تقدّمت الملكة كاميلا نحو بوسايدون ولي عهد إمبراطورية كيزيا.
كانت طويلة القامة إلى حد جعلها تقف على مستوى نظرٍ قريب منه رغم طوله الفارع.
راقب نبلاء الإمبراطورية وضيوف الدول الأخرى مواجهة الاثنين.
قال ولي العهد مبتسمًا ابتسامةً مُتكلَّفة توحي بأنه تلقّى ضربة كلامية:
“لم أكن أعلم أن جلالتكِ ستتشرفين بالحضور، ايتهل الملكة كاميلا.”
نظرت إليه بعينين باردتين.
فقد كان لهيبتها بصفتها فارسة سابقة وقعٌ حاد.
قالت بنبرة حاسمة:
“اتساءل يا صاحب السمو ولي العهد إن كنت ستصدق الأمر إن تولَّيتُ أنا ملكة مملكة فويفرن إثباته بنفسي.”
“إن كانت جلالتكِ تقولين ذلك…”
تراجع ولي العهد خطوة إلى الوراء وعلى وجهه غصة.
كان ينوي التضييق على الأميرة لخفض الرسوم الجمركية، فإذا به يصطدم بما لم يتوقعه.
نظرت الملكة كاميلا بصرامة إلى الحاضرين الذين كانوا يصغون بفضول، ثم مدّت يدها إلى الجانب
فأقبل عليها ليون وناوَلها ورقة.
قالت بصوت مسموع:
“يبدو أن ليس فقط ولي عهد إمبراطورية كيزيا، بل نبلاء إمبراطورية لووسيفون أيضًا قد وقعوا في سوء فهم ما. إن مملكة فويفرن تبارك زواج الأميرة داليا من صميم القلب، غير أنّ هذا الزواج لا يعني أبدًا خضوع فويفرن لإمبراطورية لووسيفون. هذه وثيقة رسمية كتبها جلالة ملك فويفرن، أقدّمها لجلالتك يا صاحب الجلالة الإمبراطور.”
وقع نظر الملكة على الإمبراطور غراي الذي كان يتقدّم نحوهم. فقد كانت قد اجتمعت به على انفراد قبل حضورها إلى قاعة الاحتفال.
قال الإمبراطور:
“لقد تواصل معي جلالة ملك فويفرن مسبقًا، وقد قررت لووسيفون الامتثال تمامًا لرغبته.”
سألته الملكة بحدّةٍ مريبة:
“ولِمَ ذلك؟“
“لقد سمعتُ أنّ جلالتكِ مطّلعة على معنى هذا الزواج.”
“… نعم.”
لقد سمعت من زوجها شيئًا لا يكاد يُصدَّق.
قال الامبراطور:
“هذا الزواج يقوم على تضحية الأميرة داليا. وليس من اللائق أن أطلب أكثر من ذلك.”
ومع ذلك ظلّ الارتياب في عيني الملكة.
فأضاف الإمبراطور:
“الأميرة داليا أخبرتني أنها تثق بأخيها وأنه ليس عليّ مساعدتها. لكن اتباع رأي مملكة فويفرن كما هو لا أرى فيه بأسًا. ما رأيكِ الآن؟ هل يمكن لجلالتكِ أن تثقي بنا؟“
حين سمعت صدق حديثه، ظهر الارتياح أخيرًا على ملامح الملكة كاميلا.
“مرّ وقت طويل يا مولاي الإمبراطور.”
“مباركٌ الزواج يا جلالة الملكة.” [ يبارك لزواجها الي من زمن طويل ]
وتصرّفا كما لو أنهما يلتقيان لأول مرة في الحفل، وفق ما اتفقا عليه مسبقًا.
ابتسم الإمبراطور ابتسامة هادئة وهو يتسلّم الوثيقة من يدها.
قرأها بتمهّل، ثم رفع نظره إليها قائلًا بنبرة فيها شيء من العتاب اللطيف:
“تُسلَّم الوثائق الرسمية بطريقة جديدة اليوم فيما يبدو.”
فأجابته بابتسامة واسعة:
“في يوم كهذا حيث يجتمع الكثير من الناس، رأيتُ أن من الأفضل تقديمها علنًا كي لا يُثار أي لغط.”
قال الإمبراطور وهو يوجز مضمون الوثيقة:
“بحسب ما ورد هنا، فلن تمكن لإمبراطورية لوسيفون الحصول على الكريستال والنبيذ من فويفرن دون موافقة الأسرة المالكة. يبدو وكأنكم ستقلّلون التصدير وتضيّقون منافذه. هل هذا صحيح؟“
ساد الذهول أوساط النبلاء.
فالكريستال ونبيذ فويفرن من الكماليات التي لا تمس العامة، لكن بالنسبة للنبلاء فكانا ضروريين.
كانوا يظنون أن الزواج بينهم سيجعل الحصول عليهما أسهل، فإذا بالأمر ينقلب رأسًا على عقب.
قالت الملكة:
“نعم، هذا صحيح. كنا نصدر بحرية سابقًا، أما الآن فسيُعاد تنظيم الكميات. لكن سيبقى التصدير حرًّا كما كان لإمبراطورية كيزيا والإمبراطورية المقدسة هالين. أترى أن هذا كافٍ لإثبات موقف مملكتنا يا صاحب السمو ولي عهد بوسايدون؟“
تحولت نظراتها الحادة إلى ولي العهد. وكانت رسالتها واضحة:
لقد قرّرت المملكة أن تتخلى عن منافع هذا الزواج وتبتعد عن لوسيفون.
ازداد ضيق نبلاء لوسيفون، وتوجهت أنظارهم القَلِقة إلى الإمبراطور.
كانوا يرجون أن يغضب ويستخدم الزواج كورقة ضغط على فويفرن.
ولكنه قال ببساطة:
“نقبل بالأمر. يبدو أن كريستال ونبيذ فويفرن سيغدوان أغلى في المستقبل.”
نظر إليه النبلاء بذهول.
فهذا الإمبراطور الذي لم يكن يتحرك إلا لمصلحته البحتة، يقبل بسهولة غير معهودة.
أسرع من كان يحمل كأسًا من نبيذ فويفرن إلى شربها دفعة واحدة؛ فربما لن يرَوها ثانيةً بعد اليوم.
والنساء راحت تحدِّق بمن ترتدي حُليًّا من الكريستال بغيرة، بينما رفعت من تمتلك تلك الحليّ رأسها فخرًا.
وتوجّهت نظرات أخرى لائمة نحو الأميرة وكأنها السبب في كل ما حدث.
رأت الملكة كاميلا ذلك فأرسلت ابتسامة ساخرة.
ثم قالت:
“بالطبع، المناجم وحدائق العنب التي تملكها الأميرة داليا مستثناة.” [ ترا النبيذ من العنب *لاحد يجربه بالبيت ]
كان هذا يعني أن من يرضي الأميرة يمكنه الحصول بسهولة على الكريستال والنبيذ.
وغمرت البِشر وجوه النبلاء وسرعان ما تحولت أنظارهم جميعًا نحو الأميرة بحرارة.
قال الإمبراطور مبتسمًا بدعابة:
“يبدو أنكِ ستنالين اهتمامًا أكبر بعد الآن.”
أومأت داليا بذهول، فما حدث كان أسرع مما تستطيع استيعابه.
كان وصول الملكة وإعلان موقف المملكة وكل ما جرى… مفاجئًا للغاية.
قالت داليا:
“مولاي، هل لي بأن أتحدث مع جلالتها على انفراد؟“
“طبعًا.”
قال أوريون الذي كان خلف الإمبراطور:
“سأرافقكن.”
وقادهن إلى غرفة استراحة مريحة.
أغلق الباب بعد أن ودّعهن بابتسامة مازحة:
“أتمنى لكن وقتًا طيبًا.”
وحدهن الآن، نظرت داليا إلى الملكة بفرح عارم.
“جلالتكِ! كيف جئتِ إلى هنا؟ لم أتوقع قدومكِ أبدًا.”
ابتسمت الملكة كاميلا بحنان وقالت:
“داليا… تبدين جميلة اليوم أيضًا.”
“شكرًا لكِ… وشكرًا لقدومكِ أيضًا.”
ضغطت داليا على صدرها المتأثر.
فمثل هذا الاحتفال الرسمي كان من الطبيعي أن يحضره كبار شخصيات مملكة فويفرن لتهنئتها.
لذلك بدا حضور كاميلا مفاجأة لم تتوقعها حتى في أحلامها.
قالت الملكة بلطف:
“كان جلالة الملك يرغب في الحضور بنفسه، لكنه شديد الانشغال، فجئتُ نيابة عنه لأقدم التهنئة.”
انخفض رأس داليا وهي تهمس بصوت مخنوق:
“… أنا آسفة.”
كانت تعرف أن انشغال أخيها سببه هي نفسها، وأنه الآن يبذل كل ما بوسعه لاحتواء ضغط الإمبراطوريتين.
أمسكت كاميلا بيدها برفق وقالت:
“ارفعي رأسكِ يا أميرة. ليست هناك أي ذريعة للاعتذار.”
تمتمت داليا بحزن:
“لكن جلالة الملك يعاني بسببي… وأشعر بأنني أرهقت جلالتكِ أيضًا.”
ردّت الملكة بابتسامة ثابتة:
“جلالته يعرف كيف يتصرف. ثم إنكِ تعلمين أنه قادر على المخاطرة بحياته من أجلكِ، أليس كذلك؟“
رفعت داليا وجهها وقد ترقرقت الدموع في عينيها.
كان قد مضى زمن طويل منذ أن ناداها أحد بـ“الأميرة“.
صحيح أن كاميلا أصبحت ملكة الآن، لكنها في الأصل كانت فارستها الشخصية… وكانت أيضًا المشرفة المباشرة على كول.
قالت داليا محاولة التخفيف من ثقل الأجواء:
“جلالتكِ… لم تعودي مسموحًا لكِ بالمخاطرة بحياتكِ بعد الآن.”
ضحكت كاميلا قليلًا ثم أمسكت منديلًا وبدأت تربّت بلطف على دموع داليا.
وقالت بنبرة مازحة تحمل صدقًا دافئًا:
“بالنسبة لي… داليا وابنتي روز هما أثمن من حياتي نفسها. أما جلالته، فهو في المرتبة الثانية. آه، وهذا سر… لا تخبريه.”
انفجرت داليا بضحكة خفيفة رغم دموعها، ولم تستطع منع ابتسامة امتدت على وجهها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 91"