على نداء الإمبراطور، خفضت بصرها فالتقت بعينيه المليئتين بالقلق وهو يحدّق بها.
في موقف تتعلق فيه الحياة بالموت، إذا رفعتُ رأسي نحو السماء وابتسمت، فلابد أنني سأبدو مجنونة…
قالت على عجل:
“السماء صافية، هذا كل ما في الأمر.”
رفع الإمبراطور رأسه.
لكن السماء الزرقاء كانت ملبدة بدخان الحريق، باهتة لا صفاء فيها.
وحين أعاد نظره إليها، أشاحت داليا بوجهها بتوتر.
هو لم يصدق حتى قصة الحلم… فهل سيصدق وجود طائر غير مرئي؟
وبينما كانت تتجنب نظرته المتفحصة، وقع بصرها على ذراعه، فاتسعت عيناها فجأة.
“جلالتك!”
“ما الأمر؟”
مدّت يدها نحوه بقلق.
كان قماش كمّه محترقًا، وقد انكشفت تحته بشرة متورمة محمرة بشدة.
“لقد أُصبت!”
تفحصت جرحه بوجهٍ ممتلئ بالأسى.
الجلد المنتفخ المليء بالفقاعات كان مؤلمًا بمجرد النظر إليه.
جاءها صوته منخفضًا من فوقها:
“إنها الذراع اليمنى.”
رفعت رأسها إليه بدهشة ثم أعادت نظرها إلى ذراعه.
“الذراع اليمنى فعلًا…”
‘إذن الضماد الذي رأيته في الحلم… كان بسبب هذا؟ لو لم يأتِ لينقذني لما أُصيب…’
“كفى.”
“ماذا؟”
“أعرف ما تفكرين به، فتوقفي عن ذلك. ألم تقولي إنكِ ما دمتِ في القصر الإمبراطوري فأنتِ مسؤوليتي؟”
“لكن…”
“المذنبون هم من أطلقوا السهام ولستِ أنتِ. لماذا تلومين نفسكِ؟ اشتميهم هم.”
تبدلت نظرة داليا الشاردة إلى وضوحٍ مفاجئ.
صحيح.
الآثمون هم من أطلقوا السهام.
هي الضحية، فلماذا كانت على وشك أن تلوم نفسها؟
‘كنت أعلم أنه ذكي… لكنه حكيم أيضًا.’
بدأت تفهم لماذا يُعدّ أكثر أباطرة لوسيفون تمجيدًا.
“معك حق! هم الأشرار! يا ذوو عيون الضفادع! وأظافر الكتاكيت!” [ تشتمهم على فكرة ]
“شتائم مبتكرة.”
ضحك الإمبراطور ضحكة صافية.
تعلّقت عينا داليا بابتسامته دون أن تشعر.
‘إذن هو قادر على أن يبتسم هكذا أيضًا…’
حدّقت فيه شاردة وشعرت بدفءٍ لطيف يتسلل إلى صدرها.
“جلالة الإمبراطور!”
في تلك اللحظة، دوّى صوت إيثان من بعيد.
وكان وابل السهام المشتعلة قد توقف بالفعل.
أطلق الإمبراطور هالته إلى السماء، فانفجرت طاقة زرقاء في الهواء.
تردد صهيل الخيل وهي تقترب منهم سريعًا.
“جلالتك! هل أنت بخير؟”
قفز إيثان من فوق جواده.
“نعم. ماذا عنهم؟”
“الذين أُلقي القبض عليهم أثناء فرارهم انتحروا. كانوا يخفون سمًا في أفواههم فتناولوه فورًا. وعندما نزعنا الأقنعة، وجدنا وجوههم مشوهة بندوب حروق، مما يصعّب تحديد هوياتهم.”
ارتسمت على شفتي الإمبراطور ابتسامة باردة.
أشاحت داليا بنظرها فورًا.
عاد ذلك الوجه…
في تلك الأثناء، اقترب كول وهو يحمل آني بين ذراعيه.
“سموكِ، هل أنتِ بخير؟”
“أنا بخير. ماذا عن آني؟”
“أنا بخير أيضًا سموكِ.”
نظرت آني إليها مطمئنة.
قال الإمبراطور باقتضاب:
“سنعود.”
وبكلمة واحدة منه، انتهى كل شيء.
وبحجة الحريق الذي اندلع في الغابة، أُعلنت نهاية مسابقة الصيد على نحوٍ مفاجئ.
* * *
دخل رَايَان غرفة آني مسرعًا وقد شحب وجهه.
“آني!”
وقبل أن يبدأ في إغراقها بوابل من التوبيخ، رفعت آني يدها وتكلمت بهدوء:
“أخي، أنا بخير. قالوا إن الأمر يحتاج فقط إلى كمّادات باردة.”
“هاه…”
تنهد رَايَان بعمق وضغط بأصابعه على ما بين حاجبيه.
كانت داليا تقف إلى جوار آني، وقد توقعت ما سيقوله تاليًا، فأخذت تراقب تعابير وجهه بحذر.
“لم يعد الأمر مقبولًا. يجب أن تعودي الآن.”
“أعرف. وأنا أعلم أنني في خطر.”
“نعم. ولهذا عليكِ أن تعودي بسرعة.”
“لكن إن كنت أتعرض لمثل هذا في القصر الإمبراطوري، فهل هناك ما يضمن أن يكون طريق العودة آمنًا؟”
تصلب رَايَان عند سؤالها.
كان في كلام الأميرة منطق، لكن هذه المرة لم يكن بوسعه التراجع بسهولة.
“سأطلب من المملكة إرسال الفرسان. وسأتقدم بطلب مماثل إلى الإمبراطورية أيضًا.”
“وإن عدتُ إلى المملكة وأقمتُ في القصر المنفصل، فهل سأكون آمنة حقًا؟”
تردد رَايَان للحظة.
فهو لا يعلم من يستهدف الأميرة، ولذلك لم يستطع أن يعطيها وعدًا قاطعًا بشأن سلامتها.
فتحت داليا فمها من جديد:
“من دون القبض على الجاني، سأبقى قلقة أينما ذهبت. لذا دعونا نمسك به أولًا.”
“…حسنًا. لكن لا بد من إبلاغ جلالة الملك.”
كان يعلم أن كلامها صائب، فلم يكن أمامه سوى الموافقة.
“حسنًا.”
كانت تدرك أنها ستضطر لتحمل توبيخه القلق لاحقًا، لكنها تقبلت ذلك.
طرقٌ على الباب. ثم دخلت هارت بهدوء وهمست لداليا:
“صاحبة السمو، جلالة الإمبراطور يطلبكِ.”
“حسنًا، فهمت.”
خرجت الأميرة تتبع هارت، بينما اقترب رَايَان من آني.
“هل أنتِ بخير؟”
أومأت آني برأسها عند سماع نبرته القلقة.
“نعم. لكن الأهم أن تنتظر الأميرة. لديها سبب لا بد أن تبقى هنا من أجله.”
“يبدو ذلك. لكنني لا أعرف ما هو، وهذا ما يضايقني.”
تنهد رَايَان بضيق.
كانت آني تملك حدسًا ما، لكنها قررت أن تلتزم الصمت حتى تفصح الأميرة بنفسها.
* * *
دخلت داليا مكتب الإمبراطور، فانخفض بصرها إلى الضماد الملفوف حول ذراعه.
“أحيّي جلالة الإمبراطور.”
“لنترك التحيات الرسمية من الآن فصاعدًا. إيثان، اخرج قليلًا.”
أدّى إيثان تحية عسكرية دقيقة، ثم غادر الغرفة.
“هل الآنسة هيردلان بخير؟”
“طبيب القصر عالجها جيدًا. أشكرك. لكن ذراعك يا جلالة الإمبراطور… ما رأيك في مقابلة كاهن من الإمبراطورية المقدسة؟ يبدو أنهم يبرئون الجروح تمامًا.”
“طبيب القصر يكفي. لا حاجة لأن أُثقِلهم بدَين من أجل أمر تافه كهذا.”
بدت آثار الحروق مؤلمة إلى حدٍّ لا يُستهان به.
أومأت داليا برأسها لكنها لم تستطع إخفاء نظرة الأسف وهي تلقي نظرة جانبية على الضماد.
حتى الأمور الصغيرة تُحسب فيها الديون… هكذا هو ثقل العرش، لا بد أنه أمر شاق حقًا.
“أميرة؟ لماذا تبدين بلا حيوية هكذا؟”
“أظن أنني يجب أن أعود إلى المملكة…”
ساد الصمت وتجمد وجه الإمبراطور.
“إن وعدت فقط بأن تتزوج سريعًا، فسأعود فورًا.”
“إذًا لن تعودي أبدًا.”
ارتخى تعبيره قليلًا وابتسم بخفة.
“هذا ليس أمرًا مُضحك! لا نعلم متى سيحدث ذلك المستقبل! ربما… غدًا حتى!”
رفعت داليا صوتها، ثم تمتمت بوجه كئيب.
كانت قد اتخذت من محاولة الاعتداء عليها ذريعة أمام رَايَان، لكن منع نهاية العالم كان أولى من كل شيء.
“وما علاقة زواجي أنا بمنع نهاية العالم؟”
“لا أعلم. لكن في الحلم، قال أحدهم: ‘لو أن الإمبراطور غراي تزوّج فقط، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.’”
“ومن يكون ذلك الشخص؟”
“لا أعرف. لم أرَ وجهه. ففي الحلم لا أستطيع الحركة. أظل أحدّق إلى السماء هكذا… ومن فوق تتساقط الوحوش. وأسمع صرخات الناس.”
وضعت داليا دون أن تشعر يديها على أذنيها وانحنت برأسها.
مجرد استحضار الذكرى جعل الصرخات تتردد في أذنيها من جديد.
اتسعت عينا الإمبراطور ذهولًا.
“…وحوش؟”
أنزلت داليا يديها عند سماع كلمته.
“قلتِ… وحوش؟”
“نعم. مخلوقات غريبة لم أرَ مثلها من قبل تهبط من السماء.”
“هل كانت تطير في السماء؟”
“إن كانت تسقط من السماء، فلا بد أنها تطير، أليس كذلك؟”
“كيف كان شكلها؟”
“هل… تصدق كلامي الآن؟”
نظرت إليه بعينين متعلقتين بالأمل.
“اشرحي لي بالتفصيل.”
حثّها الإمبراطور وهو يعقد حاجبيه.
“كان عددها كبيرًا جدًا، فلم أتمكن من تدقيق كل واحدة، لكن جميعها كانت تملك أجنحة وسوداء اللون وكأنها خليط من عدة وحوش.”
انطلقت شهقة خافتة من فمه.
“هاه… كانت مخلوقات شيطانية.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
جهزوا الامتعة بدينا الحماس
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 63"