رمقت الآنسة يوفـرون الأميرة تيارا بنظرة باردة ثم أشارت إلى الخادمة بطرف عينيها.
في تلك اللحظة، نهضت إحدى الآنسات من مقعدها واتجهت نحو آني التي كانت تقف في الخلف.
“آنسة، لا بد أن الوقوف متعب لكِ، ما رأيكِ أن تجلسي معنا؟“
“لا بأس.”
كان وجودها خلف الأميرة يتيح لها مراقبتها وحمايتها على نحوٍ أفضل.
“يا لها من أميرة، لا تهتم حتى بوصيفتها. يبدو أن الشائعات صحيحة فعلًا.”
تصلّبت ملامح آني قليلًا بينما غطّت الآنسة فمها متظاهرةً بأنها زلّت بلسانها من دون أن يبدو عليها أي أسف.
“لا أعلم ما طبيعة تلك الشائعات، لكن سموّ الأميرة ليست كذلك.”
“حسنًا، لا بد أنهم لقّنوكِ هذا الرد.”
حافظت آني على هدوء تعبيرها.
لم يكن من الضروري أن تردّ على كل إشاعة تتداولها فتاة تنجرف خلف الأقاويل.
“إن كنتِ قد مررتِ بأمرٍ سيئ، فبإمكانكِ أن تبوحي لي وحدي. أنا بارعة في كتمان الأسرار.”
لم تكن تبدو كذلك إطلاقًا.
أطرقت آني مفكّرة للحظة، ثم فتحت فمها ببطء.
“صحيح أن سموّ الأميرة تضعني أحيانًا في مواقف محرجة.”
“يا إلهي، كيف ذلك؟“
“تعلمين كريستال مملكتنا، أليس كذلك؟“
“بالطبع. الكريستال نادر وثمين جدًا حتى في الإمبراطورية.”
“سموّ الأميرة تملك منجم كريستال وتواصل إهدائي حُليًّا مصنوعة منه حتى امتلأت غرفتي بها. الأمر محرج حقًا إلى حدّ لا يُوصف.”
“ف–فهمت.”
جالت عينا الآنسة عليها بنظرة يغلب عليها الحسد.
وعند التدقيق، كان القرطان اللذان ترتديهما آني من أحدث صيحات حُليّ الكريستال التي يُقال إنه لا يمكن الحصول عليها حتى بالمال.
شعرت الآنسة بنظرة استعجال من الآنسة يوفـرون، فعادت لتتحدث.
“هل رأيتِ يومًا سموّ الأميرة تعامل من هم دونها بقسوة—”
“أميرتنا هوايتها النوم، لذا تختار النوم بدلًا من إضاعة وقتها في مضايقة من هم دونها.”
قاطعتها آني في منتصف كلامها.
“سررتُ بالحديث معكِ.”
استدارت الآنسة وقد فقدت حماستها وعادت إلى مقعدها بخطوات سريعة.
تبعَتها آني بنظرة باردة، ثم أعادت تركيزها إلى الأميرة.
* * *
كانت داليا تحتسي الشاي وهي تفكّر في التوقيت المناسب للمغادرة.
لقد أظهرت العقد بما فيه الكفاية وألمحت بما يكفي إلى نية الزواج من الإمبراطور.
أنجزت كل ما كان عليها فعله، لكن هل ستدعها الآنسة يوفـرون تغادر بسهولة؟
“الأميرة داليا.”
جاءها النداء في اللحظة المناسبة.
“نعم؟“
“في غرفتي لوحة جميلة للغاية، هل تودّين إلقاء نظرة عليها؟“
“آه… حسنًا.”
نهضت داليا ببطء من مقعدها.
ارتسمت على شفتي الأميرة تيارا ابتسامة ملتوية عند رؤيتها ذلك.
“استمتعي بالمشاهدة يا داليا.”
نظرت الآنسة يوفـرون إلى تيارا بدهشة.
“ظننتُ أن سموّكِ سترغبين في مرافقتنا.”
“لا أهتم باللوحات.”
ابتسمت يوفـرون ابتسامة عريضة، وكأن الأمور سارت كما أرادت.
ما إن تحركت داليا برفقة الآنسة يوفـرون، حتى تبعهما إيثان وكول.
خفضت أناستاسيا عينيها، ورمقتهما بنظرة ضجر واضحة.
توقفت أمام باب غرفتها، ثم التفتت إليهما.
“لم يسبق أن دخل رجلٌ غرفتي قط.”
تحدثت داليا إلى إيثان وكول وكأنها تتفهم الأمر.
“انتظراني أمام الباب.”
أومأ الاثنان برأسيهما انحناءة خفيفة، ووقف كل منهما على أحد جانبي الباب.
دخلت داليا الغرفة بإرشاد الآنسة يوفـرون.
يبدو أنها مولعة باللون الأحمر؛ فقد ازدانت الغرفة بأسرها بالورود الجورية.
“إنها عابقة بالعطر.”
“أنا أعشق الورود. أما اللوحة التي ذكرتُها فهي هذه.”
أشارت يوفـرون إلى لوحة معلّقة على الجدار.
تأملتها داليا بإمعان فهي تحب اللوحات.
كانت تُصوّر امرأة جالسة على كرسي وخلفها امرأة أخرى بملامح حادة ترفع مزهرية عاليًا.
بدت اللوحة حيّة إلى درجةٍ يُخيّل معها أنّ المزهرية ستُهوى فوق رأس المرأة في أية لحظة.
“اللوحة مخيفة بعض الشيء.”
“عنوانها ‘الانتقام‘.”
جاء صوت الآنسة يوفـرون ناعمًا من خلف داليا وهي تشرح.
“وهل ارتكبت المرأة الجالسة خطأً ما؟“
سألت داليا وهي لا تزال تتأمل اللوحة.
“بالطبع. لا يمكنني أن أترك من ينتزع ما هو لي بلا عقاب.”
“إذن فالمرأة الجالسة سلبت شيئًا يخص الأخرى الواقفة خلفها؟ يبدو أن في اللوحة قصة… هذا مثير للاهتمام.”
استدارت داليا ببطء، لكنها اتسعت عيناها دهشةً.
كانت الآنسة يوفـرون تمسك بمقصّ، وتقصّ خصلةً كاملة من شعرها الأحمر.
بالنسبة لآنسات النبلاء، كان الشعر رمز الجمال وأثمن ما يملكن؛ بل إن بعضهنّ لا يقصصنه طوال حياتهن.
“آنسة يوفـرون، ما الذي تفعلينه الآن؟ ولماذا تقصّين شعركِ؟“
همست يوفـرون بابتسامة راضية:
“أنا لا أقصّه، بل سموّ الأميرة هي من اعتدت عليّ.”
“أنا؟“
حدّقت داليا فيها بنظرة مذهولة.
زاد انحناء شفتي يوفـرون ارتفاعًا وهي تتعمد جعل الشعر مقصوصًا بشكل أكثر فوضوية.
“نعم. لأن سموّكِ تغارين مني. فأنا الوحيدة في هذه الإمبراطورية التي تليق بمقام الإمبراطورة.”
“هاه…”
تنهدت داليا بعمق.
كانت تأمل ألا يحدث شيء كهذا، لكنه وقع في النهاية.
“سأندفع بعد قليل إلى الخارج، وأُري الآنسات شعري المشوّه. وسيعدن إلى منازلهن ليخبرن آباءهن وإخوتهم أنه لا يجوز قبول أميرة خطرة كهذه إمبراطورةً. مهما يكن إعجاب جلالة الإمبراطور بكِ، فلن يستطيع مخالفة اعتراض الوزراء.”
تلألأت عينا يوفـرون بثقةٍ مفرطة.
نظرت إليها داليا بوجهٍ معقّد المشاعر، واستعادت ما حدث في العربة قبل مجيئها إلى هنا.
* * *
كانت الأميرة الإمبراطورية تيارا قد أعادت عربتها، وصعدت إلى عربة داليا.
“خذي هذا.”
مدّت نحوها حجرًا كريمًا لا يتجاوز حجمه حجم الظفر.
“ما هذا؟“
“كرة تسجيل.”
“كرة تسجيل؟ أهي صغيرة إلى هذا الحد؟“
“عمّ تظنين عن إمبراطورية كيزيا؟ مثل هذا نصنعه ونحن مغمضو الأعين.”
“ولماذا تعطينني إياها؟“
“من الأفضل دائمًا الاحتفاظ بدليل… عندما تنتشر شائعات سخيفة.”
قالت ذلك ثم ثبّتت كرة التسجيل في عقد داليا.
كانت شفافة اللون فلم تُحدث أي نشاز في شكل العقد.
“الشائعة الغريبة التي ذكرتِها سابقًا… ما هي؟“
نظرت تيارا مباشرةً في عيني داليا وأخبرتها بما سمعته.
“يقولون إن داليا ضربت الآنسة يوفـرون. الشائعة تنتشر سرًا وما إن سمعت بها حتى جئت إليكِ. واليوم تتلقين دعوة منها؟ إن لم يكن هذا فخًا فماذا يكون؟ لذا احرصي على إبقاء كرة التسجيل مثبتة.”
* * *
ارتشفت تيارا قليلًا من الكاكاو الذي قدّمته الخادمة، ثم عبست وأنزلت الفنجان بعنف.
“ليس فيه أي حلاوة. أعيدي إعداده.”
“أعتذر.”
التقطت الخادمة الفنجان بسرعة وانسحبت وقد بدا عليها الارتباك.
خيم شيء من الفتور على أجواء حفل الشاي بسبب مزاج تيارا الحاد.
“همم… تُرى هل بدأ الأمر الآن؟“
تمتمت لنفسها ثم نهضت وألقت نظرة على الآنسات الجالسات بصمت.
“ألستنّ شاعرات بالملل؟“
“ماذا؟ لا، أبدًا.”
“نحن بخير.”
خوفًا من أن تقدم تلك الأميرة المتهورة على تصرف غير متوقع إن اعترفن بالملل، سارعت الآنسات إلى النفي.
ابتسمت تيارا بسخرية خفيفة، ثم صفقت بأصابعها.
صدر صوت فرقعة، وظهرت سحابة سوداء في الهواء.
أطلقت الآنسات شهقات إعجاب؛ فحقًا كان ذلك يليق بأميرة تنتمي إلى مهد السحر.
“سأريكنّ شيئًا ممتعًا.”
صفقت بأصابعها مرة أخرى، فارتسمت صورة فوق السحابة السوداء.
اتسعت أعين الآنسات ذهولًا عند سماع الكلمات التي نطقت بها المرأة الظاهرة في المشهد.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 79"