلًا على خططه الإجرامية هناك، وأخذتُه إلى مركز الشرطة، فهل سأتمكّن من منع سلسلة جرائم القتل؟’
من المرجّح جدًّا أن يحدث ذلك.
لو حدث ذلك، لتمكّنتُ من إيقاف سلسلة جرائم القتل التي أرعبت شعب إمبراطورية دلفيس، وفي النهاية، لتمكّنتُمن النجاة من الموت
‘…لكن ماذا بعد ذلك؟’
ماذا سيحدث لي، أنا زوجته، إذا عُرف أنّ دوق إلمنهارت يخطّط لجرائم قتلٍ مروّعة؟ هل سأُبرَّأُ من التُّهمة بالتبعية؟ هل سأتمكّن من تجنّب الإدانة العامّة ولوم الناس؟
ظلّت المخاوف تُقلقها.
“هاا…”
مهما فكّرت، لم يخطر ببالها سوى أسوأ الاحتمالات.
لكن حتى لو كان الأمر كذلك، فإن رؤية شيءٍ ما بعينيها ستجعل قلبها يرتاح قليلًا.
حسنًا، هيا بنا.
عزمت إينيس، ثم استدارت بهدوءٍ ووضعت قدمها تحت السرير. تحرّكت ببطءٍ شديدٍ حتى خرجت تمامًا من السرير، ثمّ بدأت تسير نحو الباب ببطء.
ارتدت نعالًا ناعمةً فلم تُصدِر صوتًا عاليًا، لكنّ المبنى القديم جعل صرير الأرضية الخفيف يبدو اليوم عاليًا بشكلٍ غريب.
“……”
بعد محاولاتٍ حذرة، وصلت أخيرًا إلى الباب بسلامٍ ومدّت يدها نحو المقبض.
وبينما كانت على وشك فتحه، سمعت صوت اللحاف يتحرّك خلفها، ثم صوت خطوةٍ ثقيلة، فانقلبت رؤيتها رأسًا على عقب.
انحسرت الأرض فجأة تحتها، وارتفعت ساقاها فجأة.
“… آه!”
عندما استعادت وعيها، وجدت نفسها محتضنةً في أحضان كاليان الحارّة.
متى … وصلَ إلى هنا؟
“إلى أين كنتِ ذاهبة؟”
سَمِعت صوت كاليان الخافت من فوق رأسها، كما لو أنه استيقظ للتوّ. حاولت إينيس تهدئة قلبها، الذي يخفق بشدّةٍ من الذعر، ثمّ فتحت فمها.
“هل استيقظت؟ أنا آسفة.”
“إلى أين كنتِ ذاهبة؟”
“استيقظتُ للحظة. شعرتُ بالعطش.”
لا تزال محتضنةً بين ذراعيه، لهثت إينيس للالتقاط أنفاسها.
كان هناك بالتأكيد شيءٌ في ذلك المكان السرّي داخل المكتب. لهذا السبب يتفاعل بهذه الحساسية عندما أحاول الذهاب إلى مكانٍ ما في منتصف الليل.
حملها كاليان دون كلام وعاد بها إلى السرير الواسع.
ذهبت كلّ تلك اللحظات الطويلة، التي تحرّكت فيها بحذرٍ حتى لا توقظه، سُدًى في ثوانٍ.
رمشت، وشعرت بشيءٍ من الاستياء، عندما عاد صوت كاليان المكتوم.
“لقد استيقظتُ.”
“آه، لم أقصد إيقاظك …”
لم تستطع إكمال جملتها.
رفع كاليان يده الكبيرة، أمسك ذقنها وأدار وجهها، ثمّ عضّ شفتيها مباشرة.
أغمضت إينيس عينيها بقوّةٍ وهي تشعر بشفتيه تقتحمان فمها دون هوادة.
شعرت بدوارٍ شديدٍ كأنّ كلّ الخطط المُحكمة التي وضعتها بعناية قبل لحظاتٍ تتلاشى.
كانت الليلة قد بدأت من جديد.
***
في اليوم التالي، استيقظت إينيس متأخّرةً في فترة ما بعد الظهر، ونظرت إلى جسدها بوجهٍ متجهّم.
كان المكان بجانبها فارغًا، ولا تزال آثار الليلة الماضية باديةً على جسدها. تبدّدت خطّتها الطموحة بعدم النوم أبدًا ومراقبته منذ زمن.
‘في النهاية نمتُ قبل أن أتمكّن من مراقبته …’
تنهّدت إينيس ونهضت من السرير.
فتحت الرداء المطوي بعنايةٍ، والذي لابد أن كاليان قد تركه على السرير، ارتدته وربطت حزامه وهي تفتح الباب.
كانت على وشك استدعاء إيمي، الخادمة التي تساعدها عادةً، عندما لمحت مجموعةً من الخادمات في نهاية الممرّ يتهامسون بوجوهٍ جادّة.
شعرت إينيس بشعورٍ غريبٍ يُنذر بالسوء، ففتحت فمها.
“ما الذي يحدث هناك؟”
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 3"