✿ الفصل 96 ✿
‘متى بدأتُ أحبه؟’
‘أكان ذلك حين كدتُ أسقط من الشجرة فتلقّفني؟ يومها كُسرت ذراع كول.’
‘أم عندما أنقذني من أفعى كدتُ أُلدغ بسببها؟ وانتهى الأمر به هو من يُلدغ ويتألّم؟‘
‘في كل مرة أتعرض فيها للخطر، كان كول يظهر كالسحر لينقذني… مع أنه يبدو وكأنه لا يتذكر شيئًا من ذلك.’
الفارس العامي كول الذي يعاملني دائمًا بكل تهذيب واحترام رغم أنني ابنة كونت.
كنتُ أعرف جيدًا كم يكون حذرًا معي، ولذلك لم أجرؤ قط على إظهار مشاعري.
لأنني أعلم أنني في اللحظة التي أبوح فيها، لن أفقد فقط تلك الزمالة التي تجمعنا في خدمة الأميرة، بل سأبتعد عنه أكثر.
كتمت آني مرارة قلبها وأغمضت عينيها مجددًا.
‘هل يُسمح بتمنّي أمنية واحدة فقط؟ ألا يمكنكِ أن تستجيبي لواحدة إضافية؟‘
‘أرجوكِ… حتى لو أدرك كول مشاعري، لا تدعيه يبتعد عني.’
في تلك الأثناء، فتح كول عينيه ببطء ونظر إلى آني الجالسة بجانبه.
كانت تعقد حاجبيها غارقة في تمني أمنيتها بكل جدية.
‘هي التي تحب الأميرة أكثر من أي شخص… لا بد أنها تتمنى شيئًا يخصّ الأميرة.’
‘على عكس أمنيةٍ تخصّني أنا.’
كان قد سمع بالصدفة ما قاله هارت للأميرة، ولذلك كان يعرف خرافة هذه الأرجوحة الزهرية.
لكن… لماذا أرسلتنا الأميرة إلى هنا؟
‘هل لاحظت أنني كنت أختلس النظر إلى الوصيفة؟ حاولتُ جاهدًا ألا أُظهر ذلك… هل انكشف أمري أمام الأميرة؟’
‘لكن لا ينبغي للوصيفة أن تعلم أبدًا.’
كانت بالنسبة له شخصًا لا يحقّ لعامي مثله أن يطمع فيها.
وكان يخشى أن تعرف بمشاعره فتبتعد عنه.
في تلك اللحظة، ارتفعت جفونها ببطء والتقت عيناه بعينيها القرمزيتين.
“لماذا…؟“
“هل ننهض؟“
سألها كول بابتسامة هادئة.
“آه، نعم.”
ما إن نهض الاثنان حتى حيّاهما منظّم الفعالية بحيوية:
“لتقُم السعادة في قلبكما.”
“لتقُم السعادة في قلبك.”
بادلا التحية التي تعلّماها في السوق الليلي، ثم غادرا المكان.
* * *
راقبت داليا ابتعادهما حتى اختفيا تمامًا، ثم أطلقت زفرة ارتياح طويلة.
“لقد ذهبا. هل نعود نحن أيضًا؟“
ابتعدت قليلًا عن الإمبراطور وخفضت بصرها بارتباك.
لأنهما كانا متقاربين جدًا كي لا يُكشف أمرهما، صار من الصعب عليها أن تنظر إليه مباشرة من شدة الخجل.
مدّ يده بصمت.
وضعت داليا يدها فوق يده بعفوية.
أدخل أصابعه بين أصابعها وشبك يده بيدها.
ارتبكت داليا من ذلك القرب الحميم ورفعت رأسها. التقت عيناها بنظرته الحارّة.
“…لماذا تنظر إليّ هكذا؟“
“لأنني أريد أن أنظر. هل هذا ممنوع؟“
“لا، ليس ممنوعًا… لكن لا يوجد من يرانا الآن، فلماذا تقول مثل هذا الكلام دائمًا…”
همست بخجل وهي تتجنب النظر إليه.
ابتسم الإمبراطور لها وكأن منظرها يروق له ثم قادها إلى الأمام.
تبعتْه داليا ورأسها منكس وكان صوت خفقان قلبها اليوم أعلى من المعتاد.
“مرحبًا بكم.”
رفعت داليا رأسها عند التحية المفاجئة، فتوسّعت عيناها عندما رأت الأرجوحة الزهرية أمامها مباشرة.
‘متى وصلنا إلى هنا؟’
“لماذا جئنا إلى هنا؟“
“بدا لي أنك تريدين الجلوس.”
“أنا؟“
“إذًا من غيرك هنا؟“
“أليس الشخص الذي أحضرنا هو من يريد الجلوس؟“
ضيّقت داليا عينيها ونظرت إليه بريبة لكنه تظاهر بعدم السماع ونظر إلى منظّم الفعالية.
فابتسم المنظّم بلطف وقال:
“يبدو أنكما لا تحتاجان إلى الأرجوحة الزهرية. أليست بينكما علاقة بالفعل؟“
“لا—”
“ملاحظة موفّقة.”
أثنى الإمبراطور على المنظّم ثم قاد داليا وجلسا جنبًا إلى جنب على الأرجوحة.
نظرت إليه داليا بوجه مذهول ثم همست بصوت خافت وهي تراقب من حولها:
“لقد أخبرتك بخرافة هذه الأرجوحة.”
“ولهذا جلستُ.”
“لا، أعني— نحن لا ينبغي لنا أن نجلس—”
وفي تلك اللحظة، اندفعت نافورة الماء خلفهما بقوة.
شـرررش—!
أحاط الإمبراطور بها بسرعة.
التجأت داليا إلى حضنه الدافئ وقد ارتسمت على وجهها ملامح الفزع وهي تتفادى الماء وخفق قلبها بعنف من جديد.
‘كم مرةٍ سأقع بين ذراعيه هكذا؟’
‘على أي حال… كلها كانت ظروفًا قهرية، أليس كذلك؟’
وبعد أن أنهت تبريرها لنفسها أومأت برأسها الصغير كأنها تؤكد ذلك.
لم تبتل تمامًا بفضله، لكن لم يكن بالإمكان تفادي كل الرذاذ.
سالت قطرة ماء من غرتها وانحدرت على خدها ببطء.
صفّق منظّم الفعالية القريب منهما بحماس.
“واو! مبارك لكما الحظ السعيد!”
اقترب منهما مبتسمًا على اتساعه وقدّم لهما منشفة.
“الحظ؟“
سألت داليا وهي تتسلّم المنشفة.
“يُقال إن الأزواج الذين تصيبهم مياه النافورة يعيشون معًا بسعادة مدى الحياة.”
“آه… مدى الحياة…”
حرّكت داليا عينيها ونظرت خلسة إلى الإمبراطور الواقف بجانبها.
لكن ملامحه كانت مكسوّة ببرودة غريبة.
‘هل أزعجه قوله مدى الحياة؟’
‘بعد كل شيء، هو من اقترح أن تكون مدة الزواج ثلاثة أشهر فقط.’
وبشكل غريب، خفّ خفقان قلبها الصاخب فجأة وتحول إلى وخز مؤلم.
‘كان يجب ألا نجلس على الأرجوحة. فنحن أصلًا لن نصبح ثنائيًا حقيقيًا.’
نهض الإمبراطور أولًا بعد أن مسح وجهه بالمنشفة.
كانت ثيابه مبتلة بشدة وراحت المياه تقطر منها بلا توقف مكوّنة بركًا صغيرة على الأرض.
مدّت داليا يدها لتعطيه منشفتها، لكنها تجمّدت في مكانها.
‘ما… هذا؟’
اتّسعت عيناها بذهول، وراحت تحدّق في ظهره.
كان قميصه الأبيض مبللًا فشفّ عن جلده بوضوح.
كانت تعلم أنه يجب أن تصرف نظرها فورًا، لكنها لم تستطع.
كان هناك نقش أسود يغطي معظم ظهره.
بدا مقلقًا على نحو غامض.
نهضت داليا واقتربت منه ببطء.
‘ما هذا النقش؟’
‘يبدو معقّدًا… لكن أطرافه الممتدة للخارج تشبه الأجنحة.’
لم يكن من المعقول أن يحمل الإمبراطور وشمًا على جسده…
في تلك اللحظة، استدار نحوها بعدما كان ينفض شعره.
“ليا؟“
ما إن التقت عيناه بنظرتها القلقة، حتى أدرك الوضع فورًا.
تصلّبت ملامحه، وسارع إلى تغطية ظهره بالمنشفة.
“جين، ظهرك—”
“داليا.”
كانت على وشك سؤاله عن النقش، لكن صوته البارد قاطعها.
لم يكن سوى أن ناداها باسمها الحقيقي، ومع ذلك اندفع شيء حادّ من أعماق صدرها كأنه يطفح فجأة.
شعرت وكأن اللحظات الحالمة التي عاشتها ستتلاشى أمام عينيها فتقدّمت نحوه خطوة دون وعي.
لكن بقدر ما اقتربت، تراجع هو خطوة إلى الخلف.
أنزلت داليا بصرها بارتباك وقاست المسافة بينهما.
كان الأمر كما لو أن خطًا غير مرئي قد رُسم بينهما، خط لا يجوز لها تجاوزه.
تحوّل الوخز الذي شعرت به منذ قليل إلى ألم حقيقي في قلبها.
‘إنها مجرد خطوة واحدة… فلماذا يؤلمني الأمر إلى هذا الحد؟’
ارتعشت عيناها البنفسجيتان وهي تنظر إليه.
تحرّكت شفاهها لتتكلّم، لكنها انغلقت من جديد تحت وطأة نظرته الباردة.
كان وجهه الحاسم يقول بوضوح: لا تسألي شيئًا.
بدا وكأنه عاد إلى ذلك الإمبراطور الذي كان ينفر من النساء.
“لنعد الآن.”
“…نعم.”
أومأت داليا برأسها ببطء.
كان وقت الاستيقاظ من الحلم السعيد قد حان.
* * *
“لم يكن ينبغي أن أفعل ذلك.”
وصلها صوت مألوف.
كان صوت الإمبراطور، لكنه بدا حزينًا على نحو غريب.
“مولاي…”
والصوت الثاني لم يكن غريبًا أيضًا.
كان قائد الحرس إيثان.
“لم يكن ينبغي لي أن أقع في الحب.”
هوى قلب داليا إلى قاع صدرها.
‘الإمبراطور… أحبّ شخصًا ما؟’
‘حتى لو كان حلمًا، هل يجوز لي أن أسمع سرًا كهذا؟’
أرادت أن تسدّ أذنيها لكن كعادتها في الأحلام، لم تستطع التحرّك.
رأت وجه الإمبراطور بين أوراق الشجر.
‘لماذا يبدو حزينًا وهو واقع في الحب؟’
‘ولماذا لا ينبغي له أن يحب؟’
وفي تلك اللحظة—
“الشخص الذي كنت بانتظاره قد وصل.”
لمحت بين أوراق الشجر بريق شعر أشقر لامع.
‘هل هذا هو الشخص الذي يحبه الإمبراطور؟’
‘آه… هل حزنه لأنني متزوجة منه بالفعل؟’
* * *
فتحت داليا عينيها ببطء وقد غمرها شعور مرير.
أول ما وقع عليه نظرها كان عينا آني المليئتين بالقلق.
شعرت بوسادة ناعمة تحت رأسها.
‘آه، صحيح… كنتُ أحتسي الشاي مع آني.’
حاولت أن تبتسم وهي ترفع رأسها، لكن آني قدّمت لها منديلًا.
“مولاتي.”
تناولت داليا المنديل بلا تفكير وشعرت في تلك اللحظة بدمعة تنحدر على خدها.
‘إذًا… كنتُ أبكي.’
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 96"