“من العجيب أصلًا أن تكون هناك حديقة لا يدخلها إلا الإمبراطور والإمبراطورة.”
“هذا صحيح.”
ثم وضع الإمبراطور الوثائق على الطاولة وسأل بجدية:
“أخبريني عن الأعراض التي ذكرتِها سابقًا. قلتِ إنها خفّت؟“
بان القلق في صوته، فتكلمت داليا بمرحٍ متعمد:
“نعم. والغريب أنها خفّت بعد أن أخبرتُ مولاي عن نهاية العالم. تُرى، هل يزول عرَضي كلما أفشيتُ سرًا؟“
نظر إليها بنظرة تشي بعدم اقتناعه، فضحكت ببساطة.
مهما يكن السبب، فكونها تتحسن أمرٌ جيد.
رفعت داليا بصرها إلى ليمون الذي كان جالسًا على غصن شجرة ينظف ريشه.
كان هناك سرٌّ آخر فوقها.
تبع الإمبراطور نظرتها إلى السماء.
“تكثرين من النظر إلى الأعلى.”
“وبما أننا نتحدث عن الأسرار…”
“وهل هناك المزيد منها؟ لستُ متفاجئًا.”
“آه، إذًا لستَ متفاجئًا— لا، لحظة، هل هذا تلميح ساخر آخر؟“
بدّلت كلامها بسرعة حين التقت نظراته المبتسمة بنظراتها.
“أصبحتِ أكثر فطنة.”
“أنا فطِنة منذ البداية!”
“حسنًا، الثقة بالنفس عادة جيدة. فلنعد إلى الموضوع—ما السر هذه المرة؟“
بدأت الحديث وكأنها تقول إنها ستتجاوز الأمر هذه المرة فقط:
“تذكر ليمون الذي أخبرتُك عنه سابقًا؟ في الحقيقة، ليمون طائر.”
“لم أسمع بطائر يُدعى ليمون.”
“ليمون اسم دلال، أما اسمه الحقيقي فهو ليموناردوتشيكاراموسجيرانيـو.”
“…ماذا؟ أهو نوع جديد؟“
نظر إليها الإمبراطور بوجهٍ مذهول.
“لا، أنا من أطلقتُ عليه الاسم.”
“ولِمَ تسميه بذلك— أعني، بذلك الشكل؟“
“جمعتُ فيه كل الأسماء التي أحبها.”
حرّك شفتيه كأنه سيعلّق، ثم حدّق بها قبل أن يعود إلى صلب الموضوع.
“حسنًا، وما شأن هذا الـ “ل.ي.م.و.ن؟“
“ألا تراه الآن؟“
نظر حوله.
“إنه جالس على الغصن فوق رأس مولاي مباشرة. ليمون… طائرٌ شفاف.”
قالت ذلك بتردد تراقب تعابير وجهه.
كان غراي قد رفع بصره إلى الأعلى ثم أنزل نظره إليها بوجه متصلب.
لم يكن على الغصن شيء.
الطائر الذي كانت تتحدث عنه ليس فاكهة، بل طائر… شفاف، ولا تراه سواها؟
أنزل غراي نظره عن السماء وحدّق في داليا بوجهٍ متصلّب.
“أتذكرين حين قلت لكِ إن المخلوقات الشيطانية تكون شفافة؟ أأنتِ متأكدة أن ذلك الـ ليمون ليس مخلوقات شيطانية؟“
“ليمون ليس شيطان أبدًا. إنه لا يهاجم الناس، وحجمه لا يتجاوز كفّي. أتذكر ذلك اليوم؟ حين أنقذتُ الآنسة فيفي، طلبتُ من ليمون أن يُحضر جلالة الإمبراطور ومن معه. لا أعلم كيف فعل ذلك، لكنه هو من استدعاك، وبفضله نجوتُ أنا أيضًا. وحتى عندما انهالت السهام النارية، ساعدنا ليمون.”
“كيف؟“
سأل غراي وهو يرفع بصره إلى السماء مجددًا بنظرة حذرة.
وكأنه يجيب عن سؤاله، ارتفع ليمون عاليًا في الهواء وراح يخفق بجناحيه.
في اللحظة نفسها، أخذت بتلات الزهور المتناثرة على الأرض تدور برفق حولهما ملتفةً بهما في دوامة ناعمة.
اتسعت عينا الإمبراطور وهو يرى البتلات تحوم حولهما.
تذكّر حين ابتعدا عن ضفة البحيرة كيف هبّت ريحٌ قوية بالأوراق المتساقطة كأنها تسدّ طريقهما. وتذكّر أيضًا كيف انحرف مسار السهام النارية فجأة.
“هكذا.”
قالت داليا ذلك مبتسمة وأمسكت بإحدى البتلات الدائرة حولها.
“…حسنًا. إذًا هناك فعلًا طائر شفاف. وهذا الطائر يمتلك القدرة على التحكم بالرياح ولا يراه سواكِ.”
قال الإمبراطور ذلك بنبرة متأنية وكأنه يرتّب أفكاره.
اقترب في تلك اللحظة، أحد فرسان الحرس الملكي مسرعًا من إيثان وهمس في أذنه.
تجمّد وجه إيثان، ثم دخل الحديقة بخطوات سريعة.
ولما رأى الإمبراطور ملامحه غير العادية، نهض من مقعده.
اقترب إيثان وهمس بما لا يسمعه إلا هو:
“إحدى الفرق أُبيدت بالكامل.”
“لقد أمرتهم بوضوح ألا يشتبكوا.”
“يبدو أن المياه المقدسة قد نفدت منهم. وموقع الفرقة التي أُبيدت كان قرب القصر الإمبراطوري.”
واصل إيثان تقريره محاولًا كتمان ألم فقدان رجاله.
تصلّب وجه الإمبراطور وبدأ ذهنه يعمل بسرعة.
إذا طلب المزيد من المياه المقدسة، فسترتاب الإمبراطورية المقدسة في هالين.
كيف يمكنه الحصول عليها دون إثارة الشكوك؟
وفي خضم تفكيره، وقعت عيناه على داليا التي كانت تنظر إليه بقلق.
إذا كانت ترى طائرًا شفافًا… فهل يمكنها رؤية مخلوق شيطاني أيضًا؟
هزّ غراي رأسه سريعًا لطرد الفكرة.
لا يمكن أن تمتلك مثل هذه القدرة.
بل لا ينبغي لها أن تمتلكها.
في تلك اللحظة نهضت داليا واقتربت منه.
“هل حدث أمر سيئ؟“
ابتلع الإمبراطور ريقه ونظر إليها.
بما أن الأمر يتعلق بالمخلوقات الشيطانية، كان عليها أن تعلم.
“إحدى فرق الحرس أُبيدت على يد مخلوق شيطاني.”
“……”
وقفت مذهولة عاجزة عن الكلام.
ما إن سمعت أن المخلوقات هاجمت الناس حتى هوى قلبها في صدرها.
“كيف…”
أمسكت بيده المرتجفة.
كانت يده التي اعتادت دفئها باردة الآن.
لم تعرف بماذا يمكنها أن تواسيه.
شدّ الإمبراطور على يدها بقوة ثم التفت إلى إيثان.
“في الوقت الحالي، اشترِ سرًّا ما لدى النبلاء من مياه مقدسة.”
“أمرك.”
انحنى إيثان وغادر سريعًا.
غرقت داليا في التفكير للحظة ثم قالت بحذر:
“مولاي… المياه المقدسة غير كافية الآن، أليس كذلك؟ ألا يمكنني أن أساعد؟“
“ماذا؟“
قطّب الإمبراطور حاجبيه.
“قلتَ إن المخلوقات الشيطانية لا يظهر جسدها إلا بعد أن تُصاب بالمياه المقدسة. لكنني أرى طائرًا شفافًا. ربما أستطيع رؤية المخلوقات الشيطانية أيضًا—”
“لا.”
قاطعها الإمبراطور بحزم.
“في وضعٍ كهذا، حيث المياه المقدسة شحيحة، قد تحتاج إلى مساعدتي. دعني فقط أتأكد إن كنت أستطيع رؤية المخلوقات، ثم أعود فورًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 86"
ما توقعت داليا تروح بنفسها تكشف الشياطينن