كانت داليا مستلقية على ظهرها باستقامة، وقد شبكت يديها بهدوء فوق صدرها.
“سموّ الأميرة، لم يمضِ وقت طويل على استيقاظك، أتنويـن النوم مجددًا؟“
ألقت هارت نظرة خاطفة على النافذة التي تتدفق منها أشعة الشمس الساطعة.
“لا بد أنها تحاول تربية العفن في جسدها.”
أجابت آني بدلًا عنها بوجه هادئ، وهي جالسة إلى الطاولة تقرأ كتابًا.
“ليس صحيحًا!”
فتحت داليا عينيها فجأة، ورمقت آني بنظرة مظلومة.
ما إن تظل في السرير حتى تبدأ تلك الأسطوانة عن العفن.
“عفن؟“
“هذه هواية سموّ الأميرة.”
هزّت هارت رأسها بتفهم.
“هواية سموّ الأميرة هي تربية العفن! سأتذكر ذلك!”
“قلتُ ليس كذلك……”
نظرت داليا بامتعاض إلى الوصيفة والخادمة اللتين لا تصغيان لكلامها أصلًا، ثم أغمضت عينيها بإحكام من جديد.
أغلقت آني كتابها ونظرت إليها.
“إذًا، لماذا تريدين قيلولة أخرى ولم تمضي سوى فترة قصيرة على استيقاظك؟“
“لأنني إن نمتُ كثيرًا سأحلم.”
أجابت داليا وهي ما تزال مغمضة العينين.
“أنتِ لا تحبين الأحلام.”
“صحيح. لكنني أحتاجها الآن.”
أي حلم له علاقة بالإمبراطور… أو حتى حلم عن المستقبل، أيًّا كان.
كان عليها أن ترى حلمًا آخر غير دمار العالم، لتجعل الإمبراطور يصدقها.
وعندها… ربما سيصدق يومًا حتى أمر دمار العالم.
وضعت داليا عصابة النوم وانتظرت أن يغلبها النعاس.
عادةً ما كانت تنام من دون أن تشعر، لكن حين استعدّت للنوم بكل هذا التركيز، جفاها النوم.
“لا أستطيع النوم يا آني. ساعديني!”
نهضت آني وكأنها كانت تتوقع ذلك، وأخرجت من حقيبتها كتابًا كانت قد أحضرته معها.
وضعت كرسيًا عند رأس السرير وجلست.
“أند واحد، أند اثنان، أند ثلاثة، أند أربعة، أند خمسة، أند ستة، أند سبعة، أند ثمانية، أند تسعة، أند عشرة……” [ أند مالها معنى بالكوري هو فقط نُطق كلمة and واعتقد وصلت فكرة اضافه الكلمة في عدها ]
ما إن بدأت آني بالقراءة، حتى أخذت الأميرة تتحرك في مكانها وكأنها على وشك الجنون من الضيق.
أما هارت، فكانت ترمش بعينيها بسرعة وملامحها يملؤها الذهول.
هل يوجد كتاب كهذا؟ أهذا نوع جديد من التعذيب؟
“أند حصان، أند بقرة، أند فأر……”
واصلت آني قراءة كلمة أند مرارًا وبنبرة هادئة لفترة طويلة، حتى نظرت إلى الأميرة وقد غفت تنفّسها بهدوء فأغلقت الكتاب.
حدّقت هارت في آني بعينين زائغتين كأنها تعرّضت للتعذيب.
ورغم أن القراءة توقفت، شعرت وكأن كلمة ‘أند‘ ما تزال ترن في أذنيها.
هزّت هارت رأسها بقوة محاولة التحرر من أسر أند.
“ما هذا الكتاب يا آنسة؟ مجرد سماعه يسبب صداعًا.”
أومأت آني بتفهم، ثم أبرزت غلاف الكتاب.
كان مكتوبًا عليه بخط متعرّج يشبه خط طفل صغير.
“هذا كتاب كتبته الأميرة داليا بنفسها عندما كانت صغيرة. هل تودين رؤيته؟“
“سموّ الأميرة؟“
فتحت هارت الكتاب بفضول.
لم يكن فيه سوى كلمات مفردة وكلمة أند مكررة بلا توقف.
“وهذا يُعد كتابًا؟“
“الملكة الراحلة جمعت ما كتبته صاحبة السموّ من ملاحظات أثناء دراستها للمفردات في كتاب واحد. إذا قرأناه لها حين لا يأتيها النوم، تنام فورًا… إذ تهرب من الخجل إلى النوم.”
وتبادل الاثنان الهمس بصوت منخفض، ثم غادرا الغرفة بهدوء كي تنعم الأميرة بنوم مريح.
* * *
“أميرة مملكة فويفرن التي لم تكن تغادر القصر المنفصل قط، خرجت إلى العالم الخارجي؟“
تكلّم البابا أخيرًا بعد أن ظلّ يحدّق في تمثال الإلهة طويلًا بصمت.
فانحنى كبير المحققين الذي كان واقفًا خلفه انحناءة عميقة.
“نعم. لكن الأمر غريب… لماذا لم يرفع قائد الفرسان المقدسين تقريرًا بذلك؟“
استدار البابا ببطء ونظر إلى كبير المحققين من علٍ.
“ومتى كان ذلك الفتى مهتمًا بالنساء أصلًا؟ لا بد أنه منشغل بمحاربة الوحوش.”
“وهذا بحدّ ذاته مشكلة. ألم يفلت منه وحش كان قد كاد يقضي عليه؟ يجب أن تُنزَل به عقوبة صارمة.”
“أليست الوحوش كثيرة يا كبير المحققين؟“
“لكن…”
رفع كبير المحققين رأسه، فالتقت عيناه بنظرة البابا الباردة.
“أعلم أنك تتحفّظ عليه. لكن ذلك الفتى هو سيد السيف الوحيد في إمبراطوريتنا. ويجب أن يظل مرتبطًا بها إلى الأبد. أفهمت؟“
“نعم، فهمت.”
استدار البابا من جديد، ورفع بصره إلى تمثال الإلهة.
كانت مملكة فويفرن تقع على مقربة شديدة، ومع ذلك لم تُقِم أي تبادل يُذكر مع الإمبراطورية.
ففي حين كانت الطلبات تنهال من الدول الأخرى لإرسال كهنة رفيعي المستوى أو ماءٍ مقدّس، لم تطلب فويفرن شيئًا من هذا القبيل قط.
كان الملك السابق شخصًا منغلقًا، ويبدو أن الملك الحالي يسير على نهجه.
ومع ذلك، خرجت إلى العلن أميرة القصر المنعزل، تلك التي كان وجودها نفسه موضع نسيان.
ما السبب وراء ذلك؟
قبل زمن بعيد، كان أحد الفرسان قد رفع تقريرًا يفيد بالعثور على قدّيسة في مملكة فويفرن، ثم اختفى بعد أن أُرسِل إلى لواند.
وبما أنه كان معروفًا بإدمانه القمار وتلفيق التقارير الكاذبة، فقد طُمِس ذلك البلاغ، ولم يُبحث عنه لاحقًا.
لكن، لسببٍ ما، خطر على بال البابا فجأة أن يتساءل عن مصيره.
“ابحثوا عن الفارس لومون الذي اختفى قبل ثلاثة عشر عامًا. وبلّغوا القائد أن يراقب أميرة القصر المنعزل.”
“أمرك.”
* * *
كانت داليا تنتظر الإمبراطور بوجه متوتر، تمشي ذهابًا وإيابًا في المكان نفسه.
شعرت بنظرات القلق من كول وآني خلفها، لكنها لم تستطع السيطرة على اضطرابها.
بعد أيامٍ قضتها تحاول النوم دون أن تغادر سريرها، نجحت أخيرًا في رؤية المستقبل.
لكنها ندمت؛ كان الأجدر بها ألّا ترى مثل ذلك الحلم.
وقفت داليا في الممر الذي يخرج منه الإمبراطور بعد انتهاء اجتماعه لتنتظره.
وما إن رأته يخرج برفقة أوريون، حتى اندفعت نحوه راكضة.
كان طرف فستانها الواسع يلتفّ حول قدميها باستمرار، فرفعته حتى مستوى كاحليها.
“صاحبة السمو!”
وصلها صوت آني من الخلف بنبرة توبيخ، لكنها تجاهلته، وتوقفت أمام الإمبراطور مباشرة.
“جلالة الإمبراطور!”
وأمسكت داليا بذراعه اليمنى دون تردد.
شعرت بنظرته المتفاجئة وهو يحدّق فيها، لكنها لم تترك له فرصة للكلام، إذ كان تفحّص ذراعه أهمّ.
“أميرة، ماذا تفعلين؟“
“لم تُصب بأذى، أليس كذلك؟“
كانت تمسك بذراعه بإحكام، كأنها ذراعها هي، وترفع نظرها إليه بقلق صادق.
ألقت داليا نظرة سريعة على من حولها، ثم سحبت الإمبراطور معها إلى مكان كثيف الأشجار.
“هل تأخذين كل رجلٍ تقابلينه إلى مكانٍ خفيّ كهذا؟“
“ومتى فعلتُ ذلك؟“
نظرت إليه باستغراب، فحدّق فيها للحظة ثم ارتسمت على شفتيه فجأة ابتسامة رضا.
‘لماذا يبتسم بدل أن يجيب؟‘
“ما الأمر؟“
“رأيتُ حلمًا.”
تفحّصت داليا المكان بحذر، وحين لاحظت أوريون يراقبهما بنظرة فضول، أشارت إليه بيدها أن يبتعد قليلًا.
تراجع أوريون خطوة إضافية وارتسمت على وجهه ملامح خيبة.
“أرأيتِ المستقبل؟“
تقدّم الإمبراطور خطوة، وحجبها بجسده العريض.
“نعم، هذا صحيح! جلالتك ستُصاب… في ذراعك اليمنى.”
أجابت الأميرة بصوت خافت حزين.
“…فهمت.”
نظر الإمبراطور إلى ذراعه، ثم ردّ ببطء.
“ماذا نفعل إذن؟“
“هل تعرفين متى وكيف ستُصابينني؟” [ قصده انه مو مصدقها ويعتقد انها هي الي بتصيبه xd ]
“لا. أحيانًا تتحقق أحلامي بعد ساعات قليلة، وأحيانًا بعد سنة كاملة. لا أعرف الوقت بدقة. كما أنني لا أرى سوى لقطات متفرقة… أنا آسفة. لا أستطيع حتى أن أساعدك رغم أنك ستُصاب.”
خفضت داليا بصرها نحو ذراعه التي ما زالت تمسك بها، وارتسمت على وجهها ملامح أسى.
شعر غراي على نحو غريب بأن زاوية فمه ترتفع، فغطّى فمه بيده الحرة ثم توقّف فجأة.
‘لماذا أحاول إخفاء ابتسامتي؟‘
لطالما اعتاد أن يُظهر ابتسامة متعمّدة أمام الآخرين، يستخدمها لتخفيف حذرهم.
لكن نظره انجذب إليها دون وعي.
كانت الأميرة ما تزال تقلّب ذراعه هنا وهناك، قلقة عليه بصدق.
‘لطيفة… لماذا أجد امرأة بالغة لطيفة إلى هذا الحد؟ ولماذا أشعر بالرضا كلما رأيتها تقلق عليّ؟‘
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 58"